إيران بعد الهدنة: انقسام داخلي وسط مخاوف من “فخ أمريكي” وجدل من استثناء لبنان

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/10 الساعة 16:07 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/10 الساعة 16:07 بتوقيت غرينتش
الهدنة بين طهران وواشنطن تثير انقسامات داخل إيران/ عربي بوست

بعيداً عن الخطاب الرسمي الذي قدّم اتفاق الهدنة بين طهران وواشنطن باعتباره "انتصاراً سياسياً"، تكشف المعطيات التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر إيرانية مطلعة عن انقسام حاد داخل مؤسسات صنع القرار بين من يرى في الهدنة فرصة تكتيكية لفتح مسار دبلوماسي، ومن يعتبرها تنازلاً خطيراً قد يضع إيران في موقع ضعف أمام واشنطن وتل أبيب.

هذا الانقسام لا ينفصل عن ضغط إقليمي متصاعد، خاصة بعد استثناء لبنان عملياً من وقف إطلاق النار، واستمرار الهجمات الإسرائيلية المكثفة عليه، ما وضع طهران أمام معادلة معقدة: إما المضي في التفاوض مع خطر فقدان ثقة حلفائها، أو التصعيد دفاعاً عن "وحدة الساحات" مع ما يحمله ذلك من كلفة داخلية وسياسية.

وبين هذين الخيارين، برزت مخاوف جدية داخل المؤسسة الإيرانية من أن تتحول الهدنة إلى "فخ أمريكي" يمنح خصومها وقتاً لإعادة ترتيب أوراقهم، فيما لا تبدو مفاوضات إسلام آباد مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة طهران على إدارة توازن دقيق بين الداخل والخارج، وبين الحفاظ على تماسكها السياسي والاستمرار في دورها الإقليمي.

انقسام بسبب الهدنة بين طهران وواشنطن

بعد أن أعلنت إيران موافقتها على وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أسبوعين، في يوم 8 أبريل/ نيسان 2026، واصلت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية والمؤسسات التابعة للحكومة تصوير وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات مع واشنطن على أنه انتصار لإيران، بحجة أن الولايات المتحدة قد قبلت بشروط طهران.

لكن ردود الفعل في مؤسسات صنع القرار الإيرانية انقسمت إلى فريقين: فريق مؤيد لوقف إطلاق النار، وآخر معارض. وفي هذا الصدد، يقول مصدر سياسي إيراني مطلع على هذا الملف لـ"عربي بوست": "أعلنت طهران مراراً وتكراراً أنها ترفض أي وقف مؤقت لإطلاق النار ولن تقبل إلا بوقف دائم لهذه الحرب، وفجأة أعلنت موافقتها على وقف مؤقت لمدة أسبوعين، مما أثار ردود فعل غاضبة لدى البعض".

هذا التحول المفاجئ في الموقف الرسمي، بحسب المصادر، لم يُفهم داخل بعض دوائر القرار باعتباره خطوة تكتيكية محسوبة، بل كإشارة إلى ارتباك في إدارة مسار الحرب، خاصة بعد الخطاب التصعيدي الذي سبق إعلان الهدنة، والذي كان يركز على الحسم وعدم القبول بأنصاف الحلول.

مخاوف إيرانية من "فخ أمريكي"

بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فبعد تمسك قادة إيران بإنهاء حاسم للحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الموافقة على وقف مؤقت لإطلاق النار قد يضر بالتماسك الاستراتيجي للقيادة الإيرانية.

ويقول حسن وحيدي، الخبير السياسي المقرب من الحرس الثوري الإيراني، لـ"عربي بوست": "هناك بعض قادة الحرس الثوري والمسؤولين السياسيين يرون أن هذه الموافقة هي بمثابة الوقوع في فخ أمريكي، وعلى مر السنوات أثبتت الولايات المتحدة أنها ليست طرفاً موثوقاً به".

وأضاف وحيدي قائلاً: "يرى البعض داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية أن وقف إطلاق النار المؤقت قد يمنح واشنطن وتل أبيب فرصة لإعادة تنظيم صفوفهما، ومن ثم يقومان باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، وهذه المرة ستكون أعنف من السابق".

تم الترويج في إيران أن الموافقة على وقف إطلاق النار بشكل مؤقت جاءت بسبب أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافق على الشروط العشرة التي وضعتها إيران، وهذا ما ساعد على تغيير موقف القيادة الإيرانية.

لكن يعلق وحيدي على هذا الأمر قائلاً لـ"عربي بوست": "ترامب شخص متلاعب ولا يمكن الوثوق به، وبالفعل قد أعاد النظر في موقفه من الشروط الإيرانية العشر، بدليل ما يقال إن الولايات المتحدة ستخفف العقوبات المفروضة على إيران مقابل التنازل عن حقها في التخصيب وكميات اليورانيوم المخصب بنسب عالية، وهذا رفضته القيادة الإيرانية من قبل".

