في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران واقترابها من عتبة أكثر خطورة، برز اجتماع إسلام آباد، الذي ضم باكستان والسعودية ومصر وتركيا، كواحد من أهم اللقاءات السياسية في الأسابيع الأخيرة.
لم يكن الاجتماع مجرد تنسيق عابر بين الدول الإسلامية الأربع المعنية بشكل مباشر بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بل محطة كاشفة لطبيعة التحولات الجارية، ولمستوى القلق الذي تعيشه القوى الإقليمية من تداعيات الحرب.
الأهم أن الاجتماع عكس انقساماً واضحاً حول كيفية التعامل مع إيران، في وقت يتداخل فيه المسار العسكري مع حسابات الطاقة والتجارة والتحالفات، ما يجعل من هذا اللقاء مدخلاً لفهم ملامح النظام الإقليمي الذي يتشكل تحت ضغط الحرب.
انقسام حول إيران في اجتماع إسلام آباد
بحسب مصادر دبلوماسية تحدثت لـ"عربي بوست"، شكّل الملف الإيراني النقطة الأكثر حساسية داخل اجتماع إسلام آباد. النقاش لم يكن تقليدياً، بل اتسم بقدر كبير من الصراحة، عكس إدراكاً جماعياً بأن أي خطأ في التقدير قد يدفع المنطقة إلى مسار يصعب احتواؤه.
داخل الاجتماع، برز اتجاهان رئيسيان، الأول تميل إليه باكستان ومعها أطراف أخرى، يدعو إلى فتح مسار تفاوضي سريع مع إيران دون شروط مسبقة، انطلاقاً من أولوية احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة.
ويستند هذا الاتجاه إلى تقدير مفاده أن طهران، رغم خطابها المتشدد، قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية إذا وُضعت أمام مخرج سياسي يحفظ لها الحد الأدنى من المكاسب.
في المقابل، تبنت السعودية ومعها أطراف أخرى مقاربة أكثر حذراً، تربط أي تفاوض بحزمة شروط واضحة، تشمل تقييد البرنامج النووي، وضبط برنامج الصواريخ، وتقديم ضمانات أمنية صريحة بعدم استهداف دول الخليج أو الممرات الحيوية. هذا الطرح يعكس قناعة بأن أي تسوية غير مشروطة قد تمنح إيران وقتاً إضافياً لتعزيز موقعها، دون تغيير سلوكها الإقليمي.
هذا الانقسام لم يصل إلى حد القطيعة، لكنه كشف عن فجوة في تقدير المخاطر والأولويات، فبينما تركز بعض الدول على وقف الحرب بأي ثمن، ترى أخرى أن إنهاء التصعيد دون معالجة جذوره قد يؤدي إلى جولات أكثر خطورة في المستقبل.
قراءة مشتركة لسلوك إيران وإسرائيل
رغم التباين، شهد اجتماع إسلام آباد توافقاً نسبياً حول طبيعة السلوك المتوقع من الأطراف الرئيسية في الصراع. إذ تم تداول تقدير مشترك بأن إيران قد تلجأ إلى توسيع رقعة المواجهة كوسيلة لرفع كلفتها على الجميع، عبر استهداف منشآت الطاقة أو تهديد الممرات البحرية.
في المقابل، ترى الدول المشاركة أن إسرائيل تتحرك وفق استراتيجية مختلفة، تقوم على توسيع نطاق الحرب واستدراج أطراف إقليمية إضافية، بما يسمح بإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة، وفرض ترتيبات جديدة تكون جزءاً منها.
هذه القراءة المزدوجة تعكس إدراكاً بأن التصعيد الحالي لا تحكمه فقط اعتبارات عسكرية، بل أهدافاً سياسية أوسع تتعلق بإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
هواجس داخلية تضبط المواقف
النقاشات داخل اجتماع إسلام آباد لم تقتصر على الحسابات الإقليمية، بل كشفت عن اعتبارات داخلية تؤثر بشكل مباشر في مواقف الدول.
باكستان عبّرت بوضوح عن قلقها من أي انخراط سعودي مباشر في الحرب، نظراً لارتباطها باتفاقات دفاعية مع الرياض، ما قد يفرض عليها التدخل بشكل أو بآخر. هذا السيناريو يحمل تداعيات حساسة داخلياً، خاصة في ظل التوازنات الطائفية الدقيقة داخل البلاد.
تركيا، من جهتها، ركزت على مخاطر إعادة تفعيل الورقة الكردية، سواء في إيران أو في سوريا، وما قد يشكله ذلك من تهديد مباشر لأمنها القومي. هذا الهاجس يجعل أنقرة أكثر حذراً في التعاطي مع أي سيناريو يؤدي إلى تفكك أو إضعاف الدول المجاورة.
بينما حذرت السعودية ومصر من تداعيات طويلة المدى للحرب، خاصة ما يتعلق بإمكانية حدوث تغييرات ديموغرافية في مناطق مثل غزة ولبنان وسوريا، وهو ما قد يخلق موجات عدم استقرار يصعب احتواؤها لاحقاً.
