مهمة صعبة: اتصالات مصرية مع واشنطن والخليج وطهران لوقف الحرب على إيران، ومخاوف من عرقلة إسرائيلية

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/10 الساعة 20:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/10 الساعة 20:14 بتوقيت غرينتش
تحركات مصرية لاحتواء تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران/ عربي بوست

في ظل اتساع رقعة الحرب الإيرانية وتزايد تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية، تتحرك القاهرة دبلوماسياً على أكثر من مسار في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة، حيث تكثفت مؤخراً الاتصالات المصرية مع أطراف إقليمية ودولية، في مسعى لخفض التوتر وفتح نافذة للحل السياسي عبر مسار التفاوض.

التحركات المصرية تأتي في سياق إدراك رسمي بأن استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران لا يهدد فقط استقرار الشرق الأوسط، بل قد يترك آثاراً عميقة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما يدفع القاهرة إلى محاولة بناء شبكة من الاتصالات تشمل الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب قنوات غير معلنة مع إيران.

ورغم أن هذه الجهود المصرية تحظى باعتراف دبلوماسي دولي بدور القاهرة التقليدي في الوساطة الإقليمية، فإنها تواجه في الوقت ذاته تحديات معقدة تتعلق بتشابك المصالح الدولية، واتساع مسرح العمليات العسكرية، فضلاً عن ارتباط قرار وقف الحرب بحسابات سياسية داخلية وخارجية لدى أطراف النزاع.

شبكة اتصالات دبلوماسية متعددة المسارات

تكثفت خلال الأيام الماضية الاتصالات التي تقوم بها القيادة السياسية في مصر مع أطراف الحرب الراهنة، حيث أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالين هاتفيين مع وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو، إلى جانب اتصالات عديدة مع دول الخليج، فضلاً عن اتصالات غير معلنة مع الجانب الإيراني.

وفي هذا السياق، أوضح مصدر مصري مطلع، صرح لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن مصر، كسائر دول منطقة الشرق الأوسط باستثناء إسرائيل، لديها مصلحة مباشرة في وقف الحرب الحالية، وتسعى إلى ذلك عبر مختلف القنوات الدبلوماسية.

وفق المصدر، فإن القاهرة تبحث بكافة السبل عن الوصول إلى تسوية للخلافات بين إيران والولايات المتحدة في أسرع وقت، كما تعمل على استكشاف إمكانية الوصول إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، مستفيدة من تزايد السخط العالمي جراء استمرار الحرب والتداعيات الكارثية التي بدأت تظهر على أسعار النفط العالمية.

التحركات المصرية تجري في ظل إدراك بأن بعض الأطراف قد تسعى إلى إفشال هذه الجهود، ووفق المصدر ذاته فإن القاهرة تعتقد أن إسرائيل تعمل على دفع المنطقة نحو حرب مفتوحة تسمح لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتشكيل ما وصفه بـ"تحالفاً ضد الراديكالية السنية"، في إشارة إلى التقارب القائم بين مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية.

وتشير المعطيات المتداولة في القاهرة إلى أن الاتصالات المصرية تتركز مع الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج، دون أن تشمل إسرائيل، إلى جانب تنسيق مع مبادرات إقليمية أخرى تسعى إلى التهدئة مثل التحركات التركية، وكذلك التواصل مع دول الاتحاد الأوروبي بهدف تكثيف الضغط الدبلوماسي على واشنطن للعودة إلى المفاوضات.

وبحسب المصدر ذاته، هناك قناعة داخل الدوائر المصرية بأن قرار وقف الحرب مرهون بدرجة كبيرة بموقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأن هذا القرار قد يتأثر أيضاً بالتداعيات الاقتصادية للحرب على الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي، وهو ما قد ينعكس بدوره على فرص الحزب الجمهوري في تحقيق نتائج إيجابية في انتخابات الكونغرس المقبلة.

