فجّرت الزيارة التفقدية التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان إلى ما وُصف بـ"مفرزة المقاتلات المصرية" في الإمارات جدلاً واسعاً حول طبيعة هذا الانتشار العسكري وحدوده، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، يتزامن مع استمرار الضربات الإيرانية رغم الهدنة، وتصاعد التوتر في الخليج.
الخطوة فتحت الباب أمام تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتشمل موقع القاهرة في معادلة الصراع الإقليمي، واحتمالات انخراطها في المواجهة مع إيران، خصوصاً في ظل سعي القاهرة للحفاظ على توازن دقيق بين دعم أمن الخليج وتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة.
وبينما حرصت القاهرة على تأكيد التزامها بأمن دول الخليج ورفضها للاعتداءات الإيرانية، فإن طبيعة الوجود العسكري المصري المعلن تعكس، وفق مصادر مطلعة، مقاربة مصرية قائمة على الردع المحدود، والجاهزية دون الانخراط المباشر، في محاولة لإدارة التوتر دون التصعيد.
"مفرزة المقاتلات المصرية": بوظيفة ردعية
قال مصدر عسكري مصري لـ"عربي بوست" إن الوصف الذي استخدمه البيان الإماراتي للقوات المصرية على أراضي الدولة، وهو كلمة "مفرزة"، يشير إلى أن القاهرة لم تنخرط بعد في أي عمليات قتالية خارج الحدود، إذ إن هذا الوصف يتعلق بوجود قوة صغيرة تقوم بتأمين منطقة محددة دون أن تنخرط في القتال، لكنها تبقى في وضع الاستعداد لأي تطورات.
وأشار المصدر العسكري، مفضلاً عدم ذكر اسمه لكونه غير مخول له بالحديث للإعلام، إلى أن محدودية القوات المصرية تشي بأن الهدف ليس الدخول في الحرب، لكن وجود أداة ردع مصرية، كما أنها رسالة طمأنة لدول الخليج بأن مصر لن تتخلى عنها في حال تمددت تداعيات الضربات الإيرانية.
كما أن "مفرزة المقاتلات المصرية"، يقول مصدر "عربي بوست"، تأتي وسط تنوع دفاعي وعسكري خليجي مع أطراف أخرى من بينها دول الاتحاد الأوروبي، خاصة فرنسا، وهو أمر يعكس ظهور طائرات الرافال الفرنسية خلال تفقدها من قبل الرئيسين المصري والإماراتي.
وتعبّر عن أن مصر يمكن أن تبقى ضمن منظومة أكثر تطوراً تستهدف الحفاظ على موازين القوى في منطقة الخليج والتعامل مع حالات الطوارئ والتهديدات العاجلة، ويمكن أن تقدم الدعم اللوجستي والمعلوماتي المطلوب للقيام بمهام دفاعية، وهو ما تلتزم به دول الخليج في الوقت الحالي، ويتماشى مع رغبات مصرية بعدم انخراطها في الحرب التي تستفيد منها واشنطن وتل أبيب.
تسمية "مفرزة"، إضافة إلى كونها تؤشر على محدودية القوات وطاقمها الذي يمكن أن يدخل في إطار الرمزية، تتماشى في الوقت ذاته مع الدستور المصري الذي يتطلب موافقة برلمانية مسبقة لأي قوات تتواجد للقتال خارج الحدود، وأن عمليات الدعم اللوجستي أو التدريبات يمكن أن تتحرك فيها القوات المسلحة دون موافقة مسبقة.
ولفت المصدر العسكري المصري إلى أن الدستور المصري لا يمنع رئيس الجمهورية من اتخاذ قرار بإرسال قوات لتنفيذ مهام تدريبية أو تأمينية أو عمليات محدودة وغير معلنة دون الرجوع إلى البرلمان.
بحسب المصدر ذاته، فإن القيادة المصرية تسير على "أشواك عديدة" بسبب التطورات الحالية في المنطقة، فهي ترفض أن تكون طرفاً في حرب لا طائل منها ومن الممكن أن تصب في صالح أعدائها، وفي الوقت ذاته فهي تلتزم بأمن دول الخليج وتعتبر أن ذلك جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
في حين أن انحياز مصر الكامل ومعاداة إيران بشكل صريح قد تكون له تداعيات سلبية على موازين القوى في المنطقة، وبالتالي فهي تختار أن يكون لديها تعبير أكثر وضوحاً عن دعم الموقف الخليجي ضد الاعتداءات الإيرانية، مع استمرارها في الحفاظ على توازناتها الدبلوماسية والسياسية، وهو أمر يمكن أن يحققه إرسال تشكيلين جويين على الأقل، بما يعادل نحو 10 مقاتلات تقريباً.
دلالات الزيارة: رسائل مزدوجة
قالت وكالة الأنباء الإماراتية (وام) إن السيسي وبن زايد قاما بزيارة تفقدية لما وصفته بـ"مفرزة المقاتلات المصرية" المتمركزة في الدولة، وذلك بهدف "الاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات".
