في خضم تصاعد الحرب على إيران، تتحرك مصر على أكثر من مسار دبلوماسي وأمني في محاولة لاحتواء تداعيات الصراع ومنع تمدده إلى عمق المنطقة العربية. وتعكس تحركات القاهرة المكثفة إدراكاً متزايداً بأن استقرار الخليج بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن أي انفلات في مسار المواجهة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها.
الجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي جاءت دون إعلان مسبق، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي واسع لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تكشف عن محاولة مصرية لإعادة تموضع استراتيجي يقوم على ثلاث ركائز: دعم الحلفاء الخليجيين، والدفع نحو مسار تفاوضي لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق الإقليمي لمنع تفكك المواقف العربية تحت ضغط الاستقطاب الحاد.
المعطيات التي تكشفت من كواليس هذه الجولات تشير إلى مزيج من الرسائل السياسية والترتيبات الأمنية والتحركات الاقتصادية، فضلاً عن مساعٍ لاحتواء توترات إعلامية كادت أن تعصف بالعلاقات بين بعض العواصم العربية. فكيف توزعت هذه الأدوار؟ وما الذي تسعى القاهرة إلى تحقيقه فعلياً في هذا التوقيت الحرج؟
دعم سياسي وتأكيد على وحدة الموقف
رسائل عديدة حملتها الجولة الخليجية المفاجئة التي لم يُعلن عنها مسبقاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بدأها بزيارة خاطفة لأبوظبي ولقاء الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، ثم توجه إلى الدوحة واجتمع مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني.
جاءت هذه الجولة بعد يومين فقط من جولة خماسية لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، ما يعكس تنسيقاً متكاملاً بين الرئاسة والدبلوماسية المصرية. كما يعكس ذلك إدراكاً مصرياً لحساسية اللحظة، والحاجة إلى تحرك سريع ومتعدد المستويات لاحتواء تداعيات التصعيد الإقليمي.
تلك الرسائل أكدت دعم مصر للإجراءات التي تتخذها الدول لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وما أفرزته من استهداف مستمر لدول الخليج من جانب طهران.
كما شددت القاهرة على رفضها لأية أعمال عسكرية من شأنها توسيع دائرة الصراع، مؤكدة أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد. وأعادت التأكيد على ضرورة العمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.
في الوقت نفسه، حرصت مصر على تأكيد موقف متوازن، يقوم على دعم الحلفاء دون الانخراط في شن هجمات على إيران، بما قد يُدخل المنطقة في حالة من الفوضى يصعب معها احتواء تداعياتها، وهو ما يعكس محاولة للحفاظ على هامش مناورة سياسي.
إلى جانب ذلك، حملت الجولة رسائل عملية تتعلق بتقديم العون اللوجستي والأمني لدول الخليج، بما يمكن أن يخفف من آثار الاستهدافات الإيرانية، وهو ما يعكس انتقال الدور المصري من الدعم السياسي إلى مساهمة أكثر مباشرة في إدارة الأزمة.
وساطة معقدة وتنسيق إقليمي واسع
يوم الأحد 15 مارس/ آذار 2026، توجه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة القطرية الدوحة، في جولة خليجية شملت قطر والإمارات وسلطنة عُمان والأردن والمملكة العربية السعودية، إلى جانب لقائه أمين مجلس التعاون الخليجي في الرياض.
وبحسب وزارة الخارجية المصرية، فإن الجولة "تستهدف التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب"، وهو ما يعكس طابعاً سياسياً مزدوجاً يجمع بين التشاور والدعم.
وقال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن زيارة بدر عبد العاطي جاء ضمنها اطلاع دول الخليج على جهود الوساطة المصرية لوقف الحرب على إيران، وهي الوساطة التي تقودها إلى جانب دول أخرى في الإقليم، في مقدمتها تركيا وسلطنة عُمان.
وأشار المصدر إلى أن الوساطة تواجه عثرات عديدة، وأضحت أكثر صعوبة بعد استهداف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية الواسعة التي خلفها التصعيد العسكري.
