تحركات القاهرة في دول حوض النيل.. تفاصيل الإجراءات المصرية لمواجهة سدود إثيوبيا الثلاثة الجديدة

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/05 الساعة 08:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/05 الساعة 09:21 بتوقيت غرينتش
تحركات مصر في أفريقيا-عربي بوست

في أعقاب إعلان إثيوبيا عن طرح مناقصات لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، لم تتعامل مصر مع الخطوة باعتبارها تطورًا فنيًا معزولًا، بل قرأتها كمؤشر على انتقال أديس أبابا إلى مرحلة "تعدد السدود"، أي بناء منظومة مائية متكاملة للتحكم في تدفقات النهر، تتجاوز سد النهضة الإثيوبي الكبير نحو سياسة طويلة الأمد لإعادة تشكيل إدارة الموارد المائية في الحوض. هذا التقدير شكّل نقطة انطلاق لتحرك مصري أكثر كثافة داخل شرق إفريقيا، حيث برزت كل من أوغندا وتنزانيا وكينيا كأهم مسارات إعادة التموضع الاستراتيجي.

وتتحرك مصر بخطى حثيثة داخل تجمع حوض النيل لمواجهة التحركات الإثيوبية، ومحاولة تقليص نفوذ أديس أبابا في دول المنبع، في إطار استراتيجية أوسع تستهدف احتواء تداعيات السدود الجديدة على النيل الأزرق. التحرك الإثيوبي الجديد لا يبدو مجرد امتداد لمشروع سد النهضة، بل خطوة باتجاه بناء منظومة مائية متكاملة على مجرى النيل الأزرق. إذ تخطط الحكومة الإثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود كبرى بإجمالي استثمارات يصل إلى 10.5 مليار دولار خلال سبع سنوات، وبقدرة إنتاجية إجمالية قد تصل إلى نحو 10 غيغاواط من الطاقة الكهرومائية، أي ما يقارب ضعف الطاقة المحتملة لسد النهضة نفسه، وهو ما يعكس اتجاهًا استراتيجيًا لإعادة هندسة السيطرة على الموارد المائية في الهضبة الإثيوبية بما ينعكس مباشرة على دولتي المصب، وفي مقدمتهما مصر والسودان.

وبحسب البيانات الفنية، تشمل هذه المشروعات سد "كارادوبي" بقدرة 1600 ميغاواط وخزان ضخم بسعة تخزين تصل إلى 32.5 مليار متر مكعب مخصص لحجز الطمي، إلى جانب سد "مانديا" بقدرة 2000 ميغاواط، وسد "بيكوأبو" بقدرة 2100 ميغاواط وارتفاع يصل إلى 285 مترًا. هذا التوسع الكمي والنوعي في عدد السدود يعكس – بحسب القراءة المصرية – انتقال إثيوبيا من مشروع "سد واحد كبير" إلى استراتيجية "تعدد السدود" على نفس الرافد المائي الحيوي.

تحركات مصر

القاهرة، من جانبها، تنظر بعين القلق لهذه المشروعات، وفق ما يقول الأكاديمي المصري عباس شراقي، وترى فيها تهديدًا لوضعها المائي في ظل الإخفاق في الوصول إلى اتفاق بشأن سد النهضة، ومن ثم فإن أي سدود أخرى على نهر النيل قد تتسبب في أزمات كبيرة لحصص مصر والسودان من مياه النيل. لذلك تتحرك مصر وفق استراتيجية أكثر اتساعًا من الماضي، تقوم على بناء شبكة علاقات مباشرة مع دول المنبع في أوغندا وكينيا وتنزانيا، بهدف إعادة تشكيل بيئة القرار داخل حوض النيل، وتقليل هامش تأثير التحركات الإثيوبية المتسارعة، خاصة مع إعلان أديس أبابا عن مشاريع سدود جديدة على النيل الأزرق.

