استراتيجية البقاء الإيرانية: كيف تراهن طهران على إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها للحفاظ على النظام الحالي؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/04 الساعة 14:43 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/04 الساعة 14:43 بتوقيت غرينتش
استراتيجية إيران في مواجهة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية/ عربي بوست

بعد أسابيع من التكهنات المتصاعدة بشأن احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، تحولت التهديدات إلى واقع ميداني مع بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المنسقة ضد إيران، بالتزامن مع مسار تفاوضي كان لا يزال قائماً بين الطرفين.

الضربات الأولى استهدفت، وفق مصادر متعددة صرحت لـ"عربي بوست"، مواقع حساسة وقيادات عسكرية وسياسية بارزة، من بينها استهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في تطور اعتُبر الأخطر منذ سنوات في مسار الصراع المفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران.

واشنطن وتل أبيب بررتا العملية العسكرية ضد إيران بأنها "دفاع عن النفس" في مواجهة ما وصفتاه بتهديدات إيرانية وشيكة، معتبرتين أن الهدف يتجاوز الردع التكتيكي إلى إزالة "الخطر الوجودي" الذي تمثله الجمهورية الإسلامية ونظامها، وفق توصيف مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.

في المقابل، تكشف المعطيات الواردة من داخل دوائر القرار في طهران أن المقاربة الإيرانية لهذه الحرب تختلف عن جولات سابقة، وأن العنوان الأبرز في حسابات القيادة ليس تحقيق انتصار ميداني مباشر، بل ضمان بقاء النظام ومنع إسقاطه، حتى لو استدعى ذلك إطالة أمد الصراع ورفع كلفته الإقليمية والدولية.

استراتيجية إيران الجديدة

على عكس ما حدث في حرب يونيو/ حزيران 2025، جاء الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية هذه المرة سريعاً ومختلفاً، فبدلاً من تأخر الرد سعياً لفرض هيمنة سريعة على مسار التصعيد، تمحورت الاستراتيجية الإيرانية حول الصمود وإدارة التوازن.

يقول محلل سياسي إيراني مقرب من الأجهزة الأمنية الإيرانية لـ"عربي بوست": "القادة الإيرانيون كانوا يعلمون أن حرب يونيو لم تكن النهاية، بل كانت البداية، وكانوا ينتظرون الحرب الحالية كامتداد لحرب 12 يوماً، وقد عملوا على تغيير استراتيجيتها العسكرية والسياسية".

وحسب المحلل السياسي الإيراني الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الإسناد: "الآن هم يتعاملون مع الحرب الحالية على أنها ليست حرب انتصارات ميدانية يجب كسبها بشكل مباشر، بل كصراع سياسي وجودي يلعب فيه الوقت والتكاليف الدور الأبرز".

يوافقه الرأي مصدر سياسي مقرب من الحرس الثوري قائلاً لـ"عربي بوست": "في الماضي كانت إيران تسعى دائماً للسيطرة على الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وضبط النفس لإدارة الصراع ومنعه من التصاعد، ولكن هذه النظرية أثبتت فشلها".

أما الآن، يوضح المصدر السياسي: "ترى القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية أنه من الأفضل تصعيد الصراع لرفع تكاليفه السياسية والعسكرية لكلا من إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة".

كانت القيادات الإيرانية قد اتخذت قراراً غير مسبوقاً في اليوم الأول للحرب بإطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل والمصالح والقواعد العسكرية الأميركية في الخليج بشكل محدود نسبياً ومتحكم به، بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست". لكن مسار العمليات تغير في الأيام التالية، مع توسع نطاق الردود وتكثيفها.

قرارات ما قبيل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية

قالت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إن القيادة الإيرانية اتخذت قبل اندلاع الحرب إجراءات سياسية وعملياتية لضمان العمل بشكل لامركزي بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية.

مصدر مقرب من مكتب المرشد الأعلى قال لـ"عربي بوست": "من أهم الدروس المستفادة من حرب يونيو هي توسيع مسألة العمل باللامركزية لضمان استمرار النظام، فبعد حرب يونيو مباشرة قام خامنئي بتوزيع صلاحياته بين المجلس الأعلى للأمن القومي ومجلس الدفاع الذي تم تأسيسه في ذلك الوقت".

وأضاف المصدر ذاته، مفضلاً عدم الإسناد، قائلاً: "حتى سلطة اتخاذ القرارات في أوقات الحرب أو وقت اغتيال المرشد تم توزيعها أيضاً بين عدد من المؤسسات السياسية والأمنية لضمان عمل كل مؤسسة بشكل كامل في حال استهداف الأخرى أو اغتيال المرشد والقيادات السياسية".

فعلى سبيل المثال، يوضح مصدر "عربي بوست"، القوة الصاروخية الإيرانية "تعمل الآن بشكل منفصل عن القوة البحرية ضمن خطط مسبقة تمت مناقشتها وتنسيقها مع كافة المؤسسات قبل أشهر من الحرب الحالية".

