الجنوب اللبناني: هل تمهد التوغلات الإسرائيلية لاجتياح بري جديد؟ وما هي خيارات بيروت؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/06 الساعة 13:16 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/06 الساعة 13:28 بتوقيت غرينتش
مؤشرات عديدة توحي بأن التوغل الإسرائيلي قد يتحول إلى اجتياح للجنوب اللبناني/ عربي بوست

لم يعد التصعيد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية مجرد جولة قتال محدودة أو تبادل نار عابر، فالمشهد الميداني في الجنوب اللبناني يتغير تدريجياً، مع انتقال العمليات من القصف المتبادل إلى تحركات برية محدودة بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلية تنفيذها داخل عدد من القرى الحدودية، في مؤشر يراه مراقبون تمهيداً لمرحلة عسكرية أكثر اتساعاً.

وتشير معلومات حصل عليها "عربي بوست" من مصادر حكومية ودبلوماسية في بيروت إلى أن التحركات العسكرية الأخيرة لا تبدو معزولة أو ظرفية، بل تندرج ضمن تحضير عملياتي متدرج لعملية برية قد تسعى من خلالها إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في جنوب لبنان، وربما إعادة رسم ترتيبات أمنية على طول الحدود.

وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث تتقاطع الجبهة اللبنانية مع التوتر المتصاعد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، ما يجعل لبنان عملياً جزءاً من مسرح صراع أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.

توغل بري محدود أم تمهيد لعملية أكبر

خلال الأيام الماضية بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ توغلات برية محدودة في عدد من القرى الحدودية جنوب لبنان، في خطوة قال الجيش الإسرائيلي إنها تهدف إلى إقامة ما يصفه بـ"الدفاع الأمامي" عن بلدات شمال إسرائيل.

وبحسب معلومات ميدانية، تتولى الفرقة 91 الإسرائيلية (فرقة الجليل) إدارة العمليات العسكرية على امتداد الجبهة الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى مزارع شبعا شرقاً. وتعد هذه الفرقة مسؤولة تقليدياً عن الجبهة الشمالية، وقد لعبت دوراً محورياً في العمليات البرية خلال حرب تموز/ يوليو 2006.

وشهدت بلدة الخيام تطوراً لافتاً بعدما دخلت إليها قوة إسرائيلية وتمركزت في محيط مبنى البلدية، في خطوة تُعد من أبرز مؤشرات انتقال الاشتباكات إلى داخل القرى المأهولة. كما تحدثت مصادر أمنية لبنانية عن توغل قوة مشاة إسرائيلية داخل مستشفى ميس الجبل الحكومي وتمركزها في باحته، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة عسكرية ونفسية في آن واحد.

مصادر عسكرية لبنانية قالت لـ"عربي بوست" إن هذه التحركات لا تعني حتى الآن بدء اجتياح بري واسع، لكنها تمثل مرحلة اختبار ميداني لقدرة حزب الله على التعامل مع التوغلات البرية، كما قد تندرج ضمن عمليات استطلاع قتالي تهدف إلى كشف طبيعة التحصينات الدفاعية للحزب في القرى الحدودية.

في المقابل أعلن حزب الله استهداف آليات إسرائيلية في بلدة حولا، بينها ناقلة جند ودبابة من طراز Merkava main battle tank، مؤكداً تحقيق إصابات مباشرة. ويبدو أن الحزب يحاول منذ البداية جعل أي تقدم بري مكلفاً عبر استهداف المدرعات وإبطاء حركة القوات.

سيناريو المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني

بحسب مصادر حكومية لبنانية تحدثت لـ"عربي بوست"، تشير التقديرات الأمنية في بيروت إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى تنفيذ عملية برية تمتد إلى عمق يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية بهدف إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود.

هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة الشريط الحدودي في جنوب لبنان (1985–2000)، حين أبقت إسرائيل قواتها داخل منطقة أمنية في جنوب لبنان لسنوات طويلة قبل انسحابها عام 2000.

وبحسب التقديرات العسكرية المتداولة في بيروت، فإن العملية البرية المحتملة في الجنوب اللبناني قد تعتمد على محورين رئيسيين للتقدم.

المحور الأول ينطلق من جبهة جبل الشيخ حيث يمكن للقوات الإسرائيلية التحرك باتجاه أطراف شبعا ومنها نحو قرى قضاءي حاصبيا ومرجعيون، ما يضعها عملياً على مقربة من جسر الخردلي الاستراتيجي. وتكمن أهمية هذا المحور في أنه يسمح نظرياً بقطع الطريق الرابط بين جنوب لبنان ومنطقة البقاع.

أما المحور الثاني فيتمثل في التقدم المباشر من القرى الحدودية الواقعة جنوب نهر الليطاني، مع التوسع شرقاً وغرباً بهدف السيطرة على مساحات أوسع من الجنوب.