القاهرة لم تعد تتعامل مع ملف النيل باعتباره ملفًا ثنائيًا مع إثيوبيا فقط، بل كمنظومة إقليمية معقدة، حيث يصبح موقف كل دولة من دول الحوض جزءًا من ميزان القوة النهائي. ومن هنا جاءت التحركات المصرية متعددة الاتجاهات، التي يمكن تقسيمها عمليًا إلى ثلاثة مسارات رئيسية: أوغندا، كينيا، وتنزانيا.

تحرك مصر مع أوغندا:

تمثل أوغندا بالنسبة لمصر نقطة ارتكاز استراتيجية في معادلة النيل الأبيض، نظرًا لموقعها الجغرافي ودورها المباشر في التحكم في تدفقات المياه القادمة من البحيرات الاستوائية. ولذلك كان التحرك المصري تجاه كمبالا الأكثر كثافة وتنظيمًا. خلال عام 2026، وبعد إعلان إثيوبيا عن نيتها إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، شهدت العلاقات المصرية الأوغندية سلسلة من المشاورات الوزارية رفيعة المستوى بنظام (2+2)، جمعت وزراء الخارجية والري في البلدين، في إطار ما وُصف بـ"خارطة طريق للتعاون المائي". هذه المشاورات لم تكن مجرد لقاءات دبلوماسية، بل امتداد لاتفاقيات تنفيذية تشمل إدارة الموارد المائية، وتطوير البنية التحتية للري، وتمويل مشروعات مائية داخل أوغندا عبر آلية مصرية مخصصة لدول حوض النيل.

مصر وأوغندا-عربي بوست

التحرك المصري في أوغندا يقوم على ثلاث ركائز:

تتحرك القاهرة في مقاربتها للعلاقة مع أوغندا عبر مسارات متوازية، يأتي في مقدمتها بناء شراكة فنية عميقة في إدارة الموارد المائية، لا تقتصر على تبادل الخبرات بشكل نظري، بل تمتد إلى نقل نماذج تطبيقية في مجالات الري الحديث، وإدارة السدود الصغيرة، وتقنيات حصاد مياه الأمطار. هذا الانخراط الفني يمنح مصر موطئ قدم داخل البنية التنفيذية التي تُصاغ فيها السياسات المائية الأوغندية، بحيث لا تبقى العلاقة محكومة بإطار دبلوماسي تقليدي، بل تتغلغل إلى مستويات التشغيل والتخطيط، حيث تتشكل القرارات الفعلية.

وفي موازاة ذلك، تعتمد القاهرة على أدوات التمويل والتعاون التنموي كرافعة أساسية لتعزيز حضورها، من خلال الإسهام في تنفيذ وتمويل مشروعات بنية تحتية مائية داخل أوغندا. هذا المسار لا يستهدف فقط تحقيق عائد تنموي مباشر، بل يراهن على خلق شبكة متشابكة من المصالح الاقتصادية، تجعل العلاقة الثنائية أكثر تماسكًا وأقل عرضة للاختزال في ملف الخلافات حول مياه النيل. فكلما اتسعت دوائر التعاون الاقتصادي، بات من الصعب تفكيك هذه العلاقة أو إعادة توجيهها بمعزل عن حسابات الكلفة والمكاسب المشتركة.

أما على المستوى المؤسسي، فتسعى مصر إلى ترسيخ حضور طويل الأمد عبر الاستثمار في بناء القدرات البشرية، من خلال التعاون مع مراكز التدريب والهيئات الحكومية الأوغندية، وتقديم برامج تأهيل متخصصة للكوادر الفنية العاملة في قطاع المياه. هذا النوع من الانخراط يخلق، بمرور الوقت، شبكة من الكفاءات المرتبطة مهنيًا وتقنيًا بالتجربة المصرية، وهو ما يترجم إلى نفوذ غير مباشر داخل دوائر صنع القرار، خصوصًا في الجوانب الفنية التي تمثل الأساس لأي توجه سياسي في هذا الملف.

