تتكثف التحركات بين مصر والاتحاد الأوروبي من أجل صياغة مقاربة مشتركة في ملفي استضافة اللاجئين وأمن الطاقة، في ظل ضغوط متزايدة تفرضها الأزمات الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية. هذا التنسيق يعكس انتقال العلاقة من إطار التعاون التقليدي إلى شراكة ترتكز على تقاسم الأعباء والمصالح.
في هذا السياق، تدفع القاهرة نحو تسريع وتيرة الدعم المالي الأوروبي، باعتباره عنصراً حاسماً في قدرتها على الاستمرار في استيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، بالتوازي مع سعيها لتأمين استقرار داخلي يحدّ من تدفقات الهجرة نحو أوروبا، في محاولة لتخفيف الضغط عن مواردها المحدودة.
على مسار موازٍ، تبرز الطاقة كركيزة أساسية في هذا التقارب، مع تحركات لتفعيل نقل الغاز القبرصي إلى محطات الإسالة المصرية. ويعكس هذا التوجه تقاطع المصالح بين الجانبين، حيث تبحث أوروبا عن بدائل موثوقة للطاقة، بينما تسعى مصر إلى توظيف بنيتها التحتية وموقعها الجغرافي لتعزيز دورها الإقليمي والدولي.
البحث عن دعم إضافي في ملف اللاجئين
قال مصدر مصري مطلع إن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى قبرص لا تحمل أبعاداً على مستوى العلاقات الثنائية فحسب، لكنها جاءت في إطار تنسيق مصري أوروبي بشأن عدة ملفات جرى التباحث بشأنها خلال القمة المصرية الأوروبية الأولى التي انعقدت في أكتوبر 2025.
وهناك رؤى مصرية بشأن ضرورة تسريع تنفيذ المشروعات الاستثمارية، وكذلك صرف الشريحة الثانية من الدعم المالي الأوروبي، بالإضافة إلى تعزيز التعاون بشأن الطاقة، إذ من المتوقع أن تلعب القاهرة دوراً مهماً في توفير إمدادات القارة الأوروبية من الغاز الطبيعي عبر الغاز القبرصي الذي يتم إسالته في المحطات المصرية، ومنها إلى الدول الأوروبية.
المشاورات المصرية الأوروبية تتطرق إلى قضية استضافة اللاجئين، إذ تجد القاهرة نفسها تتحمل بمفردها أعباء الاستضافة، وإن كانت لديها قدرة على تحمل فاتورة التكلفة، فإن تعرضها لهزات اقتصادية قد لا يجعلها قادرة على استكمال مهمتها، وفي تلك الحالة فإن قضايا اللاجئين سوف تنفجر في وجه الدول الأوروبية التي تضيق الخناق على دخول المهاجرين إليها.
وبحسب المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، فإن مشاورات القاهرة لم تتطرق فقط إلى الدعم الحكومي وتقاسم الأعباء مع الجهات الحكومية، لكنها أيضاً تهدف إلى توفير تمويلات إضافية لمفوضية اللاجئين التي تتشارك مع منظمات مجتمع مدني في تقديم الخدمات إلى بعض اللاجئين وطالبي اللجوء.
وينطلق التنسيق المصري الأوروبي في ملف اللاجئين، يقول المصدر، من محددات أمنية وإنسانية، لأن وجود ما يقرب من 10 ملايين لاجئ ومهاجر ووافد على الأراضي المصرية قد يتحول إلى قنبلة موقوتة في حال لم يتم توفير الخدمات الأساسية لهم، مع صعوبات عديدة يواجهها هؤلاء في العودة إلى بلدانهم التي تشهد صراعات لم تهدأ بعد.
وأشار مصدر "عربي بوست" إلى أن القاهرة تستهدف السير بوتيرة أسرع وفق أسس الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، التي تقوم على أسس يتشارك فيها الطرفان لتحقيق مكاسب مشتركة.
مصر كحاجز هجرة وشريك استقرار
وفق مصدر "عربي بوست"، فإن مصر تقوم بدور محوري في توفير بيئة مناسبة لكي يتمكن اللاجئون من العيش، وتعمل على اتخاذ قرارات تدعم دمجهم في المجتمع، وفي المقابل فإنها سدت أبواب خروج مراكب الهجرة غير الشرعية عبر أراضيها إلى دول الاتحاد الأوروبي، بل إنها تلعب دوراً فاعلاً في مساعي تهدئة الصراعات المشتعلة في المنطقة، والتي قد يترتب على استمرارها المزيد من موجات النزوح واللجوء.
