لا هدنة في الجنوب: كيف يواجه حزب الله الضغط الناري الإسرائيلي في جنوب الليطاني وشماله؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/05/01 الساعة 18:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/05/01 الساعة 18:24 بتوقيت غرينتش
الهدنة في جنوب لبنان تحولت إلى مجرد عنوان سياسي يغطي حقيقة الوضع/ عربي بوست

في جنوب لبنان، لم تعد الهدنة التي أُعلن عنها في 16 أبريل/ نيسان 2026 سوى عنوان سياسي يغطي واقعاً ميدانياً متحركاً، تُعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك يومياً وفق إيقاع النار لا الاتفاقات. فبين نهر الليطاني وعمق الجليل، تتداخل خطوط السيطرة بالنفوذ الناري، وتتحول الجغرافيا إلى مساحة اختبار مستمر لميزان القوة وحدوده.

تعتمد إسرائيل على تكثيف الضغط عبر انتشار ناري واسع وضربات دقيقة تستهدف الحركة قبل الثبات، في محاولة لفرض واقع أمني بالقوة ومنع أي إعادة تموضع لخصمها. لكن هذا النمط لا يمر دون كلفة، إذ يفتح المجال أمام ردود مرنة وغير متوقعة، تُبقي الجبهة في حالة اشتعال منخفضة الوتيرة لكنها مرتفعة التأثير.

في المقابل، يُظهر حزب الله قدرة متزايدة على التكيّف، مستفيداً من تكتيكات الانتشار المرن وتكامل أدواته القتالية، وعلى رأسها المسيّرات التي باتت تعيد رسم معادلات الاشتباك. وبين تفوق ناري من جهة، ومرونة عملياتية من جهة أخرى، يدخل الجنوب مرحلة استنزاف مفتوحة، بلا حسم واضح.

جغرافيا اشتباك بلا حدود في جنوب لبنان

لم يعد الحضور الإسرائيلي في جنوب لبنان يُقاس بعدد الجنود على الأرض، بل بحجم النار التي يغطيها، إذ إن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد نمطاً قتالياً قائماً على "الانتشار بالنار" بدل الانتشار البشري، حيث يفرض سيطرة نارية على نحو 60 بلدة وقرية ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، بعمق يتراوح بين 10 و12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية.

غير أن هذا التمركز الذي انتهجه الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان لا يشكل الحد الفعلي للعمليات، إذ يتجاوز تأثيره هذا النطاق عبر القصف المدفعي المكثف، والغارات الجوية، والطائرات المسيّرة التي تضرب أهدافاً أبعد شمالاً.

هذا النمط لا يقتصر على خطوط تماس ضيقة، بل يرسم خريطة اشتباك مفتوحة ومتصلة جغرافياً، تمتد من القطاع الشرقي إلى الغربي مروراً بالقطاع الأوسط، على طول مجرى نهر الليطاني.

ففي قضاء النبطية وحده، طالت العمليات بلدات يحمر الشقيف، والزوطرين، وأرنون، وكفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وكفررمان، وعدشيت، وجبشيت، وحاروف، وتول، وعبا، وميفدون، مع تفاوت في عمق الاستهداف يبدأ من كيلومتر 1 فقط عن "الخط الأصفر"، وصولاً إلى مجرى النهر، وحتى نحو 10 كيلومترات شماله.

ويمتد هذا الانتشار إلى قضاء مرجعيون، حيث تكررت الضربات في تولين، وقبريخا، وخربة سلم، والصوانة، وعلمان القصير، بينما في بنت جبيل شملت الاستهدافات بيت ياحون، وبرعشيت، وتبنين، وشقرا، وصفد البطيخ، والجميجمة، والسلطانية، وبرج قلاويه، والغندورية، وحاريص، وكفردونين.

أما في قضاء صور، فتُظهر الخريطة اتساعاً أكبر، يكاد يغطي كامل القطاع، من صريفا والطويري إلى القليلة والحنية ورشكنانيه وجبال البطم، وصولاً إلى دير قانون رأس العين وباتوليه.

وبحسب مصادر أمنية لبنانية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن هذا الانتشار الكثيف لا يعكس مجرد تكثيف للعمليات، بل يندرج ضمن استراتيجية متكاملة تقوم على "التشبع الناري"، هدفها منع أي تموضع ثابت أو إعادة انتشار لقوات حزب الله، عبر إبقاء كامل الجغرافيا الجنوبية تحت ضغط مستمر، يحول دون تثبيت أي معادلة ميدانية مستقرة.