وتُشير المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إلى أن هناك أيضاً مخاوف من تداعيات داخلية جراء الموافقة على وقف إطلاق النار المؤقت، فالقاعدة الجماهيرية المؤيدة للنظام الإيراني قدمت الكثير من الدعم الشعبي للقيادة خلال هذه الحرب، ثقةً منها في عملية صنع القرار على أعلى المستويات، وتزداد المخاوف من أن تتضرر هذه الثقة، خاصة إذا شابت عملية وقف إطلاق النار المؤقت أي عراقيل.

ويعلق وحيدي قائلاً: "إذا سارت عملية وقف إطلاق النار التي وافقت عليها طهران بشكل مجحف أو مضر بالمصالح الإيرانية، فهذا الأمر يُعد ضربة قوية للتعبئة الشعبية المؤيدة للقيادة الإيرانية في المستقبل".

المؤيدون للهدنة لهم رأي آخر

على الجهة المقابلة، يجادل المؤيدون لموافقة طهران على وقف إطلاق النار المؤقت بأن طهران لم تتراجع عن مواقفها، بل من تراجع هو الرئيس دونالد ترامب، فبعد تهديداته الحادة بتوجيه ضربات قاسية إلى إيران في الأيام الماضية، تراجع عن موقفه وأبدى موافقته على الشروط العشر لإيران، وإعلان موافقة الولايات المتحدة على الدخول في مفاوضات مع إيران بناءً على هذه الشروط.

وفي هذا الصدد، يقول دبلوماسي إيراني مقرب من الحرس الثوري الإيراني لـ"عربي بوست": "واشنطن تريد وقف إطلاق نار نهائي، وتريد التفاوض، ففي الأيام الماضية نقلت باكستان إلى إيران رغبة الولايات المتحدة القوية في إجراء مفاوضات".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "في المقابل، وعلى الرغم من قدرة إيران على مواصلة الحرب لنهاية العام، إلا أنه لا يمكننا إنكار اهتمام القيادات الإيرانية بإعطاء فرصة للمسار الدبلوماسي، ويجب الأخذ في الاعتبار بأن القيادة الإيرانية غير متفائلة بالمفاوضات مع واشنطن، ولكن هناك مصلحة مشتركة في تجنب المزيد من الخسائر لدى كل من واشنطن وطهران".

هذا الطرح يعكس رؤية داخلية تعتبر أن القبول بالهدنة لا يعني التراجع، بل محاولة لإدارة الصراع بأدوات متعددة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة المواجهة المباشرة واستمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية.

لكن ماذا عن "مأزق حزب الله"

بجانب الخلافات الداخلية الإيرانية حول الموافقة على وقف إطلاق نار مؤقت من عدمها، جاءت الهجمات الإسرائيلية المكثفة في لبنان بعد أقل من يوم على إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، لتدفع الشكوك أكثر في إيران تجاه نجاح الاتفاق والمضي قدماً في مفاوضات إسلام آباد.

كانت إيران قد أكدت مراراً وتكراراً أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يتضمن لبنان أيضاً، وأن أي اتفاق يستثني لبنان هو وقف إطلاق نار منقوص وغير مقبول بالنسبة لطهران.

وفي هذا الصدد، يقول المصدر الدبلوماسي الإيراني لـ"عربي بوست": "في الشروط التي قدمتها إيران لباكستان لتقديمها إلى الولايات المتحدة، تم التأكيد على أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون إقليمياً ويشمل لبنان، لكن الهجمات الإسرائيلية على لبنان تقول إن هناك من تلاعب بهذا الأمر، وأن استبعاد لبنان من وقف إطلاق النار ليس خطأ أو سوء تقدير، بل هو تحول سياسي في موقف الولايات المتحدة".

وبحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن هناك شكوكاً عالية لدى المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد استثنى لبنان من وقف إطلاق النار بطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما عزز مخاوف طهران من عدم موثوقية الولايات المتحدة بعد قبول إيران بوقف إطلاق النار.

ويعلق الخبير السياسي حسن وحيدي قائلاً لـ"عربي بوست": "لدى القيادة الإيرانية مخاوف من الدخول في مفاوضات في الوقت الحالي مع واشنطن بعد ما حدث في لبنان، فهم يرون أن الأمر سيكون خطأً استراتيجياً وذا تكلفة سياسية عالية".

طهران أمام "مأزق مزدوج"

أشار وحيدي إلى أن تكثيف الهجمات الإسرائيلية، مع استثناء لبنان من اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، يضع طهران في مأزقين: داخلي وإقليمي. ويقول مصدر سياسي مقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه: "عندما كثفت إسرائيل هجماتها ضد لبنان، ناقش قادة الحرس الثوري التدخل لنجدة حزب الله والرد عسكرياً على إسرائيل، ولكن هذا يعني المخاطرة بخرق وقف إطلاق النار".

