مع تصاعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، أُعيد ترتيب أولويات الإقليم بشكل لافت، ما انعكس مباشرة على بؤر التوتر المحيطة بمصر، إذ تراجعت صراعات الجوار المصري في غزة والسودان وليبيا إلى الهامش سياسياً ودبلوماسياً، في ظل انشغال القوى الكبرى بمسار الحرب الجديدة وتداعياتها.
هذا التحول لم يكن مجرد تراجع في الاهتمام، بل أعاد تشكيل موازين الضغط الدولي ومسارات الوساطة، حيث وجدت القاهرة نفسها أمام تحدٍ مركب: الاستمرار في إدارة ملفات ملتهبة دون غطاء دولي كافٍ، وفي بيئة إقليمية تتغير بسرعة تحت تأثير الحرب.
في هذا السياق، برزت أدوار مصر كفاعل محوري يحاول منع الانهيار في جواره المباشر، من خلال التحرك في مسارات الوساطة في غزة، والدفع نحو تسوية في السودان، ودعم الاستقرار النسبي في ليبيا، رغم التباينات الدولية والتداخلات المتزايدة بين ملفات دول الجوار المصري.
كيف همشت حرب إيران أزمات الجوار المصري؟
بعد مرور شهر ونصف تقريباً من اندلاع الحرب الإيرانية، خفتت صراعات أخرى كانت مشتعلة في المنطقة، أغلبها كان يدور في دول الجوار المصري، بخاصة في قطاع غزة والسودان وليبيا، إلى جانب صراعات أخرى إقليمية، ما يطرح تساؤلات بشأن تأثيرات الحرب على هذه الصراعات التي انخرطت فيها مصر بأشكال مختلفة لإيجاد حلول لها.
وتؤكد القاهرة على ضرورة إيجاد حلول سياسية للأزمة السودانية، وتمضي في دور الوساطة الذي تشارك فيه لتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، كما أنها تدعم التحركات الأممية التي تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية لتقويض أي مساعٍ لترسيخ تقسيم الدولة التي لديها حدود شاسعة مع مصر من الجهة الغربية.
وقال مصدر مصري مطلع إن الحرب الإيرانية ألقت بظلال سلبية، بخاصة على الأوضاع في قطاع غزة وكذلك الوضع في السودان، في حين تمر ليبيا بحالة من الاستقرار النسبي، وإن كان هناك تخوفات من تضارب مشاريع حلول الأزمة بين خطة تقدمت بها الأمم المتحدة وأخرى تعمل الولايات المتحدة على إنجاحها مع توحيد ميزانية الشرق والغرب الليبيين.
السودان: تراجع الاهتمام الدولي وتجميد المبادرات
قال مصدر "عربي بوست" إن الأزمة السودانية التي تمخض عنها أكبر كارثة إنسانية حول العالم، شهدت تراجعاً لافتاً في الاهتمامات الدولية، وأشار إلى أن اللجنة الرباعية التي كان لديها مبادرة بشأن وقف إطلاق النار لم تعقد أي اجتماعات منذ بدء الخلافات السعودية الإماراتية، وبعدها اندلاع الحرب في قطاع غزة.
هذه التطورات ساهمت في ما يشبه تجميد المبادرة التي كانت تلقى دعماً قوياً من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وكان من المفترض أن تمارس مزيداً من الضغوط الدبلوماسية على أطراف الصراع للوصول إلى حلول سياسية، لكن ذلك لم يتحقق، وتمر البلاد في دائرة مفرغة من العنف دون أي أمد إيجابي للوصول إلى إنهاء القتال.
ولفت المصدر المصري إلى أن مؤتمر برلين الذي ينعقد في غياب طرفي الصراع لا يشكل أداة ضغط كافية، وسيواجه اعتراضات تتطلب إقناع طرفي الصراع بتنفيذ ما يتمخض عنه من نتائج، كما أن المؤتمر لا يحظى باهتمام دولي مطلوب في ظل ترقب ما ستؤول إليه الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران.
