خاص: “خريطة طريق” عربية لإيقاف اندفاعة ترامب بشأن لبنان وإبعاده عن الصراعات الإقليمية

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/26 الساعة 18:42 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/26 الساعة 18:43 بتوقيت غرينتش
لبنان يتجه لمفاوضات مع إسرائيل/ عربي بوست

يتحرك ملف لبنان مجدداً في قلب توازنات إقليمية دقيقة، مع تصاعد اندفاعة أمريكية تسعى إلى فرض مسار تفاوضي سريع، مقابل حراك عربي تقوده السعودية يهدف إلى ضبط هذا المسار ومنع انزلاقه نحو ترتيبات سياسية غير محسوبة داخلياً، إذ بات لبنان ساحة اختبار لتقاطع مصالح إقليمية ودولية متشابكة.

في هذا السياق، برزت تحركات عربية مكثفة تقودها السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، بطابع تنسيقي يتجاوز المبادرات التقليدية، مع انخراط عدة عواصم عربية، هي الرياض والقاهرة والدوحة ودمشق، في مقاربة موحدة لإدارة الملف اللبناني، هدفها تحييد البلاد عن مسارات التصعيد وإعادة ربط استقرارها بغطاء عربي–دولي أوسع.

وتشير المعلومات التي توصل إليها "عربي بوست" إلى أن هذا المسار العربي يتقدم بهدوء، مستفيداً من تقاطعات إقليمية مستجدة، ويهدف إلى تقييد المسار الأمريكي ضمن حدود سياسية وأمنية تمنع فرض تسويات متسرعة، ويمهد لإعادة ترتيب التوازنات دون الدفع نحو تسويات قسرية.

تحركات عربية في ملف لبنان

كشف مصدر دبلوماسي عربي رفيع لـ"عربي بوست"، أن زيارة المبعوث السعودي الخاص إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان تندرج ضمن تنسيق مباشر ومستمر مع كل من قطر ومصر وسوريا، في إطار مقاربة مشتركة تستهدف "سحب لبنان من مناطق الاشتباك المفتوح، وإدخاله في مظلة استقرار عربية مدعومة دولياً".

ويشير المصدر إلى أن هذا التحرك لم يعد محصوراً في الإطار الدبلوماسي التقليدي، بل بات جزءاً من مسار إقليمي أكثر تنظيماً.

بحسب المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، فإن هذا التنسيق وصل إلى مستوى متقدم، حيث بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الملف اللبناني بشكل مفصل مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائهما الأخير.

واتفق محمد بن سلمان وأحمد الشرع بشكل واضح، يقول مصدر "عربي بوست"، على أولوية دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ومنع أي انهيار في بنيتها السياسية أو الأمنية، إلى جانب استعداد لتقديم دعم سياسي واقتصادي وتقني "بكل الوسائل المتاحة".

ويرى المصدر أن هذا التقاطع السعودي–السوري يتجاوز البعد اللبناني، ويعكس تحولاً في إدارة ملفات الإقليم، إذ لم تعد دمشق تُعامل كطرف منفصل، بل "كشريك في ضبط الساحة اللبنانية ومنع تحويلها إلى منصة تصعيد"، على حد تعبير مصدر "عربي بوست".

في المقابل، يحرص الرئيس السوري، وفق المعطيات التي توصل إليها الموقع، على إبقاء بلاده خارج أي مواجهة عسكرية مرتبطة بلبنان، مع الانخراط في دعم الاستقرار السياسي والأمني.

ويتشكل مسار إقليمي يضم الرياض والدوحة والقاهرة ودمشق، مع انخراط تركي غير مباشر، وتفاهمات مع الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية، بهدف إعادة إدماج لبنان ضمن فضاء عربي–دولي منظم، يخرجه تدريجياً من دائرة النفوذ الإيراني دون دفعه نحو محور إسرائيلي.

واشنطن تريد إنجازاً أمنياً لكن بحدود

في موازاة ذلك، أكدت مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست" أن الإدارة الأمريكية رفعت مستوى متابعتها للملف اللبناني، مع انخراط مباشر للرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي في لبنان يوازي حضوره في ملفات إقليمية أخرى.

وتوضح المصادر أن ترامب يتعامل مع لبنان كأحد مسارح إعادة رسم قواعد الاشتباك مع إيران، عبر الدفع نحو مسار تفاوضي مع إسرائيل قد يقود إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد، إلا أن هذا التوجه يصطدم بسقف سياسي واضح وضعته بيروت والرياض، يقوم على رفض تحويل المسار إلى اتفاق سلام أو تطبيع.

وتشير المعطيات إلى أن الرسائل التي نُقلت إلى واشنطن شددت على أن أي تسوية يجب أن تقتصر على إنهاء العمليات العسكرية، وضبط الحدود، وتنظيم الوضع الأمني، دون المساس بالثوابت السياسية اللبنانية أو إدخال البلاد في مسار تطبيعي لا يحتمله الداخل.

ويعكس هذا التوازن محاولة لاحتواء الاندفاعة الأمريكية ومنع فرض وقائع سياسية تتجاوز قدرة لبنان على الاستيعاب.

تفاصيل خريطة طريق سعودية للبنان

داخلياً، يوضح مصدر حكومي لبناني تحدث لـ"عربي بوست" أن زيارة الأمير السعودي بن فرحان إلى بيروت حملت ملامح خريطة طريق متكاملة، ركزت على تثبيت الاستقرار الداخلي كشرط أساسي لأي مسار تفاوضي.