وفي كلمة له الاثنين 9 مارس/ آذار 2026، حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أن الحرب الحالية سوف تترتب عليها تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية جسيمة، وقال: "لذا فإن مصر وهي تدين العدوان على أشقائها من الدول العربية، تدعو إلى إعطاء الفرصة لوقف الحرب، والبحث عن الحلول السلمية، فلا تسويات دون حوار.. ولا حلول دون تفاوض".

كما حذر الرئيس المصري في مكالمة مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد من خطورة التصعيد العسكري على أمن المنطقة واستقرارها، مؤكدين ضرورة تغليب لغة الحوار والوسائل الدبلوماسية لتفادي مزيد من التدهور في الأمن الإقليمي والدولي.

عوامل تعزز فرص الوساطة المصرية

ضمن التقييمات الحكومية تشير بعض المؤشرات إلى وجود عوامل قد تساعد على نجاح الجهود المصرية. مصدر حكومي مصري تحدث شريطة عدم ذكر اسمه أوضح أن القاهرة تبذل جهوداً دبلوماسية مكثفة على أعلى المستويات بهدف تهدئة التصعيد العسكري الخطير في المنطقة، من خلال اتصالات ولقاءات مع أطراف إقليمية ودولية مؤثرة.

وبحسب المصدر، فإن هذه الجهود تستند إلى عدة عناصر إيجابية، من بينها الثقل الدبلوماسي الذي تمتلكه مصر وتاريخها الطويل في الوساطة الإقليمية، إضافة إلى ما وصفه بالثقة التي تحظى بها القاهرة لدى مختلف الأطراف، مستشهداً بتصريح رئاسي أكد أن الجهود المصرية "مخلصة وأمينة".

كما أشار المصدر إلى أن مصر لا تعمل بمفردها، بل تنسق تحركاتها مع قوى إقليمية ودولية مؤثرة، من بينها دول خليجية مثل الإمارات والكويت، ودول أوروبية مثل إيطاليا، إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما يزيد من الضغط الدبلوماسي الجماعي على أطراف النزاع.

ومن بين العوامل التي قد تساهم في تحريك الأزمة أيضاً، بحسب المصدر، الخشية الدولية من تحول الحرب الحالية إلى مواجهة إقليمية شاملة، موضحاً أن "جميع الأطراف، بما فيها مصر والدول الكبرى، تدرك أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى فوضى شاملة وحرب إقليمية مفتوحة لا يمكن السيطرة عليها، وأن هذه القناعة المشتركة تشكل حافزاً قوياً للبحث عن مخرج".

تعقيدات توسع رقعة الحرب الإيرانية

في المقابل، تواجه الوساطة المصرية مجموعة من التحديات التي تجعل فرص نجاحها محدودة في الوقت الراهن. أبرز هذه التحديات، وفق المصدر ذاته، يتمثل في اتساع رقعة الصراع، إذ لم يعد النزاع محصوراً في الهجوم على إيران، بل توسع ليشمل قصف أهداف في دول خليجية والأردن والعراق وتركيا وقبرص وأذربيجان، وهو ما يزيد من صعوبة احتواء النزاع.

كما أن تداخل القوى الدولية في الحرب الإيرانية يمثل عاملاً إضافياً للتعقيد، خصوصاً مع الانخراط المباشر للولايات المتحدة، وهو ما يؤدي إلى تشابك المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية. ويضاف إلى ذلك استمرار العمليات العسكرية على الأرض، إذ تبقى فرص الحلول الدبلوماسية محدودة ما دامت المواجهات مستمرة.

وفي هذا السياق لخص المصدر الموقف بالقول: "نعم، الجهود المصرية جادة ومكثفة وتحظى باعتراف دولي، وتستند إلى مصلحة واضحة في منع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. لكن النجاح النهائي لا يعتمد فقط على جهود الوسيط، بل على إرادة أطراف النزاع الأساسيين (الولايات المتحدة، إسرائيل، إيران) في وقف التصعيد والقبول بحل دبلوماسي".

