كشفت معطيات حصرية من مصادر سورية مطلعة، في تصريحات لـ"عربي بوست"، أن دمشق تتجه نحو حزمة تغييرات حكومية وأمنية واسعة، تتجاوز في مضمونها فكرة التعديل الوزاري التقليدي، لتقترب من إعادة تشكيل بنية الحكم في سوريا استعداداً لمرحلة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.
وتتقاطع الترتيبات الداخلية مع تحركات خارجية متسارعة، أبرزها التحضير لجولة مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل في لندن مطلع مايو/ أيار 2026، ما يعكس توجهاً سورياً لاستباق الضغوط الدولية عبر إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتعزيز القدرة التفاوضية قبل الدخول في مرحلة يُتوقع أن تكون الأكثر حساسية منذ سنوات.
وبحسب هذه المصادر، فإن القيادة السورية، برئاسة أحمد الشرع، تعمل على إعادة صياغة معادلة الحكم عبر مسارات متوازية تشمل احتواء القوى الخارجة عن الدولة، وإعادة تركيز القرار السياسي والأمني، والتحضير لاستحقاقات تفاوضية كبرى تتصل بملفات الجنوب والجولان ولبنان، إضافة إلى إعادة تموضع سوريا إقليمياً.
"قسد" من كيان موازٍ إلى مكوّن داخل الدولة
يُعد ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الأكثر حساسية ضمن عملية إعادة بناء الدولة السورية، حيث تشير مصادر "عربي بوست" إلى أن اللقاءات التي جمعت أحمد الشرع بقيادات بارزة في "قسد"، من بينهم مظلوم عبدي وإلهام أحمد، لم تكن معزولة، بل جاءت بعد سلسلة اجتماعات أمنية وسياسية تمهيدية هدفت إلى الانتقال من التفاهمات العامة إلى التفاصيل التنفيذية.
وتقوم الرؤية السورية على تفكيك البنية المزدوجة التي نشأت خلال سنوات الحرب، حيث تطورت "قسد" إلى كيان عسكري وإداري شبه مستقل، والعمل على إدماجها ضمن مؤسسات الدولة، دون الإبقاء على أي طابع سيادي خاص. وفي هذا الإطار، جاء نفي تعيين مظلوم عبدي نائباً للرئيس ليعكس خطاً أحمر واضحاً لدى دمشق: "لا شراكة في قمة هرم السلطة".
بالمقابل، عرضت القيادة السورية على عبدي دوراً استشارياً مرتبطاً مباشرة بالرئاسة، ما يتيح استيعابه سياسياً دون منحه صلاحيات تنفيذية. أما إلهام أحمد، فقد طُرحت أمامها خيارات تتراوح بين تولي حقيبة وزارية أو منصب نائب وزير الخارجية، في خطوة تعكس توجهاً نحو تفكيك الواجهة السياسية لـ"قسد" عبر إدماجها تدريجياً في مؤسسات الدولة.
على المستوى العسكري، يجري العمل وفق مبدأ "الدمج المرحلي"، حيث يتم إدخال وحدات "قسد" ضمن بنية الجيش السوري، مع الحفاظ على ترتيبات انتقالية في مناطق انتشارها، خاصة في الشرق والشمال الشرقي، لتفادي حدوث فراغ أمني أو صدام مباشر قد يهدد الاستقرار الهش في تلك المناطق.
إعادة هندسة بنية الحكم في سوريا وتركيز القرار
بالتوازي مع ملف "قسد"، تتحرك دمشق لإعادة تشكيل هرم السلطة وبالتالي بنية الحكم في سوريا بما يعكس توجهاً واضحاً نحو مركزية القرار السياسي والدبلوماسي.
وتشير المصادر إلى أن من أبرز الخطوات المرتقبة تعيين وزير الخارجية أسعد الشيباني نائباً لرئيس الجمهورية، مع احتفاظه بمنصبه، في صيغة تجمع بين إدارة السياسة الخارجية والموقع السياسي الأعلى.
هذه الخطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الترتيب الإداري، وحسب مصادر "عربي بوست"، فإنها تعكس رغبة في توحيد قنوات التفاوض مع الخارج، خاصة في ظل تعدد المسارات التي تنخرط فيها سوريا، سواء مع قوى إقليمية أو ضمن قنوات غير مباشرة مع إسرائيل.
وفي السياق ذاته، يجري التحضير لاستحداث "وزارة التعاون الدولي"، التي يُرجح أن تتولاها شخصية نسائية، لتكون منصة للتعامل مع المجتمع الدولي، خصوصاً في ملفات إعادة الإعمار والتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية، وفق ما كشفته مصادر "عربي بوست".
كما تشمل التعديلات الحكومية المرتقبة وزارات الدفاع، والإعلام، والصحة، والثقافة، والاتصالات، في إطار توجه لإدخال وجوه جديدة تمثل شرائح اجتماعية أوسع، بهدف إعادة إنتاج شرعية داخلية أكثر توازناً بعد سنوات من الحرب والاستقطاب.