وتنتظر مصر من الاتحاد الأوروبي، يقول المصدر، مزيداً من المساعدات التي تجعلها قادرة على مواجهة الأعباء الاقتصادية، وكذلك تساعدها على التحرك دبلوماسياً بقدر من الارتياح الذي يساعد في تهدئة التوترات في بقاع مثل قطاع غزة وليبيا والسودان تحديداً.
وذكر المصدر ذاته أن دول الاتحاد الأوروبي تولي اهتماماً كبيراً بمسألة استقرار الوضع الاقتصادي والسياسي في مصر، وترى في القاهرة نموذجاً مهماً يمكن من خلاله تعزيز مكاسب الاتحاد في منطقة الشرق الأوسط عبر تنشيط الاستثمارات والنفاذ إلى الأسواق العربية والأفريقية، بفعل الموقع الجغرافي للدولة المصرية على ساحلي البحر الأحمر والمتوسط.
وتعمل في الوقت ذاته على أن تجد بديلاً مهماً من خلال القاهرة عبر توريد الغاز إليها، خاصة أنه لا توجد محطات إسالة في قبرص يمكن من خلالها الاستفادة من المشروعات الطموحة بشأن آبار الغاز، وهناك تعويل على محطات الإسالة المصرية التي تنقله إلى أوروبا عبر ناقلات الغاز المسال أو خطوط الأنابيب.
ماذا جرى بين مصر والاتحاد الأوروبي فس قبرص؟
شارك الرئيس المصري في اجتماع تشاوري عُقد بين قادة دول عربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية، انعقد في 24 أبريل/ نيسان 2026 في العاصمة القبرصية، وشهد الاجتماع تباحثاً حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.
أكد السيسي أن ما يحدث في أوروبا ينعكس بشكل مباشر على المنطقة، والعكس صحيح، مشدداً على أن الأزمات التي شهدتها الفترة الأخيرة تؤكد الحاجة الملحة لتعزيز الحوار وتضافر الجهود والتعاون بين الشركاء، بهدف صياغة تفاهمات مشتركة تسهم في منع تكرار الصراعات.
وشهدت الزيارة ترفيع العلاقات المصرية القبرصية إلى استراتيجية، وخلالها شدد الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس على ضرورة تقاسم الاتحاد الأوروبي الأعباء مع مصر من جراء استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين.
وخلال الأشهر الماضية، كررت مصر مطالبتها بمشاركة المجتمع الدولي والجهات المانحة في تحمّل أعباء الوافدين على أراضيها، في ظل استمرار الاضطرابات الأمنية بالمنطقة، ومع التراجع الحاد في تمويل مفوضية شؤون اللاجئين.
ووفق تقديرات الحكومة المصرية، فإنها تتحمّل نحو 10 مليارات دولار سنوياً جراء تكلفة استيعاب الوافدين على أراضيها، وسبق أن تطرّق الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الضغط الذي يُشكّله "الضيوف"، على الموارد المصرية المحدودة.
وتقدّر البيانات الحكومية المصرية أعداد الأجانب الموجودين بأكثر من 9 ملايين من 133 دولة، ما بين لاجئ وطالب لجوء ومهاجر ومقيم، يمثلون 8.7 في المائة من تعداد السكان الذي تجاوز 107 ملايين نسمة.
وقبل أسبوعين تقريباً، قالت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إنها تواجه أزمة تمويل عالمية متفاقمة تُجبرها على تقليص المساعدات المالية الأساسية المقدّمة للاجئين في مصر، ما يترك عشرات الآلاف من الأسر في مواجهة مباشرة مع الفقر والعوز.
ويواجه برنامج المساعدات المالية خطر التوقف الكامل، ما سيؤثر على نحو 20 ألف أسرة لاجئة، معظمها تعيلها نساء، وتعتمد على هذا الدعم لتأمين احتياجاتها الأساسية، وفقاً للمفوضية، التي كشفت عن أن أكثر من نصف هذه الأسر فقدت الدعم بين يناير ومارس 2026، فيما ستواجه الأسر المتبقية المصير نفسه إذا لم تُسَد فجوة التمويل.
