خطط الاحتلال تتعثر.. كيف نفهم خارطة المعارك في جنوب لبنان؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/31 الساعة 13:20 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/31 الساعة 13:22 بتوقيت غرينتش
خطط الاحتلال تتعثر.. كيف نفهم خارطة المعارك في جنوب لبنان؟ - عربي بوست

على امتداد شهرٍ من القتال، تحولت خارطة المعارك في جنوب لبنان إلى حرب كر وفر بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال الإسرائيلي الذي تصطدم خططه للتقدم واحتلال جنوب الليطاني بمقاومة عنيفة من قبل مقاتلي "حزب الله" في القرى الحدودية٬ حيث يتعرض الاحتلال لضربات يومية تكبده خسائر في العتاد والجنود والرتب العسكرية٬ رغم ما يفرضه من رقابة عسكرية. 

ويبدو أن هذه التعقيدات والمقاومة الصلبة هي ما يدفع الاحتلال إلى توسيع نطاقات الإخلاء في الجنوب والبقاع، وضرب الجسور والمعابر الحيوية والطرق الرئيسية بهدف قطع الأوصال بين ضفتي نهر الليطاني، وعزل مدن وبلدات بأكملها عن محيطها، مع تكثيف للغارات الجوية٬ حيث يسعى الاحتلال إلى الوصول لضفاف نهر الليطاني من محور الطيبة – ديرسريان، ويتوسع لمحاصرة مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني.

المعطيات الميدانية المتقاطعة، التي حصل عليها "عربي بوست" من مصادر عسكرية لبنانية ومصادر متابعة لحركة الوحدات الإسرائيلية على الأرض، تشير إلى أن ما يجري في الجنوب هو عملية إعادة تشكيل تدريجية للجغرافيا القتالية، قائمة على فرض وقائع بالنار بعد الفشل في التقدم إلى عمق الأراضي اللبناني، حيث أن المواجهة المباشرة في بيئة جنوب لبنان، بكل ما تحمله من تضاريس معقدة وكثافة قتالية، أصبحت مكلفة وغير قابلة للحسم السريع بالنسبة لجيش الاحتلال٬ الذي تفاجأ بقدرات مقاتلي المقاومة اللبنانية على الأرض٬ كما وصف مصدر خاص لـ"عربي بوست".

الاحتلال يسعى لإعادة رسم خارطة الجنوب اللبناني بالنار

تقول وسائل الإعلام العبرية إن المستوى السياسي في إسرائيل "يبدو حازماً في موقفه بضرورة الحفاظ على السيطرة الكاملة حتى نهر الليطاني، بل وحتى أبعد منه في بعض المناطق". وذكرت القناة 12 أن المستوى العسكري الإسرائيلي، الذي عارض الخطة في البداية، عاد وأيّدها لاحقاً، باعتبار أنها "الأنسب" لتغيير الواقع الأمني على الحدود الشمالية. وأضافت أن القرار يقضي "بنقل خط الدفاع العملياتي للجيش الإسرائيلي إلى عمق الأراضي اللبنانية، على بُعد 8 كيلومترات على الأقل من الحدود الدولية".

وعقب زيارته مقر القيادة الشمالية يوم الأحد 29 مارس 2026، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إنه "أوعز بتوسيع المنطقة العازلة" في جنوب لبنان، تمهيداً لتوسيع العملية البرية في لبنان، وفق ما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية.

وخلال العامين الماضيين، صدرت دعوات في إسرائيل، إلى تحويل أجزاء واسعة من جنوب لبنان إلى ما يسمى بـ"المنطقة العازلة الخاضعة لسيطرة الجيش". وقال نتنياهو إنه أصدر تعليمات بتوسيع نطاق "المنطقة العازلة" على الحدود مع لبنان، مؤكدًا عزم حكومته على "تغيير الواقع الأمني في الشمال بشكل جذري" على حد تعبيره.