ورغم هذه التعقيدات، أكد المصدر أن القاهرة سوف تمضي في جهودها أملاً في الوصول إلى تفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، بما يعكس إصراراً مصرياً على لعب دور الوسيط رغم محدودية فرص النجاح في المدى القريب.
الزيارة، وفق مصدر "عربي بوست"، شهدت تنسيقاً في المواقف المصرية والخليجية بشأن إدانة الاعتداءات الإيرانية، والعمل على سد المنافذ التي تسعى إلى بث الفرقة بين الطرفين، خاصة في ظل اتهامات طالت القاهرة بعدم دعمها الكافي للخليج.
وشدد المصدر ذاته على أن القاهرة قدمت دعماً أمنياً ولوجستياً ساهم في سد الفجوات، وتسعى إلى تأطير هذا التنسيق ضمن إطار عربي أوسع، سواء عبر جامعة الدول العربية أو من خلال شراكات مع قوى إقليمية فاعلة.
وفي هذا السياق، طُرحت أفكار تتعلق بتشكيل قوة عربية مشتركة أو تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، إضافة إلى بناء منظومة أمنية إقليمية لما بعد الحرب على إيران، مع التأكيد على ضرورة توحيد المواقف العربية.
وتشاور الوزير المصري مع نظيره الأردني أيمن الصفدي حول سبل التعامل مع التحديات الإقليمية، قبل أن يختتم جولته في الرياض، حيث نقل "رسالة تضامن كاملة" في ظل الظرف الدقيق الذي تمر به المنطقة.
وأكد عبد العاطي خلال لقاءاته رفض مصر القاطع للاعتداءات التي طالت الدول العربية، مشدداً على أن المساس بسيادة السعودية يمثل مساساً مباشراً بالأمن القومي المصري والعربي، في رسالة واضحة تعكس مستوى الالتزام السياسي.
كما حذر من مخاطر الرهان على الحلول العسكرية، مؤكداً أن هذا المسار لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع رقعة الصراع، ودعا إلى ضرورة الوقف الفوري للاعتداءات وتغليب المسار الدبلوماسي كخيار وحيد قابل للاستمرار.
العداء لإسرائيل لا يبرر "العدوان الإيراني"
وبحسب مصدر دبلوماسي مطلع، فإن الهدف الرئيسي من هذه الجولات هو التأكيد على أن العداء لإسرائيل لا يبرر العدوان الإيراني على الدول العربية، في محاولة لكسر ثنائية الاستقطاب التي تفرضها بعض الخطابات.
وأشار المصدر إلى أن هناك جهات تسعى إلى الوقيعة بين مصر ودول الخليج، عبر خطاب يضع الدول أمام خيارين: إما إسرائيل أو إيران، وهو ما ترفضه القاهرة، التي تحاول الحفاظ على توازن في علاقاتها الإقليمية.
وأكد المصدر أن رفض السياسات الإسرائيلية لا يعني القبول بالممارسات الإيرانية، خاصة تلك التي تمس أمن الدول العربية أو تستهدف شعوبها، في إطار موقف يسعى إلى إعادة تعريف الأولويات العربية.
كما لفت إلى أن الاجتماعات أكدت أن الاعتداء على دول الخليج يضعف العرب ككل، ولا يضعف إسرائيل، وهو ما يعزز الحاجة إلى تنسيق عربي أوسع لمواجهة التحديات المشتركة.
وأوضح أن التحرك المصري جاء في لحظة شديدة التعقيد، تتطلب جهداً دبلوماسياً عاجلاً للحفاظ على الأمن الإقليمي، ومنع انزلاق المنطقة نحو سيناريوهات أكثر خطورة.
وأشار إلى أن الشرق الأوسط يفتقر إلى آلية مؤسسية للأمن والتعاون، وهو ما دفع إلى طرح مقترحات لتأسيس منظومة أمن إقليمي، تشمل إنشاء قوة عربية مشتركة لتأمين المنطقة.