إعادة صياغة طرق التمويل والطاقة
بحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن تداعيات الحرب الإيرانية وتأثيراتها على كلٍّ من مصر ودول الاتحاد الأوروبي تدفع نحو مزيد من التقارب، خاصة أن القاهرة توفر فرصاً استثمارية واعدة وتقدم تسهيلات للشركات الأوروبية التي تحتاج إلى رئة تنشط من خلالها، ما يتيح لها النفاذ إلى أسواق واعدة في منطقة الشرق الأوسط.
وتلعب القاهرة دوراً مهماً في الربط بين أوروبا ودول الخليج، وهناك احتياج متصاعد للبنية التحتية التي طورتها على مدار السنوات الماضية في النقل واللوجستيات، ومن المتوقع تدشين مزيد من الخطوط التجارية التي تساعد على إيجاد بديل لمضيق هرمز، مع اضطراب الملاحة في البحر الأحمر.
وأوضح المصدر ذاته أن القاهرة تعوّل في سبيل ذلك على تقديم مزيد من الدعم المالي، بخاصة ما جرى الاتفاق عليه سابقاً ضمن بنود توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، وهناك ما يقرب من 4 مليارات دولار تأمل القاهرة أن يتم صرفها حتى بداية العام المقبل على 3 شرائح.
ويعد ذلك ضرورة للتغلب على الصعوبات الاقتصادية الراهنة، وبما يساعد القاهرة على تحمل أعباء اللاجئين. وأشار المصدر إلى أن تعقيدات إدارية تحول دون إتمام تلك المساعدات، إلى جانب ضغط إسرائيلي غير مباشر على دول أوروبية صديقة، قد يكون له عامل سياسي في تأخير وصول الدعم.
وتعني الشراكة الاستراتيجية أن العلاقات في أعلى مراتب الدبلوماسية، كما أن هناك تعاوناً استخباراتياً وسياسياً وأمنياً سيكون بحاجة إلى مزيد من التعاون الاقتصادي لإحداث التكامل في كل العلاقات، وبما يدعم التنسيق في مختلف القضايا مثل الهجرة والأوضاع في الشرق الأوسط وغيرها.
وأشار المصدر الدبلوماسي المصري في تصريحه لـ"عربي بوست" إلى أن القاهرة تعمل في الوقت ذاته على ترفيع العلاقات الثنائية إلى استراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، وهو ما انتهجته مؤخراً مع قبرص، ومن شأنه دعم التعاون في مجال الطاقة.
ولفت المصدر ذاته إلى أن تعزيز التعاون مع قبرص سيزيد من التعاون مع الاتحاد الأوروبي كله، كون قبرص عضواً في الاتحاد، مشيراً إلى أن الشراكة الدبلوماسية بين البلدين تدعم تحقيق مزيد من العوائد الاقتصادية لقبرص ومصر معاً؛ ما يسهم في تحسين أوضاعهما الاقتصادية.
ويمكن اعتبار إعلان الشراكة الاستراتيجية مع قبرص دليلاً على تقارب سياسي، جنباً إلى جنب مع أبعاده الاقتصادية المباشرة، وهو يخدم الرؤية المصرية التي تستهدف أن تكون مركزاً لتداول وتسييل الغاز بما لديها من إمكانات في هذا المجال، وفق ما أكده المصدر الدبلوماسي.
وقبل أسبوعين تقريباً، قال رئيس الوزراء المصري إن القاهرة تجري محادثات مع الاتحاد الأوروبي لتقديم موعد صرف دفعة من الدعم إلى منتصف العام الحالي بدلاً من نهايته. وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن عن حزمة تمويل لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو "8.1 مليار دولار" عام 2024، تشمل 5 مليارات يورو قروضاً ميسرة.
ونهاية شهر أبريل/ نيسان 2026، وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، وقال متحدث باسم الرئاسة القبرصية إنها ستكون أساساً يمكن لقبرص ومصر من خلاله التفاوض على مزيد من الاتفاقيات لاستغلال احتياطيات قبرص.
وكانت المباحثات بين الرئيسين المصري والقبرصي في 24 أبريل/ نيسان قد تطرقت إلى مستجدات ربط حقول الغاز القبرصية بالبنية التحتية المصرية، بغرض الاستهلاك المحلي والتصدير للخارج من مصر.
وفي العام الماضي، وقَّعت مصر وقبرص اتفاقيات تسمح بتصدير الغاز من الحقول البحرية القبرصية إلى مصر، لتسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا، في إطار سعي البلدين لتعزيز دور شرق المتوسط مركزاً للطاقة.