ويؤكد مصدر حكومي رفيع أن الرسالة السعودية كانت "حاسمة وغير قابلة للتأويل"، ومفادها أن الحكومة برئاسة نواف سلام تمثل خطاً أحمر، وأن أي محاولة لإضعافها أو إسقاطها ستواجه برفض عربي ودولي واضح.

وشدد بن فرحان خلال لقاءاته مع الرؤساء جوزيف عون ونواف سلام ونبيه بري على ضرورة إعادة تفعيل التنسيق بينهم، وتجاوز الخلافات، وصولاً إلى صياغة موقف موحد من القضايا الأساسية، وفي مقدمتها التفاوض مع إسرائيل ومسألة السلاح، كما طرح فكرة عقد لقاء ثلاثي موسع لإعادة إنتاج التوافق السياسي الداخلي.

ويمتد هذا المسار إلى البعد الأمني، حيث عقد موفد ولي العهد السعودي اجتماعات مكثفة مع قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، ركزت على منع أي انفلات في الشارع، وضبط التحركات التي قد تُستغل لإسقاط الحكومة أو فرض وقائع سياسية بالقوة.

دور نبيه بري في الخطة السعودية

في هذا الإطار، برز الاهتمام السعودي برئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تحول إلى أحد المفاتيح الأساسية في إدارة المرحلة، إذ عقد بن فرحان لقاءين معه، بالتوازي مع اتصال مباشر من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في إشارة إلى أهمية هذا الدور في تثبيت التوازنات الداخلية.

وبحسب مصادر دبلوماسية لبنانية، يهدف هذا الانخراط إلى تأمين "شراكة شيعية" في أي مسار مقبل، ومنع شعور هذه الطائفة بأنها مستهدفة في إعادة ترتيب السلطة. ومن هنا، أعيد طرح اتفاق الطائف كمرجعية جامعة، ليس فقط لتنظيم العلاقة بين السلطات، بل كضمانة سياسية لأي خطوة تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة.

وتشير المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست" إلى أن الطرح لا يقوم على نزع السلاح بشكل فجائي، بل على مسار تدريجي قد يشمل دمج القدرات العسكرية ضمن مؤسسات الدولة أو وضعها تحت إشرافها، ضمن تفاهم داخلي مدعوم إقليمياً ودولياً.

شروط لبنانية للتفاوض ومقترحات دولية

على مستوى التفاوض مع إسرائيل، يعمل الجانب الرسمي في لبنان على تثبيت شروط واضحة قبل الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

ويؤكد المصدر الحكومي أن زيارة بن فرحان إلى بيروت ساهمت في ضبط اندفاعة رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي كان قد وافق شفهياً على لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، حيث طُلب عدم تقديم "هدايا مجانية" دون تنسيق عربي.

بناءً على ذلك، وضعت الحكومة اللبنانية في الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة في البيت الأبيض مجموعة شروط تشمل: تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف العمليات العسكرية، والانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، ورفض إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين.

في المقابل، بدأت عواصم غربية، خصوصاً فرنسا وبالتنسيق مع واشنطن، البحث في بدائل لفكرة المنطقة العازلة، من بينها نشر قوات دولية للإشراف على هذه المناطق، بما يحقق متطلبات الأمن دون اقتطاع فعلي للأراضي.

وتشير المعطيات إلى أن هذا الملف يشكل محوراً أساسياً في المشاورات الجارية مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع التحضير لجولات تفاوضية مقبلة في واشنطن.

لبنان بين واشنطن وطهران

تجمع المصادر الدبلوماسية والحكومية على أن لبنان يُدار حالياً ضمن مسارين متوازيين: مسار أمريكي–إيراني أوسع يُنظر فيه إلى لبنان كساحة ضمن توازنات إقليمية، ومسار لبناني–إسرائيلي مباشر فرضته الحرب الأخيرة.

وفي هذا السياق، يسعى الحراك السعودي–العربي، بالتنسيق مع تركيا، إلى منع تهميش لبنان داخل هذه المعادلة، وإعادة منحه هامشاً تفاوضياً مستقلاً، مدعوماً بغطاء عربي يحدّ من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

وتشير المعطيات إلى أن الهدف هو تحقيق معادلة دقيقة تقوم على إخراج لبنان تدريجياً من محور إيران دون دفعه إلى محور مقابل، وحمايته من الانهيار دون فرض تسوية قسرية.

وتؤكد مصادر دبلوماسية أن الأولوية باتت واضحة: حماية الكيان اللبناني، ومنع أي تغيير في بنيته السياسية أو الجغرافية، وعدم السماح لإسرائيل بالاستفراد به أو استخدامه كأداة ضغط على سوريا والمنطقة.

ماذا يجري فعلاً على أرض الواقع؟

رغم هذا الحراك، يبقى الميدان عاملاً حاسماً، إذ تواصل إسرائيل العمل على تثبيت منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع، من خلال استهداف البنية التحتية، وتكثيف عمليات الرصد، وإنشاء مواقع عسكرية في القرى الحدودية.

في المقابل، تشير المعلومات إلى أن حزب الله يستفيد من الهدوء النسبي لإعادة تنظيم قدراته العسكرية والبشرية، مع الحفاظ على جاهزية ميدانية للرد على أي تصعيد. ويؤكد مصدر حكومي أن الحزب يرفض أي نقاش حول سلاحه خارج إطار حوار وطني شامل، ويراهن على تطورات إقليمية قد تعيد خلط الأوراق.

وبين ضغط الميدان، وطموح واشنطن لتحقيق إنجاز سياسي، ومحاولة العرب إعادة ضبط التوازن، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية، حيث لا يُطرح الحل بقدر ما يُدار الانفجار، بانتظار مآلات تسويات الإقليم.

تحميل المزيد