وتشير هذه التقديرات إلى أن تنفيذ المحورين بالتزامن، مع دعم بحري من القطع العسكرية الإسرائيلية في البحر المتوسط، قد يضع الجنوب اللبناني بين "فكي كماشة"، وهو سيناريو يسمح بتقسيم المنطقة إلى قطاعات عسكرية منفصلة.

أهداف إسرائيل تتجاوز الجنوب

الأهداف الإسرائيلية، وفق ما كشفته مصادر دبلوماسية في بيروت لـ"عربي بوست"، لا تقتصر على تحقيق مكاسب ميدانية في الجنوب اللبناني، بل تمتد إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد داخل لبنان.

وتقول هذه المصادر إن تل أبيب قد تسعى، في حال نجاح العملية العسكرية، إلى فرض ترتيبات أمنية تبدأ بإنشاء منطقة عازلة جنوب نهر الليطاني، ثم الدفع نحو مفاوضات سياسية مباشرة مع الدولة اللبنانية.

وقد تشمل هذه الترتيبات شروطاً تتعلق بانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، ونوعية القوات المسلحة المسموح لها بالوجود في المنطقة، إضافة إلى ترتيبات رقابية على الحدود.

كما تشير بعض التقديرات الدبلوماسية إلى أن إسرائيل تسعى إلى تقليص الدور العسكري والسياسي لحزب الله إلى الحد الأدنى، بما يسمح بإعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل لبنان.

ضوء أخضر أميركي "غير معلن"

في موازاة التصعيد العسكري تبدو الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب محدودة حتى الآن. وقالت مصادر دبلوماسية في بيروت إن الولايات المتحدة لا تمارس ضغوطاً كبيرة على إسرائيل لوقف العمليات العسكرية في هذه المرحلة، بل تركز بشكل أساسي على تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية عدم ضبط نشاط حزب الله.

تضيف المصادر أن واشنطن تنتظر خطوات أكثر حزماً من الحكومة اللبنانية في ما يتعلق بملف سلاح الحزب قبل التدخل بشكل فعلي لوقف الحرب.

وبحسب هذه المعطيات، ترى الإدارة الأميركية أن أي تسوية سياسية مستقبلية في لبنان يجب أن تتضمن معالجة مسألة سلاح حزب الله، وهو ما يجعلها أقل حماسة للضغط من أجل وقف العمليات العسكرية في الوقت الحالي.

رهانات الدولة اللبنانية وحزب الله

في الداخل اللبناني تحاول الدولة إظهار قدرتها على إدارة الأزمة رغم التصعيد العسكري. فقد اتخذت الحكومة قراراً بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله في خطوة تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة، كما كثف القضاء اللبناني إجراءاته لملاحقة حاملي الأسلحة غير المرخصة.

وبحسب مصادر أمنية أقام الجيش اللبناني حواجز على الطرق المؤدية إلى الجنوب، حيث جرى توقيف عدد من الأشخاص وضبط أسلحة فردية بحوزتهم. وفي الوقت نفسه يجري جوزيف عون، رئيس الجمهورية، سلسلة اتصالات مع عواصم دولية وإقليمية بهدف حشد دعم سياسي للبنان والضغط لوقف العمليات العسكرية.

وتقول مصادر حكومية إن هذه الاتصالات تشمل الولايات المتحدة وفرنسا وعدداً من الدول العربية، لكنها لم تحقق حتى الآن اختراقاً فعلياً في مسار وقف التصعيد.

في المقابل يبدو أن حزب الله يدرك أن المواجهة الحالية قد تكون طويلة ومكلفة، لكنه يراهن على تحويل أي عملية برية إسرائيلية إلى حرب استنزاف.

مصادر مطلعة تقول إن الحزب يركز بشكل أساسي على استهداف الآليات العسكرية والتحصينات الحدودية في محاولة لإبطاء أي تقدم بري وإجبار القوات الإسرائيلية على دفع كلفة بشرية ومادية مرتفعة.

كما يواصل الحزب إطلاق الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي في محاولة لإظهار أن قدراته العسكرية لم تتعرض للشلل الكامل رغم الضربات التي تلقاها خلال الأشهر الماضية.

لبنان أمام أخطر اختبار

في ظل هذه المعطيات يبدو لبنان أمام مرحلة قد تكون الأكثر خطورة منذ سنوات. فالمواجهة لم تعد مجرد اشتباكات حدودية محدودة، بل باتت مرشحة للتحول إلى حرب برية واسعة قد تعيد رسم المشهد العسكري والسياسي في الجنوب اللبناني.

وبين تصعيد حزب الله واستعدادات إسرائيل العسكرية تقف الدولة اللبنانية في موقع شديد التعقيد، تحاول من خلاله تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في وقت يبدو فيه أن مسار الأحداث يتحدد في الميدان أكثر مما يتحدد في القنوات الدبلوماسية.

ويبقى السؤال المطروح في بيروت اليوم ليس ما إذا كان الاجتياح الإسرائيلي سيتوسع، بل متى قد يحدث وإلى أي مدى قد يصل، وما الكلفة التي قد يدفعها لبنان إذا تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة.

تحميل المزيد