وفي إطار ذلك٬ نفذ الجيش الإسرائيلي، ابتداءً من 12 آذار 2026، حملة عسكرية واسعة استهدفت الجسور والطرقات في جنوب لبنان، بدأت فعلياً بقطع المداخل الفرعية التي تتصل بالطرق الرئيسية واستهداف جسور القنطرة، الزرارية- طيرفلسيه، والخردلي، قبل أن يعلن رسمياً نيته مهاجمة معابر نهر الليطاني يوم الأربعاء 18 آذار 2026. 

خارطة الجسور والطرق التي دمرها الاحتلال في جنوب لبنان خلال آذار 2026 - عربي بوست
خارطة الجسور والطرق التي دمرها الاحتلال في جنوب لبنان خلال شهر آذار 2026 – عربي بوست

وعقب هذا الإعلان، توالت الغارات لتدمير جسور القاسمية العتيق، قعقعية الجسر، والعبّارة الاحتياطية في برج رحال، وصولاً إلى تدمير جسر القاسمية الحيوي على الأوتوستراد الساحلي وجسر الدلافة الذي يربط الجنوب بجزين والشوف والبقاع. وتزامنت هذه العمليات مع تهديد إسرائيلي صريح باستهداف أي شاحنة تسير على الساحل الجنوبي. ويترافق قصف الجسور والطرقات مع محاولات متكررة للتوّغل الإسرائيلي انطلاقاً من النقاط الخمس المحتلّة، وأصبح التقدّم الإسرائيلي بين 7 و9 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

كيف نفهم خارطة المعركة في جنوب لبنان؟

1- الساحل: مدينة صور تحت الضغط

يبدأ هذا التحول بوضوح في القطاع الغربي للجنوب اللبناني، أي من رأس الناقورة، حيث لا تزال القوات الإسرائيلية تحاول تثبيت نقاط تمركز متقدمة، حيث بدأت عملية دفع تدريجية نحو الداخل لم تأخذ شكل اقتحام مباشر، بل تقدّم حذر عبر مسارات خلفية بسبب ضراوة المقاومة هناك، أبرزها من خلال وادي حامول، لتفادي الطريق الساحلي المكشوف، بسبب إمكانية التعرض لهجوم مسيرات انتحارية من قبل مقاتلي حزب الله.

ويحاول الاحتلال تثبيت خط ناري من بلدة البياضة  إلى قرية شمع شرقاً لما تتيحه هذه المنطقة من إشراف ناري على الساحل الجنوبي كله، حتى مدينة صور. ورغم أن الاحتلال لا زال بعيداً عن مدينة صور٬ إلا أنها لم تعد خارج المعركة، حيث تحولت أجزاء منها إلى مساحة مكشوفة، تُراقَب وتُستهدف من قبل الطيران، وتُقيَّد حركتها اللوجستية من دون الحاجة إلى دخولها٬ كما تقول مصادر عسكرية في الجيش اللبناني.

2- الوسط: بنت جبيل تحت الحصار

في القطاع الأوسط، تتكثف العقد القتالية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وأشد وضوحاً في آن، تتحرك القوات الإسرائيلية في محيط قرى عيترون وعيناتا ومارون الراس ويارون، لكن من دون اندفاع مباشر نحو بنت جبيل، رغم رمزيتها العسكرية والسياسية، المتعلقة بنتائج حرب 2006، وما جرى بها من معارك ضارية في حرب 2024.

بدلاً من ذلك، يجري العمل على بناء طوق تدريجي حول المدينة التي يجري فيها اشتباكات ضارية بحسب مصادر خاصة. حيث حاول الاحتلال التقدم يتم من عدة اتجاهات، مع محاولة الربط بين هذه المحاور عبر نقاط مثل قرى كونين وبيت ياحون، في حين يتم التركيز على السيطرة على التلال المرتفعة، التي تمنح أفضلية نارية حاسمة لجيش الاحتلال.

مصادر عسكرية لبنانية تشير لـ"عربي بوست" إلى أن السيطرة على مواقع مثل تلة الخزان في عيناتا تأتي كخطوة لفرض إشراف ناري مباشر على بنت جبيل ومحيطها، والتي لا تزال تحتوي على مقاتلي نخبة من "قوة الرضوان" في حزب الله، ومع كل نقطة مرتفعة تتوغل بها القوات الإسرائيلية، تضيق المساحة المتاحة للحركة داخل المدينة.