وأضاف المتحدث قائلاً: "في الوقت الحالي، يمكن القول إن مصر تسد فجوة دبلوماسية مهمة وتحاول بناء توافق دولي لوقف التصعيد، ولكن الطريق لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر".

منذ 28 فبراير/ شباط الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة عدواناً عسكرياً على إيران أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1332 شخصاً، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون أمنيون.

وفي خضم هذه التطورات كشف الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان عن وجود جهود دولية للوساطة لوقف الحرب، بينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشار في وقت سابق إلى أن طهران تتواصل مع الولايات المتحدة بشأن إبرام اتفاق في ظل الهجمات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة.

حسابات واشنطن وتحديات وقف الحرب

رغم هذه التحركات، يرى بعض المراقبين أن فرص نجاح الوساطة المصرية في الوقت الحالي محدودة. محلل سياسي مصري استبعد وجود فرص قوية لوقف الحرب حالياً، مشيراً إلى أن ترامب يسعى إلى تحقيق نصر يمكن تقديمه للرأي العام الأميركي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكونغرس واحتمال ضعف فرص الحزب الجمهوري في الحفاظ على الأغلبية.

وأوضح المحلل السياسي المصري المقرب من دوائر صنع القرار أن "النصر" الذي قد يسعى إليه ترامب قد لا يقتصر على السيطرة على الأجواء الإيرانية، بل قد يتمثل في تدمير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب أو القضاء على جميع أجهزة تخصيب اليورانيوم.

لكنه أشار في المقابل إلى صعوبة تحقيق ذلك، قائلاً: "أعتقد أن الأمرين يصعب تحقيقهما لأنه ليس من المعروف ما إذا كانت أماكن تخزين اليورانيوم معروفة للأجهزة الاستخباراتية الأمنية، كما أن أماكن أجهزة التخصيب في أماكن متعددة ومن الصعب الوصول إليها كلها".

كما أشار إلى أن أهداف إسرائيل تبدو أكثر طموحاً من الأهداف الأميركية، إذ تسعى إلى منع إيران من استئناف برنامجها النووي حتى لو كان لأغراض سلمية.

وفي هذا السياق، تحاول الوساطة المصرية ـ بحسب تقديره ـ الضغط باتجاه منع استهداف دول الخليج من قبل إيران، والعمل على عدم انخراط دول الخليج في الحرب القائمة.

محاولة لمنع حرب خليجية إيرانية

الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة للقاهرة يتمثل في منع تحول الصراع إلى مواجهة مباشرة بين إيران ودول الخليج.

ويشير التقدير المصري إلى أن امتداد الحرب بهذا الشكل قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، وهو ما يدفع القاهرة إلى محاولة تقليل التداعيات غير المباشرة للحرب على الدول العربية، والعمل على بلورة موقف عربي لا يتم توظيفه من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل لإبقاء الصراع مفتوحاً.

في المقابل، أعلنت طهران موقفاً متشدداً من مسألة التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية. وأكد مستشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية علي صفري أن بلاده لن تدخل في أي مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة طالما استمرت العمليات العسكرية، موضحاً أن الوضع الحالي لا يسمح بفتح حوار سياسي قبل وقف إطلاق النار من جانب واشنطن.

وفي السياق ذاته، أعرب مجلس جامعة الدول العربية عن إدانته الشديدة للاعتداءات الإيرانية على عدد من الدول العربية، بينها قطر والسعودية وعُمان والكويت والإمارات والبحرين والأردن والعراق، معتبراً أنها انتهاك خطير لسيادة هذه الدول وخرق للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

في المقابل نفى مستشار الخارجية الإيرانية مسؤولية بلاده عن الهجمات على منشآت الطاقة في دول الخليج، مؤكداً أن إيران تتحمل المسؤولية فقط عن العمليات التي أعلنت عنها قواتها المسلحة رسمياً، مشيراً إلى أن بعض الهجمات قد تكون عمليات "راية كاذبة" تهدف إلى إلصاق التهمة بطهران.

تحميل المزيد