احتواء التوتر الإعلامي بسبب الحرب على إيران
بالتوازي مع التحركات السياسية، برزت جبهة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق باحتواء التوترات الإعلامية التي ظهرت في الفترة الأخيرة بين بعض الدول العربية، وهددت بإرباك العلاقات التقليدية بينها.
وبسبب ما تشهده الساحة الإعلامية من ممارسات سلبية، قررت وزارة الدولة للإعلام والهيئات الإعلامية في مصر إصدار بيان للتأكيد على عمق العلاقات مع الدول الخليجية على مختلف المستويات الرسمية والشعبية.
وأكد البيان أن هذه العلاقات تقوم على روابط تاريخية وأسرية ومصير مشترك، محذراً من محاولات المساس بها، التي اعتبرها جريمة تستهدف الإضرار بالمصلحة القومية العربية.
كما شدد على ضرورة تغليب لغة العقل، ووأد الفتنة، وقطع الطريق على محاولات الوقيعة، داعياً وسائل الإعلام إلى الالتزام بالمسؤولية المهنية وتجنب التصعيد غير المبرر.
وأشار إلى أن الجهات المعنية ستتخذ إجراءات قانونية لضبط الأداء الإعلامي ومنع أي محتوى يسيء إلى الدول الشقيقة أو يضر بالعلاقات الثنائية، في خطوة تعكس جدية التعامل مع هذا الملف.
بين الوساطة والدعم اللوجستي
لفت مصدر مصري إلى أن الجولة التي استعرض وزير الخارجية نتائجها مع الرئيس المصري عقب عودته إلى القاهرة، جاءت للتأكيد على أن مصر تلعب دوراً محورياً في التخفيف من تداعيات الحرب على إيران.
وأوضح أن القاهرة تمثل نقطة ترانزيت استراتيجية لنقل البضائع من أوروبا إلى الخليج، وكذلك لنقل النفط من الخليج إلى أوروبا والغرب، ما يمنحها موقعاً حيوياً في إدارة سلاسل الإمداد خلال الأزمات.
وأشار إلى أن مصر تساهم في نقل نحو 10 ملايين برميل نفط يومياً، وهو رقم يعكس حجم الدور اللوجستي الذي يمكن أن تلعبه في دعم استقرار الأسواق وتقليل آثار الاضطرابات الإقليمية.
كما أكد أن القاهرة ترى أن الجمع بين الدعم الدبلوماسي واللوجستي والأمني، دون الانخراط المباشر في الحرب، يتيح لها لعب دور الوسيط، مع الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف.
وأضاف أن هذه التحركات ساهمت في تحقيق مستوى أعلى من التنسيق مع العواصم الخليجية، وتقديم رؤية مشتركة لمواجهة التحديات، في ظل توقعات باستمرار الصراع لفترة طويلة.
وفي السياق ذاته، شدد السفير محمد حجازي على أهمية تأسيس منظومة إقليمية للأمن والتعاون، تبدأ بإعلان مبادئ مشتركة، وتُطرح في مؤتمر دولي بمشاركة قوى إقليمية ودولية.
وأوضح أن هذه المنظومة يمكن أن تشمل ملفات متعددة، من بينها الأمن والطاقة والمياه والتكنولوجيا، بما يرسخ تعاوناً طويل الأمد ويحد من احتمالات تكرار الأزمات الحالية.
من جانبه، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي الدعوة إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، مؤكداً سعي مصر إلى الانخراط في مفاوضات جادة لإنهاء الصراعات، واعتبار السلام خياراً استراتيجياً لا بديل عنه.
وفي السياق ذاته، رجحت هيئة البث الإسرائيلية أن تلعب مصر دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أنها طرف موثوق لدى الجانبين، في ضوء قنوات الاتصال القائمة قبل اندلاع الحرب.
وبين التحركات السياسية والدعم اللوجستي ومحاولات ضبط الإيقاع الإعلامي، تحاول القاهرة رسم دور مركب يجمع بين الوساطة والدعم، في لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة.