مناورات مصرية قرب سيناء تشعل قلقاً إسرائيلياً وتفتح باب التأويلات، فما رسائل القاهرة من ورائها؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/05 الساعة 18:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/05 الساعة 18:32 بتوقيت غرينتش
مناورة "بدر 2026" تثير القلق داخل إسرائيل/ عربي بوست

فجّرت مناورات الجيش المصري في محافظة سيناء في الفترة ما بين 26 و30 أبريل/ نيسان 2026، والتي نُظر إليها إسرائيلياً على أنها تجري "داخل إسرائيل" أو على مقربة شديدة من حدودها، موجة من القلق والجدل داخل الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية الإسرائيلية، وسط مناخ متوتر أصلاً بفعل الحرب المستمرة في قطاع غزة وتعثر مسارات التهدئة.

هذا التوتر لا يمكن فصله عن تراكم ملفات خلافية بين الطرفين منذ اندلاع حرب غزة في 2023، بدءاً من الخلاف حول إدارة معبر رفح، مروراً برفض القاهرة مخططات تهجير الفلسطينيين، وصولاً إلى الاعتراض المصري على الوجود الإسرائيلي في محور فيلادلفيا، ما جعل هذه المناورات، حتى وإن كانت ضمن جداول تدريبية معلنة، محمّلة بدلالات تتجاوز بعدها التكتيكي.

ضمن هذا الإطار، جاءت مناورة "بدر 2026" لتتحول من نشاط عسكري روتيني إلى حدث إقليمي تُقرأ تفاصيله بدقة في تل أبيب، ويُستثمر سياسياً وإعلامياً، سواء لتبرير سياسات داخلية أو لإعادة صياغة صورة التهديدات المحيطة بإسرائيل. وبين روايتين متناقضتين من القاهرة وتل أبيب، يتشكل مشهد معقد يعكس تحولات أعمق في ميزان القوى الإقليمي.

"بدر 2026": مناورة عسكرية تثير الجدل

على الرغم من تعدد مناورات الجيش المصري مع قوى عسكرية صديقة أو في إطار التدريبات التي تستهدف الحفاظ على جاهزية قواته، فإن مناورة "بدر 2026" التي نفذتها وحدات الجيش الثالث الميداني، والذي يقع نطاق وجوده من السويس شمالاً وحتى سيناء شرقاً، أحدثت جدلاً واسعاً في إسرائيل، وسط توترات مكتومة بين القاهرة وتل أبيب.

وأعلن الجيش المصري، الأربعاء 29 أبريل/ نيسان 2026، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي "بدر 2026" الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية. كما حضر المناورة رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني "يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات".

وتضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم، بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات، تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي، ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان الرسمي.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع، وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

الرواية الإسرائيلية: قلق أمني أم توظيف سياسي؟

بالتزامن مع مناورات الجيش المصري في محافظة سيناء، أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أنها تقترب من الحدود. وبحسب عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب "الليكود" الذي يقوده بنيامين نتنياهو، فإن الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل/ نيسان 2026.

وقال هاليفي في بيان: "التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق"، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل بشكل ممنهج، وأنها تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً.

وكان موقع "والا" الإسرائيلي قد أعلن أن الجيش المصري "سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود"، وأن لواء "فاران" الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتحذير استثنائي حول هذه المناورات.

فيما رأت مصادر إسرائيلية أخرى أن "هذه التحركات المصرية تخالف الملاحق الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد"، واصفة اقتراب القوات المصرية من الحدود بـ"إشارة حمراء"، كما اعتبرت المناورة "رسالة مصرية في توقيت حساس"، وفق ما ذكرت صحيفة "معاريف".

وكشفت مصادر لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى تقديم إيضاحات لسكان المستوطنات الحدودية، مؤكداً وجود "تنسيق مسبق"، إلا أن هذا التوضيح لم يخفف من غضب المستوطنين، فيما أفاد سكان المناطق الجنوبية بسماع أصوات انفجارات ورماية حية.

وفي قراءة تحليلية، رأى موقع "نزيف نت" المتخصص في الشؤون العسكرية أن الطبيعة "غير المعتادة" للمناورات تكمن في نوعية الأسلحة المستخدمة والقرب الشديد من السياج الحدودي، ما يعكس، بحسب الموقع، رغبة مصرية في إثبات السيادة الكاملة وفرض واقع ميداني جديد في سيناء يتجاوز القيود التقليدية.

الرد المصري: السيادة أولاً ورسائل ردع محسوبة

قدّم مصدر عسكري مصري رواية مغايرة، مؤكداً في تصريح لـ"عربي بوست" أن المناورات لم تكن قريبة من الحدود المصرية – الإسرائيلية كما تدّعي التقارير العبرية، حيث جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس.