ويوم الأحد 12 أبريل 2026، بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وآنيت فيبر، مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي، التحضيرات الجارية لمؤتمر برلين الوزاري حول السودان المقرر عقده الأربعاء 15 أبريل 2026، حيث شدد الوزير عبد العاطي على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أية كيانات موازية، فضلًا عن أهمية إطلاق مسار سياسي بملكية سودانية خالصة لوضع حد للصراع.
كما أكد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية كخطوة تمهيدية نحو وقف مستدام لإطلاق النار، بما يسمح بنفاذ المساعدات الإنسانية وتخفيف معاناة الشعب السوداني، وأدان وزير الخارجية كافة الانتهاكات ضد المدنيين في السودان، باعتبارها تمثل خرقاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مؤكداً ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية.
وحذرت الأمم المتحدة، هذا الأسبوع، من تفاقم خطر الأوضاع الإنسانية بالسودان في ظل استمرار الحرب الأهلية وتدهور مستويات التمويل، مؤكدة أن البلاد تواجه واحدة من أسوأ أزمات النزوح والجوع وانهيار الخدمات الصحية على مستوى العالم.
غزة: جمود الاتفاق وتصعيد محتمل
وصف المصدر المصري المطلع الوضع في قطاع غزة بـ"المعقد للغاية"، بسبب إصرار إسرائيل على نزع سلاح حركة حماس دون أن تلتزم ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، سواء فيما يتعلق بالمرحلة الأولى أو الثانية، وأشار إلى أن ملف غزة تأثر سلباً وبصورة كبيرة بسبب الحرب الإيرانية التي انشغلت فيها إسرائيل والولايات المتحدة.
فيما يواجه مجلس السلام الدولي الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب أزمات عديدة، مع انسحاب إندونيسيا من قوة الاستقرار، وكذلك عدم المضي قدماً باتجاه تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه خلال الاجتماع الأول بشأن تمويل عملية إعادة الإعمار، بل إن تعرض إسرائيل لخسائر في حربها مع إيران يمكن أن يقود إلى تصعيد آخر في غزة، بخاصة في إقدامها على إشعال جبهة لبنان في الوقت ذاته.
ولفت المصدر ذاته إلى أن وسطاء وقف إطلاق النار في غزة يواجهون مأزق عدم وجود ضغوطات حقيقية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية على إسرائيل للالتزام بتنفيذ بنود وقف إطلاق النار، فيما يبقى الوضع خطيراً مع عدم السماح بدخول لجنة إدارة غزة ونشر قوات الاستقرار والبدء في إعادة الإعمار.
وفيما يتعلق بغزة، أوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان، الثلاثاء 14 أبريل 2026، أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب خروقات جسيمة ومنهجية للاتفاق، بلغت 2400 خرق حتى 14 أبريل، توزعت على 921 حادثة إطلاق نار، و1109 عمليات قصف واستهداف، إلى جانب 97 توغلاً لآليات عسكرية داخل الأحياء السكنية، و273 عملية نسف طالت منازل ومباني مختلفة.
وأشار التقرير إلى أن هذه الخروقات أسفرت عن استشهاد 754 فلسطينياً، بينهم 312 من الأطفال والنساء والمسنين، مع تأكيد أن 99% من الضحايا من المدنيين. وفي ما يتعلق بالحركة عبر معبر رفح، أوضح البيان أن عدد المسافرين منذ إعادة تشغيله في 2 فبراير 2026 بلغ 2703 مسافرين فقط، من أصل 36800 مسافر كان يُفترض عبورهم خلال الفترة نفسها، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 7%.
ويأتي ذلك بالتزامن مع مفاوضات متعثرة في القاهرة بين حركة حماس والمبعوث الدولي في مجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يلوِّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، باستئناف الحرب إذا لم يُنزع سلاح القطاع.