من تعددية الأجهزة إلى مركزية الاستخبارات
التحول الأعمق في بنية الحكم في سوريا يجري داخل بنية النظام الأمني، حيث تؤكد المصادر أن دمشق تتجه إلى تعيين أنس خطاب وزيراً للأمن القومي والمخابرات، في خطوة تهدف إلى دمج الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ضمن إطار مؤسسي واحد.
هذا التوجه يمثل تحولاً جذرياً مقارنة بنموذج "تعدد الأجهزة" الذي ساد خلال سنوات الحرب، حيث كانت مراكز القرار الأمني موزعة بين عدة مؤسسات. أما النموذج الجديد فيقوم على مركزية القرار، ما يسمح بتوحيد الاستجابة للتهديدات الداخلية والخارجية.
في المقابل، سيتم الإبقاء على وزارة الداخلية، لكن مع إعادة تعريف دورها ليقتصر على الأمن المدني والخدماتي، مثل الشرطة والجمارك والمرور، وهو ما يعكس فصلاً واضحاً بين الأمن السياسي والأمن الإداري.
وترتبط هذه التحولات بملفات حساسة، تشمل الجنوب السوري، وأمن الحدود، ومواجهة الخلايا النشطة، إلى جانب الاستعداد لأي ترتيبات أمنية إقليمية قد تُفرض في المرحلة المقبلة، خاصة في سياق المفاوضات مع إسرائيل.
تحصين داخلي تحت ضغط خارجي متصاعد
لا تنفصل تغييرات بنية الحكم في سوريا عن ضغوط دولية متزايدة، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل، تدفع دمشق نحو تسريع وتيرة إعادة ترتيب مؤسساتها. وفي هذا الإطار، يجري العمل على إعادة تفعيل البرلمان، كجزء من محاولة بناء غطاء سياسي داخلي في مواجهة الضغوط الخارجية.
وتشير التقديرات إلى أن القيادة السورية تسعى إلى الدخول في المرحلة المقبلة وهي أكثر تماسكاً داخلياً، في ظل توقعات بتصعيد المطالب الدولية، سواء على صعيد الإصلاحات السياسية أو الترتيبات الأمنية.
في هذا السياق، تبرز مخاوف سورية من محاولات يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدفع دمشق نحو الانخراط في الساحة اللبنانية، سواء عبر أدوار أمنية مباشرة أو من خلال ترتيبات حدودية معقدة.
إلا أن دمشق، بحسب مصادر "عربي بوست"، تتعامل مع هذا السيناريو بحذر، إدراكاً لمخاطر فتح جبهة إضافية في توقيت حساس.
طبيعة مسار التفاوض مع إسرائيل
في موازاة إعادة ترتيب الداخل، تتحرك دمشق على المسار الخارجي، حيث تستعد لندن لاستضافة جولة مفاوضات سورية-إسرائيلية مطلع مايو/ أيار، ضمن مسار غير مباشر يركز على الترتيبات الأمنية في الجنوب السوري.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الجولة ستتناول قضايا تشمل آليات منع الاحتكاك، وضبط خطوط الفصل، وترتيبات ميدانية تتعلق بالوجود العسكري، في محاولة لتقليل احتمالات التصعيد.
لكن الموقف السوري، كما عبّر عنه أحمد الشرع خلال منتدى أنطاليا، يقوم على معادلة دقيقة: تمسك كامل بالجولان كأرض سورية محتلة، ورفض الاعتراف بقرار دونالد ترامب بشأن السيادة الإسرائيلية عليه، مقابل انفتاح محدود على ترتيبات أمنية مرحلية إذا ساهمت في خفض التوتر.
هذه المقاربة، التي تصفها المصادر بـ"البراغماتية المقيدة"، تعكس محاولة للاستفادة من المسار الأمني دون الانزلاق إلى تسوية سياسية شاملة.
ويأتي ذلك في ظل استمرار قنوات التنسيق الأمني التي فُتحت بعد اجتماع باريس مطلع 2026، والذي أرسى آليات تعاون في مجالات الأمن والاستخبارات دون الوصول إلى اتفاق سياسي.
في المحصلة، تكشف هذه التحركات عن عملية إعادة بناء متكاملة تقودها دمشق، تشمل دمج قوى الأمر الواقع، وإعادة هندسة السلطة، وتوحيد القرار الأمني، والاستعداد لجولة تفاوضية معقدة.
وتسعى القيادة السورية من خلال إعادة هيكلة بنية الحكم في سوريا إلى استباق الضغوط الخارجية، وتعزيز موقعها التفاوضي، قبل الدخول في مرحلة قد تُفرض فيها تسويات كبرى على مستوى الإقليم.