في الخلفية، لا تنفصل هذه التحركات عن هدف استراتيجي أوسع يتمثل في إعادة صياغة تموضع أوغندا داخل أطر التعاون الإقليمي، وعلى رأسها "مبادرة حوض النيل". إذ تدرك القاهرة أن مواقف دول المنابع لا تُبنى فقط على الاعتبارات الجغرافية، بل تتأثر أيضًا بشبكات المصالح والتحالفات. ومن هنا، تعمل على تقليص نقاط الالتقاء بين كمبالا والرؤية الإثيوبية، لا سيما فيما يتعلق باتفاقية "عنتيبي"، التي لا تزال تمثل محور خلاف رئيسي في ملف إعادة توزيع حصص المياه، وتُنظر إليها من جانب مصر والسودان باعتبارها تهديدًا للترتيبات التاريخية الحاكمة لتقاسم موارد النهر.

ثانيًا: التحرك المصري تجاه كينيا

تتعامل القاهرة مع كينيا بوصفها ركيزة أساسية في معادلة التوازنات داخل شرق إفريقيا، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن نيروبي لم تعد مجرد دولة من دول حوض النيل، بل أصبحت لاعبًا سياسيًا ودبلوماسيًا يمتلك أدوات تأثير حقيقية داخل الإقليم، سواء عبر دورها في مبادرة حوض النيل أو من خلال انخراطها في ملفات الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي. هذا التصور يدفع مصر إلى بناء مقاربة أكثر عمقًا وتعقيدًا في إدارة العلاقة، تقوم على فهم تشابك المصالح الكينية بين الانفتاح على دول المنابع والحفاظ على علاقات متوازنة مع دول المصب، وهو ما يخلق مساحة يمكن للقاهرة التحرك من خلالها لإعادة صياغة بعض المواقف أو على الأقل تخفيف حدتها.

مصر وكينيا- عربي بوست

في هذا الإطار، برزت الدبلوماسية الرئاسية المباشرة كأداة محورية في إدارة هذا الملف، حيث شهدت الفترة الأخيرة وتيرة متصاعدة من الاتصالات واللقاءات بين قيادتي البلدين، لم تكن بروتوكولية بقدر ما عكست رغبة في بناء قنوات تواصل مستمرة تسمح بإدارة الخلافات قبل تفاقمها. هذه الاتصالات تناولت بشكل مباشر ملف مياه النيل، لكنها لم تُحصر فيه، بل امتدت إلى مناقشة قضايا الأمن الإقليمي، وعلى رأسها تطورات الأوضاع في السودان والتحديات الأمنية في منطقة القرن الإفريقي، بما في ذلك ملف الجماعات المسلحة وتأثيرها على استقرار الممرات الحيوية. هذا التوسع في أجندة الحوار يعكس محاولة مصرية لربط ملف المياه بسياق أوسع من المصالح المشتركة، بحيث يصبح التنسيق في أحد الملفات مدخلًا لتعزيز التعاون في ملفات أخرى.

بالتوازي مع ذلك، تتحرك القاهرة داخل الإطار المؤسسي لمبادرة حوض النيل، ساعية إلى التأثير في تموضع كينيا داخل النقاشات الدائرة حول مستقبل الاتفاق الإطاري للتعاون المائي، وخاصة ما يتعلق باتفاقية "عنتيبي". هنا لا تعتمد مصر على خطاب المواجهة المباشرة، بل تميل إلى استخدام أدوات أكثر هدوءًا تقوم على طرح مقاربات فنية وقانونية تؤكد مبادئ مثل الاستخدام المنصف والمعقول للمياه وعدم الإضرار الجسيم بدول المصب. الهدف ليس فقط إقناع كينيا بتبني موقف مطابق للموقف المصري، بل دفعها نحو تبني صيغة وسطية تقلل من حدة الاستقطاب داخل دول الحوض.

وفي مسار موازٍ، تولي القاهرة أهمية متزايدة لما يمكن وصفه بالدبلوماسية الصحية والتنموية، باعتبارها أحد أكثر الأدوات فاعلية في بناء نفوذ طويل الأمد بعيدًا عن الضغوط السياسية المباشرة. في هذا السياق، تعمل مصر على نقل خبراتها المتراكمة في مجالات علاج الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والأورام، إلى جانب دعم تطوير القطاع الدوائي الكيني من خلال شراكات مع مؤسسات طبية وشركات دواء مصرية. كما يشمل هذا التعاون إنشاء وحدات طبية متقدمة، وتنظيم قوافل علاجية، وبرامج تدريب للأطقم الطبية، وهو ما يعزز من صورة مصر كشريك تنموي موثوق.

على المستوى الاقتصادي، تدفع القاهرة باتجاه توسيع حضور شركاتها داخل السوق الكينية، مستفيدة من الفرص التي تتيحها خطط التنمية في مجالات البنية التحتية والطاقة والمياه. وتشمل هذه التحركات تشجيع الاستثمارات في مشروعات الطرق ومحطات الكهرباء وأنظمة الري، إلى جانب الدخول في شراكات مع القطاع الخاص الكيني، وهو ما يخلق شبكة مصالح اقتصادية متشابكة يصعب فصلها عن الاعتبارات السياسية.

ثالثًا: التحرك المصري تجاه تنزانيا

إذا كانت أوغندا تمثل الامتداد الطبيعي لمحور النيل الأبيض، وتُجسّد كينيا مركز التوازن السياسي داخل شرق إفريقيا، فإن تنزانيا تبرز في الحسابات المصرية باعتبارها البوابة الاقتصادية والبحرية التي يمكن من خلالها إعادة صياغة الحضور المصري في الإقليم على أسس أكثر اتساعًا واستدامة. فدار السلام لا تُختزل أهميتها في موقعها الجغرافي فقط، بل في كونها نقطة ارتكاز على الساحل الشرقي الإفريقي وممرًا حيويًا للتجارة الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، يتخذ التحرك المصري تجاه تنزانيا طابعًا مغايرًا نسبيًا مقارنة بأوغندا وكينيا، إذ ينخفض فيه الحضور المباشر لملف المياه لصالح التركيز على البنية الاقتصادية وشبكات النقل والتجارة. وتدرك القاهرة أن التأثير في موازين القوى داخل شرق إفريقيا لا يمر فقط عبر منابع الأنهار، بل أيضًا عبر الموانئ والممرات اللوجستية.

مصر وتنزانيا- عربي بوست

ويأتي تطوير التعاون في قطاع الموانئ في مقدمة هذا التحرك، حيث تعمل مصر على توسيع حضورها في المشروعات اللوجستية المرتبطة بميناء دار السلام، سواء عبر تبادل الخبرات أو الدخول في شراكات تشغيلية واستثمارية. هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تعزيز القدرات التشغيلية للميناء، بل يسعى أيضًا إلى خلق ربط وظيفي بينه وبين الموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط، بما يتيح تشكيل شبكة نقل إقليمي تمتد من شمال إفريقيا إلى شرقها.

وفي موازاة ذلك، تعمل القاهرة على الدفع نحو بناء تكامل إنتاجي مع تنزانيا في قطاعات الصناعة والزراعة، انطلاقًا من إدراك أن النفوذ الاقتصادي الأكثر رسوخًا هو ذلك الذي يقوم على تشابك سلاسل الإنتاج لا مجرد التبادل التجاري. في هذا الإطار، يجري التوجه نحو إنشاء مشروعات مشتركة في مجالات تصنيع الغذاء والاستثمار في الثروة الحيوانية وتطوير صناعات مثل دباغة الجلود، وهي قطاعات تمتلك فيها تنزانيا موارد أولية واسعة، بينما تمتلك مصر خبرات تصنيعية يمكن أن تضيف قيمة مضافة لهذه الموارد.

تمثل الخبرة الهندسية المصرية أحد أبرز أدوات الحضور في السوق التنزاني، حيث تسعى القاهرة إلى توظيف سجل شركاتها في تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى كمدخل للانخراط في خطط التنمية التنزانية. ويشمل ذلك مجالات الطرق والكباري، وتطوير المطارات، وبناء السدود، وهي مشروعات لا توفر فقط فرصًا اقتصادية، بل تتيح أيضًا حضورًا طويل الأمد داخل القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الحضور إلى نفوذ مؤسسي وفني، يمنح مصر موقعًا داخل دوائر التخطيط والتنفيذ، ويعزز من قدرتها على التأثير غير المباشر في توجهات السياسات التنموية.

أما على مستوى التجارة الإقليمية، فتسعى القاهرة إلى ترسيخ دور تنزانيا كبوابة لوجستية تربط بين شمال وشرق إفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتصالها بدول داخلية لا تمتلك منافذ بحرية. ومن خلال هذا التوجه، يمكن إعادة توجيه جزء من حركة التجارة ليعبر عبر شبكات ترتبط بمصر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يعزز من حضورها في قلب التفاعلات الاقتصادية داخل القارة. هذا البعد لا ينعكس فقط على حجم التبادل التجاري، بل يمتد ليؤثر في طبيعة التحالفات الاقتصادية، التي غالبًا ما تتحول بمرور الوقت إلى أطر سياسية أكثر تماسكًا.

ورغم أن تنزانيا لا تُعد طرفًا مباشرًا في الخلافات المرتبطة بسدود النيل، فإن موقعها داخل هذه الاستراتيجية يمنحها أهمية خاصة، باعتبارها عنصرًا مساعدًا في إعادة تشكيل النفوذ المصري داخل شرق إفريقيا من زاوية اقتصادية. فتعزيز الحضور في دار السلام يتيح للقاهرة تنويع أدواتها، وعدم حصر تحركها في المسارات المائية فقط، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على موازين القوة الإقليمية، من خلال توسيع نطاق التأثير خارج الدائرة الضيقة للنزاع.

كذلك لا يمكن قراءة التحركات المصرية في أوغندا وكينيا وتنزانيا بوصفها مسارات منفصلة، بل هي أجزاء من رؤية استراتيجية أشمل تسعى إلى إعادة تعريف قواعد التفاعل داخل حوض النيل وشرق إفريقيا. فبدل التركيز على المواجهة المباشرة مع إثيوبيا، والتي أثبتت محدودية نتائجها في ظل تعقيدات الواقع الإقليمي، تميل القاهرة إلى بناء شبكة علاقات متداخلة تقوم على المصالح الاقتصادية والتعاون التنموي والتنسيق السياسي، بما يجعل القرار الإقليمي أكثر تعددية وأقل خضوعًا لهيمنة محور واحد.

ويأتي هذا التحرك في سياق يتسم بتصعيد إثيوبي ملحوظ، خاصة مع المضي قدمًا في مشروعات سدود جديدة على النيل الأزرق، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد، ويجعل من الصعب حسمه عبر الأدوات التقليدية فقط. وفي ظل ذلك، يبدو أن مستقبل ملف النيل لن يتحدد في موقع جغرافي واحد أو عبر مسار تفاوضي منفرد، بل سيتشكل داخل شبكة واسعة من التفاعلات المتشابكة تمتد من كمبالا إلى نيروبي ودار السلام، وصولًا إلى أديس أبابا والقاهرة، حيث تتداخل الحسابات السياسية بالاقتصادية، وتُعاد صياغة موازين القوة على نحو تدريجي وتراكمي.

تصعيد إثيوبي

يرى أستاذ الموارد المائية والدبلوماسي المصري السابق الدكتور نادر نور الدين، في تصريحات خاصة لـ"عربي بوست"، أن تطورات ملف نهر النيل دخلت بالفعل مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إعلان إثيوبيا بشكل متكرر رفضها أي تسوية قانونية أو فنية ملزمة مع مصر والسودان بشأن إدارة وتشغيل سد النهضة، وهو ما تزامن مؤخرًا مع إعلان نيتها المضي في إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق.

ويؤكد أن هذا التوجه الإثيوبي، إذا ما انتقل من دائرة التصريحات السياسية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض، فإنه يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا في فلسفة إدارة الموارد المائية داخل حوض النيل، إذ لم يعد الأمر يقتصر على مشروع سد واحد مثير للجدل، بل بات يتجه نحو بناء منظومة متكاملة من السدود، قد تُحدث تغييرًا هيكليًا في نمط تدفقات المياه نحو دول المصب، وتعيد رسم خريطة التوازنات المائية في شرق أفريقيا بالكامل.

ويضيف نور الدين أن هذه التطورات تضع مصر أمام تحديات مائية وسياسية غير مسبوقة، كونها تمس بشكل مباشر حصتها التاريخية من مياه نهر النيل، والتي تشكل عصب الحياة للاقتصاد المصري والأمن الغذائي والمائي للسكان. ويوضح أن ما يجري لا يمكن التعامل معه باعتباره خلافًا فنيًا محدودًا، بل هو تحول جيوسياسي واسع النطاق يفرض واقعًا جديدًا على القاهرة، يتطلب تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا ومتعدد المسارات، لا يقتصر على القنوات الثنائية مع إثيوبيا فقط، بل يمتد إلى مختلف دول حوض النيل، بما في ذلك الدول التي لم تكن طرفًا مباشرًا في النزاع المائي في السابق.

ويشير إلى أن مصر أصبحت مطالبة اليوم بتكثيف جهودها في مجال الدبلوماسية المائية بشكل غير مسبوق، والعمل على إعادة صياغة حضورها داخل القارة الأفريقية من منظور تنموي وشراكة استراتيجية طويلة المدى. ويؤكد أن القاهرة بحاجة إلى بناء تحالفات مرنة داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن إعادة التوازن داخل هذا الإطار الإقليمي، ومنع تحوله إلى منصة تُستخدم لتمرير أجندات أحادية الجانب. ويشدد على أن غياب هذا التوازن قد يمنح إثيوبيا مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي باعتبارها الدولة الأكثر نشاطًا في ملف بناء السدود وتصدير الطاقة الكهرومائية.

وفي هذا السياق، يوضح نور الدين أن التحرك المصري يجب أن يكون متعدد الأبعاد، يجمع بين البعد السياسي والاقتصادي والتنموي في آن واحد، معتبرًا أن الاعتماد على الخطاب السياسي وحده لم يعد كافيًا لحماية المصالح المائية المصرية. ويؤكد أن مصر لن تتمكن من الحفاظ على أمنها المائي فقط عبر التفاوض أو الاعتراضات الدبلوماسية، وإنما من خلال تعزيز وجودها التنموي الفعلي في دول حوض النيل عبر تنفيذ مشروعات في البنية التحتية والطاقة والري والصحة والتعليم، بما يحول مصر إلى شريك تنموي حقيقي وفاعل داخل القارة الأفريقية، وليس مجرد طرف متأثر بتغيرات تدفقات المياه.

ويرى أن هذا النهج التنموي من شأنه أن يساهم في تقليل النفوذ الإثيوبي المتنامي داخل عدد من دول الحوض، حيث تعتمد أديس أبابا بدرجة كبيرة على تقديم نفسها كقوة إقليمية رائدة في مجال السدود والطاقة الكهرومائية، مستفيدة من تمويلات ومشروعات تنموية مرتبطة بالمياه. ويؤكد أن مواجهة هذا النفوذ لا تكون فقط عبر الاعتراض، بل من خلال تقديم بدائل تنموية أكثر استدامة وشمولًا تعزز من ارتباط تلك الدول بمصر اقتصاديًا وفنيًا.

وفي السياق ذاته، يشدد نور الدين على أهمية التنسيق الاستراتيجي الكامل بين مصر والسودان، باعتبارهما الدولتين الأكثر تأثرًا مباشرًا بأي تغيرات في تدفقات النيل الأزرق. ويوضح أن أي انقسام في الموقف بين القاهرة والخرطوم يضعف بشكل كبير القدرة التفاوضية للطرفين، بينما يمثل التماسك بينهما عنصرًا أساسيًا في أي تحرك إقليمي أو دولي يتعلق بملف المياه. ويقترح في هذا الإطار ضرورة تكثيف اللقاءات الفنية والسياسية بين البلدين وتوحيد الرؤية التفاوضية بشكل دقيق، خاصة فيما يتعلق بقضايا ملء وتشغيل السدود وتبادل البيانات المائية بشكل منتظم وشفاف.

كما يشير إلى ضرورة أن تنفتح مصر بشكل أوسع وأكثر فاعلية على دول حوض النيل الأخرى مثل أوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي، باعتبارها دولًا محورية في المعادلة المائية الإقليمية. ويؤكد أن تعزيز العلاقات مع هذه الدول لا ينبغي أن يظل محصورًا في الإطار الدبلوماسي التقليدي أو الزيارات الرسمية، بل يجب أن يمتد إلى تنفيذ مشروعات ملموسة ذات تأثير مباشر على التنمية المحلية، بما يخلق مصالح مشتركة طويلة الأمد. ويرى أن تقديم الدعم الفني والتمويلي في مجالات المياه والكهرباء والزراعة يمكن أن يشكل أداة توازن فعالة في مواجهة النفوذ الإثيوبي المتصاعد داخل تلك الدول.

ويؤكد نور الدين على أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة صياغة شاملة ومتكاملة لاستراتيجية مصر المائية في أفريقيا، بحيث تقوم على الدمج بين أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية النشطة والتنمية المستدامة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الثوابت الأساسية للأمن المائي المصري، باعتباره قضية وجودية لا تقبل المساومة أو التنازل تحت أي ظرف.

أزمة كبيرة لمصر

في سياق موازٍ، قدّم الأكاديمي المصري المتخصص في الموارد المائية عباس شراقي قراءة أكثر تحفظًا وتفصيلًا تجاه الإعلان الإثيوبي عن طرح مناقصات لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، مؤكدًا أن هذا التطور لا ينبغي التعامل معه بوصفه تحولًا تنفيذيًا فوريًا بقدر ما هو خطوة ضمن مسار طويل ومعقد من المناورات المرتبطة بتمويل وإدارة الموارد المائية في حوض النيل.

وأوضح شراقي، في تصريحات خاصة لـ"عربي بوست"، أن مجرد الإعلان عن ثلاثة سدود لا يعني بالضرورة أن إثيوبيا تمتلك القدرة المالية أو الفنية أو حتى السياسية على تنفيذها في وقت متزامن، مشيرًا إلى أن التجربة التاريخية لمشروع سد النهضة تقدم مثالًا بالغ الدلالة في هذا السياق. فالسد الذي أُعلن عنه عام 2011 لم يصل إلى مراحله التشغيلية الأساسية إلا بعد أكثر من عقد من الزمن، وتحديدًا في 2025، وهو ما يعكس – بحسب تعبيره – حجم التعقيدات المرتبطة بمثل هذه المشروعات العملاقة، سواء من حيث التمويل، أو التفاوض مع الشركات المنفذة، أو حتى إدارة التوازنات الإقليمية المحيطة بالمشروع.

ويضيف شراقي أن السيناريو الأكثر واقعية في التعامل مع الإعلان الأخير هو أن أديس أبابا لا تسعى بالضرورة إلى بناء ثلاثة سدود في آن واحد، بل إلى طرح مجموعة من المشاريع كحزمة استثمارية مفتوحة أمام الشركات الدولية، بما يسمح بإجراء عملية مفاضلة بين هذه المشاريع وفقًا لعوامل التمويل والجدوى الفنية والعائد الاقتصادي. وبحسب هذا التصور، قد يتم اختيار مشروع واحد فقط للبدء به، على أن يُترك الباب مفتوحًا لاحقًا أمام تنفيذ مشروعات أخرى بشكل تدريجي وفقًا لتطور الظروف الاقتصادية والسياسية.

لكن التحذير الأهم الذي يطرحه شراقي لا يتعلق فقط بإمكانية التنفيذ الفوري، بل بما يسميه "المنطق التراكمي" في السياسة المائية الإثيوبية. فحتى في حال عدم تنفيذ هذه السدود الثلاثة بالكامل، فإن مجرد إدراجها في خطط الدولة وتقديمها للمستثمرين والشركات الدولية يعكس – في رأيه – توجهًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل مجرى النيل الأزرق كمنظومة متكاملة من السدود، وليس كمشروع منفرد معزول مثل سد النهضة. هذا التحول المفاهيمي، بحسب شراقي، هو الأخطر، لأنه يعني الانتقال من إدارة مشروع واحد إلى إدارة شبكة متكاملة من المنشآت المائية القادرة على التأثير التراكمي في تدفقات النهر.

هذا التطور لم يمر في القاهرة باعتباره خبرًا تنمويًا عابرًا، بل جرى قراءته ضمن سياق أوسع يرتبط بإعادة رسم خريطة النفوذ في شرق إفريقيا. فوفقًا لمصادر دبلوماسية متقاطعة، بدأت مصر بالفعل في إعادة تنشيط أدواتها السياسية والاقتصادية داخل دول حوض النيل، مع تركيز خاص على أوغندا، إلى جانب تحركات موازية في كينيا وتنزانيا، في محاولة لإعادة التوازن داخل منظومة تجمع دول حوض النيل، الذي يعد أحد أهم الأطر المؤسسية التي تربط دول المنبع بدول المصب.

وتشير هذه التحركات إلى أن القاهرة لم تعد تنظر إلى ملف المياه باعتباره أزمة تفاوضية ثنائية محصورة في ملف سد النهضة فقط، بل كجزء من معادلة أوسع تتعلق بإعادة توزيع النفوذ داخل شرق إفريقيا. فالمياه، في هذا السياق، لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبحت أداة جيوسياسية تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع التحالفات السياسية والمشروعات التنموية العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، تبدو قراءة عباس شراقي مهمة لأنها تحاول الربط بين المستويين الفني والسياسي في آن واحد. فهو من جهة يشير إلى محدودية القدرة التنفيذية الفورية لإثيوبيا في بناء ثلاثة سدود ضخمة في وقت متقارب، لكنه من جهة أخرى يحذر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السرعة، بل في الاتجاه العام للسياسات المائية الإثيوبية التي تسعى إلى تحويل النيل الأزرق إلى سلسلة من السدود المتتابعة، بما يخلق واقعًا مائيًا جديدًا تدريجيًا يصعب تغييره لاحقًا.

ويؤكد شراقي أن هذا النمط من التخطيط "التراكمي" يعيد إدخال ملف النيل في دائرة التوتر الإقليمي كلما تم الإعلان عن مشروع جديد، حتى لو لم يبدأ تنفيذه فعليًا. فمجرد طرح السدود على طاولة الاستثمار الدولي يفرض على دول المصب، وفي مقدمتها مصر، إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية باستمرار، سواء على مستوى الأمن المائي أو على مستوى التحالفات السياسية والاقتصادية في القارة الإفريقية.

في المقابل، يرى شراقي أن إثيوبيا تعتمد بشكل متزايد على استراتيجية "تعدد المشاريع" كأداة لإعادة تشكيل موقعها داخل المعادلة الإقليمية، ليس فقط باعتبارها دولة منبع، بل كفاعل مركزي في إدارة الموارد المائية للمنطقة. غير أن هذا التوجه، وفق التحليل المصري، قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في المشهد بدلًا من الوصول إلى حالة استقرار مائي مستدام.

ويخلص شراقي إلى أن معركة النيل لم تعد تدور حول سد واحد أو مشروع بعينه، بل حول القدرة على فرض رؤية شاملة لإدارة أحد أهم الأنهار في العالم؛ رؤية تحدد من يتحكم في التدفق، ومن يملك القدرة على التأثير، ومن يستطيع إعادة صياغة ميزان القوة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في القارة الإفريقية، حيث تتداخل الجغرافيا بالمياه، والسياسة بالبنية التحتية، والتنمية بالأمن القومي بشكل لا يمكن فصله بسهولة.

تحميل المزيد