وأضاف أن هذه المناورات يجريها الجيش المصري سنوياً إلى جانب الكثير غيرها من الأنشطة العسكرية للجيش الثالث الميداني، وبالتالي فإن ما يحدث على الجانب الآخر هو "مناكفات سياسية" تعكس توتراً مكتوماً منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

كما أن التدريبات، يوضح مصدر "عربي بوست"، يتم تحديدها وفقاً لخطط سنوية يتم اعتمادها من قيادة الجيش المصري، وأن الأمر بالنسبة للقاهرة لا ينطوي على أبعاد زمنية أو سياسية، لكنه يبقى "رسالة ردع مهمة"، كما أن لمصر الحرية في إجراء تدريبات ومناورات في أي منطقة على أرضها.

وأشار المصدر العسكري إلى أن ما يحدث في إسرائيل لا يتخطى حدود وسائل الإعلام، مع وجود رغبة من نتنياهو في إظهار "عدو قوي" يترصد بإسرائيل قرب الحدود، ما يخدم خططه للاستمرار في منصبه خلال الانتخابات المرتقبة هذا العام.

كما أن مصر لم تخترق معاهدة السلام، وأن التدريبات تهدف إلى التأكيد على الجاهزية القتالية في ظل أوضاع إقليمية مضطربة، وهي تدريبات دفاعية بالأساس، ولا تستهدف مناكفة إسرائيل، بل التأكيد على وجود ردع لأي محاولات قد تُفشل السلام القائم منذ عقود.

فيما لفت المتحدث إلى أن الهجمة الإسرائيلية تأتي في سياق إخفاقات مستمرة للجيش الإسرائيلي، سواء في إيران أو جنوب لبنان أو قطاع غزة، حيث لم تنجح خطط التهجير حتى الآن، مضيفاً أن إثارة التهديدات على الحدود يخدم أيضاً تبرير الحصول على مساعدات عسكرية أمريكية ضخمة.

مناورات الجيش المصري والتحولات الإقليمية

تتجاوز دلالات مناورات الجيش المصري بعدها الثنائي المصري – الإسرائيلي، لتدخل في سياق أوسع من التحولات الإقليمية، إذ أشار مصدر عسكري إلى أن إسرائيل تبدي قلقاً متزايداً من توسع التعاون العسكري المصري مع كل من تركيا وباكستان، خاصة أن مناورة "بدر 2026" جاءت بعد مناورة "رعد 2" مع باكستان، وكذلك مناورات "فلينتلوك 2026" التي أُقيمت في مدينة سرت الليبية بمشاركة مصر وتركيا.

هذا التوسع في شبكة الشراكات العسكرية يتزامن مع تحولات استراتيجية في المنطقة، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى توسيع نفوذها بدعم عسكري أمريكي غير مسبوق، ما يخلق بيئة تنافسية عالية الحساسية.

وفي هذا السياق، أعادت قيادات عسكرية إسرائيلية سابقة طرح تحذيرات من احتمال تشكّل محور عسكري بين مصر وتركيا. وقدم الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال مطوّل نشرته صحيفة "معاريف"، قراءة متشائمة لمستقبل التوازنات العسكرية، معتبراً أن ما يجري ليس مجرد تحركات دبلوماسية، بل مؤشرات على اصطفافات استراتيجية قد تقود إلى مواجهة إقليمية.

واستند بريك إلى مقارنات تاريخية، مشيراً إلى أن أنماط المناورات العسكرية المصرية قبل حرب أكتوبر حملت مؤشرات تم تجاهلها آنذاك، وأن تكرار التدريبات خلق شعوراً زائفاً بالاعتياد داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

خطوط تماس مفتوحة على احتمالات التصعيد

في العمق، ترتبط مناورات الجيش المصري مباشرة بملف سيناء وقطاع غزة، حيث تؤكد القاهرة أن كامل تراب سيناء يمثل أولوية قصوى للأمن القومي، وأن أي محاولات لتغيير الواقع الجغرافي، خصوصاً عبر تهجير الفلسطينيين، مرفوضة بشكل قاطع.

وأشار مصدر عسكري في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن المناورات تعيد التأكيد على رفض مصر لأي مخططات تتعلق بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، سواء بالقوة أو بوسائل غير مباشرة باتجاه سيناء، لافتاً إلى أن هذا السيناريو لا يزال مطروحاً في بعض الرؤى الإسرائيلية.

كما شدد على أن حضور نواب البرلمان في بعض مراحل المناورة يعكس أبعاداً سياسية، تتعلق بتأكيد قوة الدولة المصرية وعدم تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية، والتأكيد على قدرة القاهرة على حماية حدودها.

وبحسب متخصص في الشؤون الإسرائيلية، فإن الضجة داخل إسرائيل تعكس رفضاً لمواقف مصر السياسية، خاصة ضغطها لوقف إطلاق النار وسعيها لحلول سياسية، في مقابل رغبة إسرائيلية في التصعيد. وأضاف أن إسرائيل تستشعر قوة مصر بعد تحديث ترسانتها العسكرية، وتستعد لأي مواجهة محتملة، مدركة أن مصر لا تزال تُعتبر "عدواً" في الوجدان الشعبي.

وفي المحصلة، تبدو مناورات الجيش المصري في محافظة سيناء أكثر من مجرد تدريب عسكري روتيني، فهي جزء من معادلة ردع معقدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، في منطقة تقف على حافة إعادة تشكيل موازين القوى.

تحميل المزيد