تتجه الأنظار إلى دمشق مع اقتراب زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، حيث يستقبله الرئيس السوري أحمد الشرع السبت 9 مايو/ أيار 2026، في لحظة إقليمية دقيقة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع مسارات التفاوض، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ في شرق المتوسط.
الزيارة، التي تبدو في ظاهرها تنسيقية، تحمل في عمقها محاولة لإعادة ضبط العلاقات بين سوريا ولبنان ضمن معادلة جديدة يفرضها التصعيد الإسرائيلي، والضغوط الأمريكية المتزايدة، ومواجهة رغبات إسرائيل في تفكيك الملفات الإقليمية والتعامل مع كل ساحة على حدة.
ضمن هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة بُعداً يتجاوز العلاقات الثنائية، لتصبح جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل، فإما أن تنجح في تثبيت إطار تفاوضي مشترك يعيد التوازن، أو تتحول إلى محطة عابرة في مسار تفكيك تدريجي للجبهات، يفتح الباب أمام فرض وقائع جديدة على الأرض.
من التباعد إلى محاولة فرض وحدة المسار
خلال الأشهر الماضية، برز تباين واضح بين المقاربتين اللبنانية والسورية لمسار التفاوض مع إسرائيل، إذ بدأت بيروت تقترب، تحت ضغط داخلي وخارجي، من خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، أو على الأقل فتح قنوات منفصلة برعاية أمريكية، بينما دفعت دمشق باتجاه إطار سياسي أوسع يربط المسارات ويمنع الاستفراد بكل دولة.
مصادر دبلوماسية سورية أكدت لـ"عربي بوست" أن هذا التباين لم يعد قابلاً للاستمرار في ظل التطورات الميدانية، خصوصاً مع تصاعد العمليات الإسرائيلية في جنوبي سوريا ولبنان، ومحاولة تل أبيب فرض واقع "التفاوض تحت النار". وتضيف أن اللقاء المرتقب سيهدف إلى تثبيت مبدأ واضح: لا تفاوض منفصلاً، ولا مسارات متوازية، بل إطار تنسيقي موحد يحدد السقف السياسي والأمني لأي مفاوضات.
وترى دمشق أن تجربتها في عام 2025، حين دخلت في مسار تفاوضي مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تنسحب منه بسبب اختلال ميزان القوى، تشكل نموذجاً تحذيرياً للبنان، الذي يواجه اليوم ظروفاً أكثر تعقيداً، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي.
هذا التحول، وفق مصادر "عربي بوست"، يعكس إدراكاً متزايداً لدى كل من سوريا ولبنان بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل تفاوضية أيضاً، وأن شكل الطاولة التفاوضية قد يكون حاسماً بقدر نتائج الميدان.
"امتعاض" سوري من خيارات بيروت
في موازاة ذلك، لا تخفي دمشق امتعاضها من المسار السياسي الذي اعتمده لبنان في المرحلة الماضية، وتحديداً من مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، التي اعتُبرت في الأوساط السورية خروجاً عن قاعدة التنسيق التقليدية بين سوريا ولبنان.
وتشير مصادر دبلوماسية عربية رفيعة تحدثت لـ"عربي بوست" إلى أن ملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص شكّل نقطة مفصلية، إذ مضت بيروت في هذا المسار دون العودة إلى دمشق، رغم الترابط الجغرافي والسياسي بين الملفين في شرق المتوسط.
وترى هذه المصادر، التي فضلت عدم ذكر اسمها، أن هذا الخيار ترافق مع انخراط تدريجي للبنان في معادلة إقليمية تضم اليونان وإسرائيل والإمارات، وهو ما تعتبره سوريا تموضعاً سياسياً وأمنياً يضع لبنان في محور متعارض مع مصالحها، وكذلك مع المصالح التركية.
ولا يقتصر القلق السوري على البعد السياسي، بل يمتد إلى البعد الاستراتيجي، حيث تخشى دمشق من أن يؤدي هذا التموضع إلى عزل لبنان عن عمقه الجغرافي، وتحويله إلى ساحة قابلة للضغط الإسرائيلي المباشر، دون غطاء إقليمي كافٍ.
بهذا المعنى، يصبح شرق المتوسط ليس مجرد ساحة طاقة، بل خط تماس سياسي يعكس إعادة توزيع النفوذ في المنطقة.
رفض مشروع إعادة رسم الجغرافيا الأمنية
على المستوى الميداني، تتقاطع تقديرات سوريا ولبنان حول خطورة ما يُعرف بالتسريبات الإسرائيلية بـ"الخط الأصفر"، الذي يقوم على ربط مناطق النفوذ الإسرائيلية بين جنوب لبنان وأجزاء من الجنوب السوري.
هذا المشروع، بحسب مصادر دبلوماسية سورية، لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب تكتيكية، بل إلى إعادة رسم خريطة السيطرة عبر التحكم بالممرات الحدودية وفرض وقائع جغرافية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً.
وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تكثف عملياتها في ريفي القنيطرة ودرعا، مستفيدة من حالة السيولة الإقليمية ومن التباينات بين بيروت ودمشق، لفرض هذا الواقع تدريجياً، بالتوازي مع استمرار الضغط العسكري في جنوب لبنان.
وترى دمشق أن نجاح هذا المشروع سيؤدي إلى إضعاف البلدين معاً، وتحويل الحدود المشتركة إلى نقطة اختراق استراتيجية لصالح إسرائيل، ما يفرض ضرورة تنسيق أمني وسياسي عالي المستوى.
في هذا السياق، لا تُقرأ الزيارة المرتقبة كحدث دبلوماسي فقط، بل كجزء من محاولة استباق هذا السيناريو ومنع تثبيته على الأرض.
حراك إقليمي لمواجهة الاحتكار الأمريكي
بالتوازي مع تحرك سوريا ولبنان، تكشف مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست" عن حراك إقليمي تقوده تركيا والسعودية وقطر ومصر، يهدف إلى منع انهيار التوازنات وبناء ما يمكن وصفه بـ"مظلة أمان" سياسية وأمنية.
هذا الحراك لا يقتصر على الوساطة الدبلوماسية، بل يشمل طرح ترتيبات ميدانية، من بينها أفكار تتعلق بنشر قوات متعددة الجنسيات في مناطق التماس لضبط قواعد الاشتباك ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
وتبرز أنقرة لاعباً يسعى إلى توسيع دوره، سواء عبر الانخراط في المسار السوري – الإسرائيلي، أو من خلال عرض دعم مباشر للبنان سياسياً وأمنياً. كما تعمل، بالتنسيق مع الرياض والدوحة والقاهرة، على صياغة مقاربة توازن بين الضغط العسكري الإسرائيلي والحاجة إلى إطار تفاوضي متكافئ.
في المقابل، ترفض إسرائيل هذا التوجه بشكل واضح، وتسعى إلى حصر أي مسار تفاوضي برعاية أمريكية مباشرة، ما يضمن لها التحكم الكامل بشروط الاتفاق، ويمنع دخول أطراف إقليمية قد تعزز موقع لبنان أو سوريا التفاوضي.
لبنان بين خيارات متناقضة
داخلياً، تعكس هذه التطورات انقساماً لبنانياً حاداً حول الخيارات الاستراتيجية. فبينما يدفع بعض الأطراف نحو التفاوض السريع مع إسرائيل تحت ضغط الواقع العسكري والاقتصادي، يرى آخرون أن هذا المسار قد يؤدي إلى فرض شروط غير متوازنة.
في المقابل، يطرح تيار سياسي فكرة العودة إلى "وحدة المسار والمصير" مع سوريا، والانخراط في مشروع إقليمي أوسع يضم دولاً من باكستان إلى تركيا والسعودية وقطر، بهدف منع استفراد إسرائيل بكل ساحة.
كما عاد إلى التداول طرح "الحياد"، لكنه يواجه تشكيكاً واسعاً في ظل طبيعة الصراع القائم، حيث يصعب على لبنان البقاء خارج الاصطفافات دون كلفة عالية.
في هذا السياق، تبدو زيارة نواف سلام إلى دمشق محاولة لإعادة تعريف الموقع اللبناني ضمن النظام الإقليمي الجديد. وتؤكد مصادر حكومية لبنانية أن الهدف هو الاتفاق مع دمشق على إطار واضح يحدد سقف التفاوض مع إسرائيل، ويمنع استفراد أي طرف، ويعيد إدخال الملف اللبناني ضمن سياق إقليمي أوسع.
في حال نجحت هذه الزيارة، قد تشكل نقطة تحول تنقل لبنان من موقع المتلقي للضغوط إلى موقع الشريك في صياغة التوازنات. أما إذا فشلت، فإن السيناريو المعاكس يبقى قائماً: تفاوض منفصل، ضغط عسكري متصاعد، وفرض واقع إقليمي جديد.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بلقاء ثنائي بقدر ما هو جزء من صراع مفتوح على إعادة رسم خرائط النفوذ، حيث تتداخل الجغرافيا بالأمن، والتفاوض بالقوة، وتصبح وحدة المسار بين سوريا ولبنان عاملاً حاسماً في مواجهة مشروع إقليمي تقوده حكومة بنيامين نتنياهو.