نحو تنسيق أمني دون تحالف ملزم
على المستوى الأمني، عكس اجتماع إسلام آباد إدراكاً متزايداً بأن منظومة الأمن الإقليمي تمر بمرحلة إعادة تشكيل، خاصة في ظل احتمالات تراجع الانخراط الأمريكي المباشر أو تحوله إلى نمط أقل كلفة.
في هذا السياق، طرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان فكرة تطوير إطار تعاون دفاعي بين الدول الأربع، على غرار تحالفات إقليمية مرنة. إلا أن هذا المقترح لم يحظَ بإجماع، حيث فضلت بعض الدول، خصوصاً السعودية، الحفاظ على هامش مناورة أوسع من خلال اتفاقات ثنائية أو متعددة المستويات، بدلاً من الارتباط بتحالف ملزم.
مع ذلك، تم الاتفاق على رفع مستوى التنسيق الأمني، خصوصاً في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحدود، ومنع انتقال السلاح والمقاتلين. هذه الخطوات تعكس توجهاً عملياً للتحضير لسيناريو توسع النزاع، دون الذهاب إلى تشكيل تحالف رسمي.
التحول الأبرز: التفكير في بدائل استراتيجية
الشق الاقتصادي–الاستراتيجي كان من أبرز مخرجات الاجتماع، حيث انتقل النقاش من منطق إدارة الأزمة إلى التفكير في إعادة بناء بعض ركائز النظام الإقليمي.
في ظل التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، طُرحت أفكار لإنشاء ممرات بديلة لنقل الطاقة والبضائع. من أبرز هذه المشاريع، ممر بري يربط الخليج بالبحر المتوسط مروراً بالسعودية والأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا، بما يتيح تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.
كما تم بحث إعادة إحياء مشروع خط الغاز من قطر إلى أوروبا عبر المسار نفسه، وهو مشروع قد يعيد رسم خريطة الطاقة، ويمنح الدول المعنية هامش استقلال أكبر عن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمضائق.
هذا التحول يعكس إدراكاً بأن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل يرتبط بشكل مباشر بالسيطرة على طرق التجارة والطاقة، وهو ما يدفع الدول إلى التفكير في بدائل طويلة المدى.
تحرك خليجي مواز: من رد الفعل إلى الفعل
بالتوازي مع اجتماع إسلام آباد، تشهد المنطقة حراكاً خليجياً تقوده قطر، بالتنسيق مع السعودية والإمارات، في محاولة لاحتواء التصعيد.
هذا التحرك يقوم على رؤية ثلاثية: منع انتقال الحرب إلى داخل الخليج، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وضمان دور فاعل في أي تسوية سياسية، وتشير المعطيات إلى أن الدوحة تسعى إلى بلورة مبادرة إقليمية تستفيد من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
الأهم أن هذا الحراك يعكس انتقال دول الخليج من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، في محاولة للتأثير في مسار الأحداث، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها.
البعد الدولي: صراع يتجاوز الإقليم
التطورات لا يمكن فصلها عن السياق الدولي الأوسع. فالصين تتحرك لحماية مصالحها الحيوية في مجال الطاقة، وتسعى لتجنب سيناريو انهيار إيران، الذي قد يمنح الولايات المتحدة نفوذاً أكبر على الموارد الاستراتيجية.
في المقابل، تحاول روسيا الحفاظ على دورها في الملف النووي الإيراني، بما يضمن استمرار حضورها في معادلة التوازنات الدولية.
أما الولايات المتحدة، فتتحرك ضمن استراتيجية مزدوجة تجمع بين الضغط العسكري وفتح قنوات تفاوض، في محاولة لفرض تسوية تعيد ضبط موقع إيران، في حين تشير التقديرات إلى أن إسرائيل تدفع باتجاه توسيع نطاق الحرب، بهدف إعادة تشكيل البيئة الإقليمية واستدراج أطراف إضافية إلى المواجهة.
الاقتصاد كعامل حاسم
رغم الطابع العسكري للتصعيد، يتفق معظم الفاعلين على أن العامل الاقتصادي سيكون الحاسم في تحديد مسار الأحداث. أي استهداف لمنشآت الطاقة أو تعطيل للممرات الحيوية قد يؤدي إلى تداعيات عالمية تتجاوز في تأثيرها النتائج العسكرية المباشرة.
ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد كلفة التأمين والنقل، كلها عوامل قد تدفع القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة حساباتها، وربما تسريع البحث عن تسوية.
في المحصلة، يكشف اجتماع إسلام آباد أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة تشكل عميقة. الانقسام حول كيفية التعامل مع إيران يعكس اختلافاً في الرؤى، لكنه لا يلغي وجود قاسم مشترك يتمثل في محاولة تجنب حرب شاملة.
في الوقت نفسه، تشير النقاشات حول الأمن والطاقة إلى أن الدول الإقليمية بدأت التفكير جدياً في "ما بعد" النظام الحالي، سواء من خلال بناء ترتيبات أمنية جديدة أو تطوير ممرات بديلة للتجارة والطاقة.
بين خيار التسوية وخطر الحرب الطويلة، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم، لكن المؤكد أن ما يجري اليوم لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تأسيسية لشرق أوسط مختلف، تُعاد فيه صياغة موازين القوة وفق معادلات جديدة.