ليبيا: استقرار نسبي وصراع المبادرات
بحسب مصدر "عربي بوست"، فإن الأزمة في ليبيا تعد الأكثر استقراراً، مع وجود تحركات للمبعوثة الأممية التي تحاول تطبيق خارطة الطريق التي سبق أن أعلنت عنها، فيما جاء تدخل واشنطن عبر مستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس، والذي انتهى بنجاحه في إقناع الأطراف الليبية بالتوقيع على اعتماد ميزانية وطنية موحدة للمرة الأولى منذ أكثر من 13 عاماً.
ووصف بولس الخطوة بأنها إنجاز أمريكي كبير، وأنها تأتي ضمن خارطة طريق أوسع نحو السلام والوحدة الوطنية، وأن واشنطن ستظل في طليعة الجهود الدبلوماسية لتحقيق الوحدة والسلام الدائم في ليبيا، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية ناجحة.
فيما قدمت المبعوثة الحالية، هانا تيتيه، خارطة طريق "الانتخابات والحوار المهيكل"، وترتكز على 3 محاور أساسية: وضع إطار انتخابي سليم، توحيد المؤسسات عبر حكومة جديدة موحدة، وتنظيم حوار مهيكل يمتد من 4 إلى 6 أشهر بهدف إجراء الانتخابات خلال 18 شهراً، ولا تزال الخارطة قائمة حتى الآن، لكن الزخم حولها تضاءل، خاصة مع بروز دور أمريكي قوي.
تحولات إقليمية قد تعيد تشكيل المشهد
بحسب مسؤول سياسي مصري، فإن حرب إيران أثرت بدرجات متفاوتة على الصراعات في دول الجوار المصري، وكان التأثير الأكثر سلبية في السودان وغزة، إذ كانت الأمور تتجه نحو مزيد من الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار في السودان، والمضي قدماً في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بالرغم من تعثره.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه إذا كانت التداعيات سلبية على المدى القصير، فإنها أكثر إيجابية في هاتين الأزمتين على المدى المتوسط، ويرجع ذلك إلى تراجع دور الإمارات المعرقل لوقف إطلاق النار في السودان بعد تداعيات حرب إيران على دول الخليج بوجه عام، إلى جانب تراجع الثقة في الجانب الأمريكي والإسرائيلي.
وتوقع المصدر ذاته أن تعيد دول الخليج صياغة علاقتها مع مصر وتركيا وباكستان، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجاباً على المدى المتوسط على أزمات السودان وغزة، بخاصة أن هناك واقعاً فرضته حرب إيران، وهو أن طموحات إسرائيل في التوسع لا تضاهي قدراتها الحقيقية.
كما أشار إلى أن استمرار الحرب يمكن أن يشكل خطراً على الولايات المتحدة ذاتها التي تبدو غير مستعدة لصراع طويل، وأن وقفها قد يكشف حقائق ميدانية تخفيها إسرائيل، لافتاً إلى أن مخططات تقسيم السودان وليبيا ستتراجع تدريجياً.
وتوقع المصدر ذاته أدواراً أكبر للدبلوماسية الصينية في ظل تراجع الثقة في الولايات المتحدة، مع إمكانية الدفع نحو مسارات تسوية تبدأ بوقف حرب إيران وتمتد إلى أزمات المنطقة، خاصة مع تقارب محتمل بين مصر وتركيا وباكستان والسعودية.
وذكر المصدر ذاته أنه في ظل تعقيدات المشهد الراهن بشأن الحرب الإيرانية، فإنه من المستبعد أن تنجح مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية إلا بعد خفض التصعيد.
وبعد مرور شهر ونصف على الحرب، فإن هناك إعادة ترتيب أولويات، مع مخاوف استئنافها، بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط، وهو ما يؤدي إلى تراجع مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، دون أن يعني ذلك تراجع خطورة الأوضاع في الأزمات الثلاث.