فهناك قطاع كبير من الشعب الإيراني، الذي لا يؤيد النظام الحالي بطبيعة الحال، رحب بوقف إطلاق النار المؤقت وبدء المفاوضات على أمل التوصل إلى حل لإنهاء الحرب الحالية، فإذا تدخلت طهران عسكرياً وهاجمت إسرائيل رداً على هجماتها على لبنان، فإنها تغامر بإثارة ردود فعل غاضبة من قطاعات كبيرة من الشعب الإيراني غير المؤيدة بالأساس لدعم بلادهم لمحور المقاومة.

وفي الوقت نفسه، فإن القاعدة الجماهيرية المؤيدة للنظام الإيراني، التي تدعم حزب الله، سترى أن إيران تخاذلت عن دعمها له، ما يهدد النظام الإيراني بفقدان مؤيديه الأيديولوجيين.

ويعلق وحيدي قائلاً: "مؤيدو الجمهورية الإسلامية لهم أهمية سياسية واجتماعية، وساهموا في الحرب الأخيرة لإظهار دعمهم المتواصل للقيادة، ويقدرون موقف حزب الله في دعمه لإيران، وإذا قررت القيادة الإيرانية المضي قدماً في مفاوضات لا تشمل لبنان، فسترى هذه الجماهير أن إيران تقاعست وتخلت عن حليفها الأهم في لبنان".

اختبار حلفاء طهران

أما على المستوى الإقليمي، فإن حلفاء إيران في العراق واليمن سينظرون بعين الريبة والشك إلى طهران إذا لم تتمسك بموقفها من تضمين لبنان ضمن اتفاق وقف إطلاق النار أو الدفاع عن حزب الله في مواجهة الهجمات الإسرائيلية المكثفة.

ويقول وحيدي لـ"عربي بوست": "بالطبع ستقول الفصائل العراقية والحوثيون، قبل أن يفكروا في مد يد العون لإيران في المستقبل: هل مساندة إيران ستعود علينا بالنفع؟". وأضاف: "موقف إيران صعب، وإسرائيل لن توافق على وقف الحرب في لبنان، لأنها تعلم جيداً أن استمرار الهجمات على لبنان سيساعد في تفكيك محور المقاومة ووضع إيران في مأزق".

وترى طهران أن الالتزام بمحور المقاومة ليس التزاماً أيديولوجياً فحسب، بل هو ضامن استراتيجي لها، فقد ساعد دعم حزب الله والفصائل العراقية إيران في عدم عزلتها في هذه الحرب، وعمل على تقوية تهديداتها بأن الحرب لن تكون محصورة في إيران، بل ستكون إقليمية. ومن خلال عزل جهة إقليمية فاعلة مثل حزب الله، فإن إيران تخاطر بنجاح إسرائيل في فصل "وحدة الساحات".

ويعلق حسن وحيدي قائلاً لـ"عربي بوست": "الأمر يتعلق بسمعة إيران أيضاً داخل محور المقاومة، فإذا نجحت واشنطن وتل أبيب في فصل لبنان عن الاتفاق مع إيران، فهذا يعني تشكيل واقع استراتيجي جديد يهدف إلى إضعاف حلفاء إيران تدريجياً". وأضاف وحيدي قائلاً: "إيران تسعى إلى التمسك بوحدة الساحات، ونموذج الردع الجماعي لإقرار واقع إقليمي جديد".

مفاوضات إسلام آباد "اختبار حاسم"

من المفترض أن يجتمع المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون يوم الجمعة 10 أبريل/ نيسان 2026 في العاصمة الباكستانية إسلام آباد لمناقشة الشروط المتبادلة بين البلدين، للتوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب.

لكن، وفقاً لمصادر إيرانية مطلعة تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن طهران أبلغت باكستان بأنها وضعت خطاً أحمر واضحاً: أن أي مفاوضات لوقف إطلاق النار عديمة الجدوى دون تضمين لبنان.

وقال المصدر الدبلوماسي المقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية لـ"عربي بوست": "الرسالة الإيرانية التي وصلت إلى باكستان واضحة ومتفق عليها على أعلى المستويات: لا اتفاق ولا مفاوضات بدون لبنان.. وهذا قرار بالإجماع بين القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية".

بهذا المعنى، لا تبدو مفاوضات إسلام آباد مجرد محطة تفاوضية، بل اختباراً حاسماً لقدرة طهران على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وعلى موقعها داخل معادلة إقليمية معقدة، في ظل ضغوط متزايدة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها.

تحميل المزيد