وبحسب بيان لوزارة الدفاع الإماراتية، عبر حسابها بمنصة "إكس"، فإن زيارة الرئيس المصري ونظيره الإماراتي إلى "مفرزة المقاتلات المصرية" تهدف إلى "الاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات".
وبحسب مصدر عسكري آخر، فإن وجود قوات مصرية في الإمارات له دلالة واضحة على أن مصر "حريصة على استقرار الخليج وترفض الاعتداءات عليه أو تعرضه لتهديدات بما يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي".
وأشار المتحدث في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن "مفرزة المقاتلات المصرية" لا تقوم بمهام تنفيذية متطورة، بقدر ما تعبر عن انتقال التعاون العسكري بين مصر والخليج بصفة عامة ودولة الإمارات على وجه التحديد من مرحلة التنسيق إلى الاشتراك في مهام دفاعية، والتحول من تعدد التدريبات المشتركة إلى التنسيق بشأن الخطط العملياتية الدفاعية.
ووصلت مصر الآن إلى مستويات متقدمة من التنسيق العسكري والاستراتيجي مع دول الخليج، خاصة مع دولة الإمارات، ويؤشر وجود القوات إلى أن هناك شراكة أمنية متصاعدة تؤكد وجود مخاطر مشتركة بحاجة إلى التعاون من أجل التعامل معها.
كما أن وجود هذه القوات المصرية، يضيف المصدر العسكري، يؤكد أن أمن الخليج يعد جزءاً من منظومة الأمن القومي، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى معاداة دول أخرى فاعلة في الإقليم، ويمكن أن يأتي هذا الحضور العسكري في إطار اتفاقيات الدفاع العربي المشترك.
ولفت إلى أن هناك ما يستدعي تفعيل هذه الاتفاقيات في هذا التوقيت، بل إنه يمكن القول إن وجود قوات مصرية في الإمارات مقدمة لمزيد من التنسيق العسكري العربي المشترك، خاصة أن التهديدات التي تستهدف استقرار الخليج أو أمن الممرات البحرية والطاقة تنعكس مباشرة على الأمن القومي العربي، وكذلك تؤثر سلباً على الأمن القومي المصري.
رسائل إقليمية: بين الردع وتجنب الانخراط
المصدر العسكري أشار إلى أن مصر توجه رسائل أخرى من وراء هذه القوات، مفادها أن التحالف المصري الخليجي لن يتفكك، ويمكن أن يتم توجيهه بشكل أكبر للدفاع عن مهددات الأمن القومي العربي.
إذ توقع المصدر إبرام مزيد من بروتوكولات التعاون العسكري المشترك خلال الفترة المقبلة مع استمرار المناورات المشتركة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن ذلك لا يعني أن مصر راغبة في الانخراط بهذا الصراع، لكنها تلعب أدواراً أمنية دفاعية مشتركة وترتيبات جاهزة يمكن أن يتم توظيفها وقت الحاجة.
وكان وزير الخارجية بدر عبد العاطي قد قام بجولة خليجية بعد أسبوعين من اندلاع الحرب، زار خلالها 5 عواصم عربية والتقى الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، وتضمنت رسائل تؤكد إدانة مصر لاستهداف دول الخليج، والتأكيد أن أمن الخليج هو امتداد للأمن المصري، والدعوة إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك وتشكيل قوة عربية مشتركة.
الداخل المصري: قراءة سياسية وإعلامية للرسالة
قال البرلماني والإعلامي مصطفى بكري إن الكشف عن وجود قوات جوية مصرية في الإمارات "ليس استعراضاً"، بل يحمل رسائل عديدة، مشيراً إلى أن عبارة "مسافة السكة" التي أطلقها السيسي سابقاً "لم تعد مجرد عبارة، بل أصبحت عنواناً لموقف سياسي وعسكري أثبتته الأحداث".
وأضاف أن وجود القوات الجوية المصرية يحمل رسالة واضحة بأن "مصر لا تترك أشقاءها وقت الخطر"، وأن الإعلان الإماراتي جاء "بالتوافق مع مصر"، مؤكداً أن القاهرة "تعرف متى تتحرك ومتى ترسل رسائل قوة وتحمي أمنها القومي وأمن أشقائها".
وبحسب مصدر حكومي مصري، فإن زيارة السيسي الخليجية جاءت في وقت حساس للغاية جراء استهداف إيران لدولة الإمارات، وكذلك سفن تجارية في المياه الإقليمية القطرية، مع احتمالات لاستئناف الحرب، مشيراً إلى أن مصر تتحرك وفق رؤية تقوم على الحكمة والحوار ورفض التصعيد، مع الحفاظ على الجاهزية الكاملة.
وأضاف في تصريح لـ"عربي بوست" أن "مفرزة القوات المصرية" تحمل رسالة طمأنة ودعم للإمارات، وتؤكد جاهزية الدولة المصرية وقدرتها على الردع، موضحاً أن مصر لا تقف موقف المتفرج تجاه التحديات الإقليمية، بل تتحرك بفاعلية لمنع تفاقم الأزمات، مع استمرارها في الدفع نحو بناء منظومة أمن إقليمي عربي مشترك.