بهذا الأسلوب، تتحول بنت جبيل تدريجياً إلى جيب قتالي، حيث تُدار المعركة من الخارج عبر الضغط الناري، بدلاً من الدخول في اشتباك مباشر داخل الأحياء وهو ما يكبد الاحتلال خسائر كبيرة في الأرواح. 

محاور التوغل والاشتباكات في جنوب لبنان من 2 إلى 31 آذار 2026 - عربي بوست
محاور التوغل والاشتباكات في جنوب لبنان من 2 إلى 31 آذار 2026 – عربي بوست

3- القطاع الشرقي: عزل الليطاني

إذا كان الساحل مجال السيطرة النارية، والوسط ساحة التطويق، فإن الشرق هو قلب الهدف الاستراتيجي. هنا، تتركز العمليات على خط القرى المشرفة على نهر الليطاني، من دير سريان وعدشيت إلى القصير، حيث تتحرك القوات على أكثر من محور متزامن.

المصادر الميدانية تجمع لـ"عربي بوست" على أن الهدف في هذا القطاع السيطرة على خط الليطاني كحد عملياتي يمكن تحويله إلى فاصل بين ضفتي النهر بحيث يصبح جنوب النهر معزولاً بالكامل عن شماله.

مع التقدم من قرى الطيبة باتجاه دير سريان، ومن القنطرة نحو القصير، تتشكل تدريجياً محاولة الاحتلال للإمساك بكل القرى المشرفة على النهر. وإذا ما تحقق ذلك، فإن المنطقة الواقعة جنوبه ستتحول إلى مساحة محاصرة من ثلاث جهات: الحدود، والنهر، ومحاور التقدم.

في الوقت نفسه، يتحرك محور قتالي آخر من قرى الخيام ومرجعيون باتجاه كوكبا والدلافة، وهو محور لا يقل أهمية، لأنه يستهدف قطع الاتصال بين جنوب لبنان ومحافظة البقاع. وهذه الحركة، إذا اكتملت، تعني عملياً فصل الجبهتين عن بعضهما، وإغلاق أحد أهم شرايين الإمداد.

4- محور الوديان عقدة أساسية أمام تقدم الاحتلال

في الوقت نفسه٬ تبرز مناطق وادي الحجير ووادي السلوقي كعقدة أساسية في مسار العمليات إنطلاقاً من بلدة عيترون. هذه المناطق، بطبيعتها الجغرافية وتضاريسها الوعرة، تشكل ممرات إجبارية لأي تقدم، لكنها أيضاً بيئة مثالية للكمائن والاشتباكات القريبة، حيث تعتبر نقطة قوة عناصر حزب الله الذين نفذوا عمليات عديدة ضد جيش الاحتلال في المنطقة.

لهذا السبب، تشير المصادر العسكرية إلى أن الجيش الإسرائيلي يتعامل معها بوصفها "معركة حاسمة"،  فالقصف الجوي والمدفعي المكثف الذي تتعرض له هذه المناطق يهدف إلى تفكيك البيئة القتالية، وإضعاف القدرة على استخدام التضاريس كعنصر تفوق لدى المقاومة.

ويشير المصدر أن الخطة الإسرائيلية لا تتوقف عند الليطاني. المعطيات الميدانية تشير بوضوح إلى أن العمليات تتجه تدريجياً شمال نهر الليطاني، نحو نهر الزهراني، مع تكثيف ملحوظ للغارات على مناطق إقليم التفاح وجبل الريحان والبقاع الغربي.

هذه المناطق لا تُستهدف عشوائياً، بل باعتبارها، وفق التقديرات الإسرائيلية، خزانات للقدرات الصاروخية الدقيقة والباليستية للحزب. وضربها في هذه المرحلة يهدف إلى تقويض العمق الداعم للجبهة الجنوبية، قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً.

وبدء الضربات في البقاع، حتى لو بقيت في إطار جوي حتى الآن، يحمل دلالة واضحة، أن المعركة لم تعد محصورة جنوباً، بل باتت مفتوحة على احتمال التوسع نحو العمق اللبناني، أي البقاع شرقاً، والساحل غرباً كما هدد نتنياهو بذلك.

5- الاحتلال يفتح محوراً جديداً من جبل الشيخ السوري

في موازاة كل ذلك، برز تطور ميداني لا يقل أهمية، يتمثل في تفعيل المحور الشرقي–الشمالي انطلاقاً من منطقة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية باتجاه الحدود اللبنانية، وهو مسار يُنظر إليه، وفق مصادر عسكرية لبنانية ومصادر متابعة لحركة القوات، كأحد أبرز التحولات في طبيعة العمليات الجارية.

هذا التحرك يفتح أمام الجيش الإسرائيلي هامشاً أوسع للمناورة، من خلال استخدام الجبهة السورية المحتلة كمنصة ضغط ميداني إضافية. فمن هذا المحور، تصبح القوات الإسرائيلية قادرة على الالتفاف على بعض العقد الجغرافية في الجنوب، والاقتراب من تخوم البقاع من زاوية مختلفة، ما يعزز قدرتها على الضغط على خطوط الإمداد، ويخلق توازناً عملياتياً جديداً يتجاوز حدود الجبهة التقليدية جنوباً.

في الوقت نفسه، يعكس هذا المسار تحولاً أعمق في بنية المعركة، حيث لم تعد الجبهات تُدار بوصفها مساحات منفصلة، بل باتت مترابطة ضمن مسرح عمليات واحد، تتحرك فيه القوات وفق منطق "فتح المحاور" وتوسيع زوايا الاشتباك، بما يسمح بإعادة توزيع الضغط وتفكيك الجبهة المقابلة على امتداد جغرافي أوسع.

إلا أن هذه الدينامية تصطدم، وفق مصادر لـ"عربي بوست" بموقف سوري حذر وواضح في آن. فدمشق، رغم الضغوط الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة، ترفض الانخراط في أي دور ميداني داعم أو مساند لإسرائيل، ولا تبدو مستعدة لتحويل أراضيها إلى منصة عمليات مشتركة. وتشير المصادر إلى أن المقاربة السورية تقتصر حالياً على ضبط الحدود ومنع أي خروقات قد تؤدي إلى انتقال السلاح أو العتاد باتجاه الداخل اللبناني، لا سيما فيما يتعلق بحزب الله، وذلك في إطار سياسة تهدف إلى تحييد الساحة السورية عن الانزلاق إلى المواجهة المباشرة.

وأسفر عدوان الاحتلال الموسع على لبنان منذ 2 مارس/ آذار 2026 عن ارتقاء 1247 شهيداً و3680 مصاباً وأكثر من مليون نازح، وفق أحدث معطيات السلطات اللبنانية.

ومنذ 8 تشرين الأول 2023، أطلق جيش الاحتلال أكثر من 373 قذيفة فسفورية تطال الإنسان والبيئة بشكل مباشر، مخلّفاً آثاراً صحية وبيئية طويلة الأمد. وتواصل إسرائيل استخدامها الفوسفور الأبيض المحرّم دولياً في تصعيدها الأخير، حيث طال القصف بالفسفور من 2 حتى 31 آذار 2026 قرى وبلدات كفرشوبا، راشيا الفخار، الماري، الخيام، عين عرب، أرنون، يحمر، الصلايب (الوزاني)، مزرعة سردة، حامول، الناقورة، دير سريان، القنطرة، الطيبة، زوطر، فرون، الغندورية وبرج قلاويه. 

كما تعمّد الاحتلال تدمير النسيج العمراني للقرى والبلدات ضمن سياسة "الأرض غير الصالحة للسكن"، حيث استخدم أداة التفخيخ والنسف الجماعي عبر تفخيخ أحياء بأكملها بالمتفجرات في 44 بلدة كما فعل في قطاع غزة على مدار عامين، كما عكف الاحتلال بعد عودة الحرب على استهدف المنازل الجاهزة والجرافات وورش البناء والمصانع الصغيرة وغيرها من المنشآت. 

تحميل المزيد