طبيعة العمليات الإسرائيلية

تعكس طبيعة الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان تحولاً واضحاً في فلسفة الاستهداف، من التركيز على المواقع الثابتة إلى ملاحقة الأهداف المتحركة في الزمن الحقيقي.

وفي هذا السياق، تلعب الطائرات المسيّرة دوراً محورياً في تعقب السيارات والدراجات النارية، التي تُصنَّف من وجهة النظر الإسرائيلية كوسيلة أساسية لحركة عناصر حزب الله أو نقل المعدات بين نقاط الانتشار.

ميدانياً، سُجلت استهدافات متكررة لدراجات نارية في مناطق مثل الشهابية، والبازورية، وقانا، ودبين، إلى جانب ضربات استهدفت طرقات رئيسية، أبرزها طريق العامرية – المنصوري.

ويشير هذا النمط إلى اعتماد تكتيك "الاصطياد اللحظي"، حيث يتم رصد الهدف وتعقبه وضربه خلال فترة زمنية قصيرة، بدل الاكتفاء بالضربات الموجهة ضد مواقع ثابتة أو معروفة مسبقاً.

بالتوازي مع ذلك، لا تزال الضربات التقليدية حاضرة بقوة، إذ يستمر القصف المدفعي المباشر على بلدات مثل صريفا، والمنصوري، ومجدل زون، وكونين، فيما تتولى الطائرات الحربية استهداف البنى التحتية والمواقع التي تتهم إسرائيل الحزب باستخدامها نقاط انطلاق أو تخزين، ما يعكس مزيجاً بين الاستهداف الديناميكي والضغط الناري المستمر.

ورغم هذا التموضع داخل "الخط الأصفر"، تشير المعطيات إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق هدفه الأساسي، المتمثل في تأمين مستوطنات الشمال أو حماية قواته من هجمات الحزب.

بل على العكس، استمرت الهجمات لتطال عمق الجليل الغربي، حيث دوّت صفارات الإنذار بشكل متكرر في مستوطنات زرعيت، وأفن مناحم، ونطوعه، وفسوطه، وكفار جلعادي، ومسكافعام، نتيجة إطلاق المسيّرات.

هذا التطور دفع إسرائيل إلى توسيع نطاق إنذارات الإخلاء، لتشمل مناطق أعمق داخل قضائي صور والنبطية، في محاولة لفرض حزام أمني فعلي لا يقوم فقط على الانتشار العسكري، بل على تفريغ المناطق من سكانها، ما يحدّ من قدرة الخصم على الحركة ويعيد تشكيل البيئة الميدانية لصالحها.

ماذا عن تكتيكات حزب الله للرد؟

في مقابل الضغط الناري الإسرائيلي، تشير معطيات ميدانية حصل عليها "عربي بوست" من مصادر مقربة من حزب الله إلى أن الحزب لا يزال يحتفظ بقدرة عملياتية مرنة، تقوم على إعادة توزيع أدواره القتالية ضمن بنية متعددة الطبقات، تتيح له الاستمرار في العمل رغم الاستهداف المكثف.

هذه البنية ترتكز أولاً على جنوب الليطاني، حيث يستمر النشاط ضمن نطاق الاشتباك المباشر، مع الحفاظ على القدرة على إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات محدودة، حتى تحت الضغط الناري العالي.

ورغم كثافة الضربات، لا يزال هذا الحيز يشهد حضوراً عملياتياً غير ثابت، يقوم على المناورة بدل التمركز، ما يسمح بالحفاظ على الحد الأدنى من الفعالية القتالية.

أما شمال الليطاني، فقد تحوّل تدريجياً إلى جبهة إسناد رئيسية، تنطلق منها العمليات الأكثر تعقيداً، سواء من حيث التخطيط أو التنفيذ. هذا التحول لا يعكس فقط إعادة تموضع جغرافي، بل يشير إلى محاولة بناء عمق عملياتي يخفف من أثر الاستهداف المباشر في الجنوب، ويمنح الحزب مساحة أوسع لإدارة المعركة.

بين هاتين المنطقتين، تبرز خطوط الإمداد كعنصر حاسم في استمرارية العمليات. ووفق المصادر، لا تزال هذه الخطوط فعالة رغم الاستهداف الإسرائيلي المستمر، ما يعني أن منظومة الربط اللوجستي لم تُشلّ، وأن القدرة على نقل الأفراد والمعدات ما زالت قائمة، ولو بوتيرة أكثر حذراً وتعقيداً.

وتوضح المصادر أن هذا الأداء يرتبط بتبني الحزب تكتيك "الانتشار المرن"، الذي يقوم على تفكيك الوحدات الكبيرة إلى مجموعات صغيرة، تعمل بشكل متحرك وغير مركزي، وتتجنب أي تمركز ثابت يمكن رصده أو استهدافه بسهولة.

هذا النمط لا يقلل فقط من فعالية الضربات الإسرائيلية، بل يفرض أيضاً تحدياً استخباراتياً دائماً، إذ تتحول الأهداف إلى كيانات متغيرة يصعب تثبيتها أو تعقبها ضمن بنك أهداف تقليدي.

لا تعكس هذه المرونة مجرد قدرة على الصمود، بل تعكس تحولاً في طريقة إدارة المعركة، من الدفاع عن مواقع إلى إدارة حركة مستمرة داخل الميدان، ما يبقي الجبهة مفتوحة على احتمالات متعددة، ويمنع تثبيت معادلة اشتباك نهائية.

المسيّرات تتحول من أداة مساندة إلى مركز ثقل

في جنوب لبنان، لم تعد المسيّرات مجرد عنصر ضمن منظومة القتال، بل تحوّلت إلى الفاعل الأكثر تأثيراً في ميزان العمليات. وبحسب مصادر أمنية تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن المسيّرات أعادت تعريف قواعد الاشتباك، بينما ترى مصادر مقربة من حزب الله أنها أداة الحسم التكتيكي التي نجحت في تعويض الفارق مع التفوق الجوي التقليدي الإسرائيلي.

هذا التحول لا يتعلق فقط بكثافة الاستخدام، بل بطبيعة الدور، إذ إن المسيّرات لم تعد مقتصرة على مهام الاستطلاع أو الضربات المحدودة، بل أصبحت منظومة قتالية متكاملة، تجمع بين الرصد والتتبع والتوجيه والتنفيذ في دورة واحدة.

عملياً، باتت المسيّرة قادرة على اكتشاف الهدف، وملاحقته، وتحديد نقطة الإصابة بدقة، ثم تنفيذ الضربة دون الحاجة إلى تدخل وحدات إضافية، ما يقلّص زمن الاستجابة ويزيد من فعالية الإصابة.

لكن النقلة الأخطر، وفق المعطيات الميدانية، تتمثل في إدخال المسيّرات المفخخة الموجهة بالألياف البصرية (Fiber-Optic FPV)، وتمثل هذه التقنية تحولاً نوعياً في الحرب غير المتكافئة، إذ تعتمد على كابل ألياف بصرية يربط المسيّرة مباشرة بالمشغّل، بدلاً من الإشارات اللاسلكية التقليدية، ما يجعلها شبه محصنة ضد التشويش الإلكتروني الإسرائيلي.

كما يمنح هذا النظام قدرة توجيه دقيقة حتى لحظة الاصطدام، ويخفي موقع المُشغّل بالكامل، ما يصعّب رصده أو استهدافه.

ميدانياً، تزداد خطورة هذه المسيّرات بفضل خصائصها الفيزيائية والتكتيكية، فهي قادرة على الطيران على ارتفاعات منخفضة جداً، أحياناً دون مستوى الأشجار أو أسطح المنازل، ما يجعل اكتشافها عبر الرادارات التقليدية أمراً بالغ الصعوبة.

كما أن حجمها الصغير وبصمتها الحرارية المحدودة يقللان من فعالية أنظمة الدفاع الجوي، خصوصاً في بيئة جغرافية معقدة كالجنوب اللبناني، حيث تتداخل القرى مع التلال والمساحات المفتوحة.

هذا التطور انعكس بشكل مباشر على أداء الجيش الإسرائيلي في الميدان، إذ تشير مصادر أمنية إلى أن الوحدات الإسرائيلية باتت تتجنب التمركز لفترات طويلة في المناطق المفتوحة، فيما اضطرت بعض الوحدات إلى اعتماد إجراءات ميدانية بدائية نسبياً، مثل تركيب شبكات معدنية فوق الآليات أو إنشاء نقاط تغطية مؤقتة، في محاولة لاعتراض المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها.

وتشكل عملية "شوميراه"، التي وقعت الخميس 30 نيسان/ أبريل 2026، نموذجاً واضحاً لهذا التحول. فالمسيّرة التي استهدفت الموقع العسكري في الجليل الغربي لم تكتفِ بإصابة الهدف، بل أحدثت تأثيراً مضاعفاً عبر تفجير ذخائر داخل الموقع.

وأدى الهجوم إلى أضرار واسعة في بطارية مدفعية، واشتعال حرائق كبيرة، وسقوط قتيل و12 جريحاً في صفوف الجيش الإسرائيلي. وتشير المعطيات إلى أن هذا المستوى من الدقة لم يكن ممكناً لولا نظام التوجيه المتقدم المستخدم في العملية.

أدوار مختلفة للطائرات المسيّرة

إلى جانب الدور الهجومي، يبرز الاستخدام المكثف لمسيّرات الاستطلاع الصغيرة، التي تعمل بشكل شبه دائم فوق مناطق الاشتباك، لتغذية بنك الأهداف وتحديثه لحظة بلحظة.

هذا التكامل بين الاستطلاع والهجوم أنتج ما يمكن وصفه بـ"الدورة النارية المغلقة"، حيث يتم اكتشاف الهدف واستهدافه خلال فترة زمنية قصيرة جداً، ما يقلّص هامش المناورة أمام القوات الإسرائيلية ويزيد من هشاشة تموضعها.

في المقابل، تشير مصادر مقربة من الحزب إلى اعتماد تكتيك "الإغراق المسيّر"، القائم على إطلاق عدة مسيّرات في توقيت متقارب أو من اتجاهات متعددة، بهدف إرباك أنظمة الدفاع وإجبارها على التعامل مع عدد كبير من التهديدات في آن واحد، وهو ما يرفع احتمالات اختراق الدفاعات والوصول إلى الأهداف الحساسة.

وتضيف المصادر أن الكلفة المنخفضة نسبياً لهذه المسيّرات، مقارنة بالأنظمة الدفاعية المستخدمة لاعتراضها، تخلق معادلة استنزاف واضحة: ضغط مستمر بتكلفة محدودة من جهة، مقابل كلفة مرتفعة على الجانب الإسرائيلي، سواء في عمليات الاعتراض أو في الخسائر الناتجة عن الاختراقات.

كيف تعيد الجغرافيا تشكيل ميزان الاستنزاف؟

لا يمكن فهم ديناميات المواجهة في جنوب لبنان دون التوقف عند عامل الجغرافيا، الذي لا يقل تأثيراً عن التكنولوجيا المستخدمة في الميدان. فطبيعة المنطقة، حيث تتداخل القرى مع التلال والمساحات المفتوحة، تخلق بيئة مركّبة تمنح الأفضلية لحرب الاستنزاف طويلة الأمد.

في هذا السياق، تجد قوات الاحتلال الإسرائيلي نفسها مضطرة للعمل في مناطق مكشوفة عند تنفيذ عمليات الهدم أو تأمين تحركات الجرافات، ما يجعلها عرضة للاستهداف السريع، سواء عبر المسيّرات أو الصواريخ.

وبحسب مصادر أمنية، فإن هذه البيئة تمنح حزب الله أفضلية نسبية، إذ تتيح له التحرك والاختباء ضمن تضاريس مألوفة، واستغلال التداخل العمراني والطبيعي لصالحه، في حين يعمل الجيش الإسرائيلي في بيئة معادية ومعقدة، تفرض عليه تحديات مستمرة في الرصد والتأمين والتموضع.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الميدان الجنوبي دخل فعلياً مرحلة استنزاف مفتوح، حيث يتعذر على أي من الطرفين تحقيق حسم سريع أو فرض معادلة نهائية.

إسرائيل، رغم امتلاكها تفوقاً نارياً وجوياً واضحاً، تبقى مقيدة باعتبارات سياسية وميدانية تحدّ من قدرتها على الحسم، بينما يحتفظ الحزب بمرونة عملياتية وقدرة على التكيّف، لكنه يعمل في ظل ضغط عسكري متواصل واستهداف دائم.

وتخلص المصادر الأمنية اللبنانية إلى أن ما يجري اليوم يتجاوز مفهوم "الهدنة"، ليُعبّر عن إعادة توزيع للأدوار داخل حرب مستمرة، تُختبر فيها يومياً قواعد اشتباك جديدة على الأرض، في ظل معادلات تتشكل وتُكسر بشكل متسارع، قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة أو تمهّد لانفجار أكبر، في حال اختل هذا التوازن الهش الذي يحكم الجبهة حتى الآن.

تحميل المزيد