هذه المقاربة تعكس إدراكاً إيرانياً مبكراً لاحتمال استهداف رأس الهرم القيادي، ومحاولة بناء "شبكة أمان مؤسساتية" تمنع شلل الدولة في حال توجيه ضربات نوعية.

زيادة التكاليف الخارجية

في جولات سابقة من الصراع، تجنبت طهران الانزلاق إلى مواجهة شاملة، واختارت ردوداً مدروسة ومحدودة، كما حدث عقب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020، أو بعد استهداف منشآت نووية إيرانية في يونيو/ حزيران 2025، حيث اقتصر الرد على ضرب قواعد أميركية في الخليج بشكل محدود ومنسق مسبقاً.

غير أن هذا النهج تغير في الحرب الحالية، إذ شنت إيران هجمات مكثفة ومستمرة على دول مجلس التعاون الخليجي منذ بدايتها.

ويعلق مصدر سياسي مقرب من الحرس الثوري قائلاً لـ"عربي بوست": "ترى القيادة الإيرانية أن الحرب الحالية هي حرب وجودية، والتهديد الأميركي بإسقاط النظام الإيراني دفع القادة العسكريين والسياسيين في إيران إلى اتباع استراتيجيات جديدة لاستعادة الردع والحفاظ على النظام".

ومن أهم أدوات هذه الاستراتيجية التي تحدث عنها المصدر المقرب من الحرس الثوري "رفع التكاليف الخارجية للحرب وتغيير الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وحلفائها في المنطقة".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "القيادة الإيرانية تعلم جيداً فرق التفوق العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأن هذه الحرب ليست حرب انتصارات ميدانية، بل حرب بقاء واستنزاف طويل الأمد".

كما شدد على أن استهداف دول الخليج وإغلاق الممرات البحرية الحيوية "سيؤثر سلباً على المنطقة والعالم بأثره، إيران لن تحارب وحيدة، ويجب على ترامب أن يدرك حجم الأضرار التي تسبب بها قراره بشن الحرب على إيران".

الاستقرار الداخلي أهم من الانتصار

قالت المصادر الإيرانية السياسية التي تحدثت لـ"عربي بوست" إن مجلس القيادة الحالي اتخذ في اليوم الثالث للحرب قراراً بتوسيع العمل باللامركزية في جميع وزارات الحكومة ومؤسسات الطوارئ لضمان استمرار العمل في أصعب الظروف. كما وُضعت خطط أمنية مشددة لاحتواء أي احتجاجات داخلية محتملة.

المصدر المقرب من الحرس الثوري الإيراني قال لـ"عربي بوست": "الاستقرار الداخلي أهم من الانتصار الميداني. الآن تعمل القيادات الإيرانية على تحقيق هذه المسألة الصعبة في الحقيقة، فإن ضمان الاستقرار الداخلي عامل أهم من تحقيق أي انتصارات عسكرية خارجية".

لذلك، يوضح المتحدث: "تم نشر قوات الأمن الداخلي في الحرس الثوري وقوات الباسيج في جميع أنحاء إيران لغرض واحد فقط: ردع أي تعبئة جماهيرية مناهضة للنظام. الاحتجاجات الآن هي نقطة ضعف كبيرة".
وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "بعبارة أوضح: اندلاع أي احتجاجات يعني خسارة إيران لحربها الحالية، وليست الخسائر الميدانية".

دخول تدريجي للحلفاء

خلال اليومين الماضيين، أعلنت فصائل عراقية موالية لإيران استهداف مصالح وقوات أميركية في سوريا والعراق، فيما دخل حزب الله اللبناني بشكل أقل على خط المواجهات بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.

في هذا الصدد قالت المصادر الإيرانية المقربة من الحرس الثوري لـ"عربي بوست": "قبل الحرب بأسابيع قليلة قام فيلق القدس بالتنسيق مع الحلفاء في المنطقة والعمل بخطة الدخول المتدرج إلى أي صراع محتمل بين إيران والولايات المتحدة".

والآن محور المقاومة "يعمل بشكل تدريجي وليس متزامناً من أجل ضمان إطالة أمد الصراع، لاستنزاف القوات الأميركية والإسرائيلية، وعدم تعرض قدرات محور المقاومة للاستنزاف المبكر"، وفق ما صرح به المصدر المقرب من الحرس الثوري.

استمرار إطلاق الصواريخ

بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن الاستراتيجية الحالية تقوم على استمرار إطلاق الصواريخ على إسرائيل والمصالح الأميركية بهدف إبقاء الضغط النفسي والمادي، لا سيما على إسرائيل، في حالة استنزاف ممتد.

وفي الوقت نفسه، يواجه القادة معادلة معقدة: إطالة أمد إطلاق النار لشهر إلى 3 أشهر تتطلب الحفاظ على منصات الإطلاق والقدرات الصاروخية.

يقول مستشار عسكري مقرب من الحرس الثوري الإيراني لـ"عربي بوست": "في كل عملية إطلاق لهجمة صاروخية، بالتأكيد يزداد خطر انكشاف القوات الصاروخية ومنصات الإطلاق لأنظمة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية، لذلك اعتمدت القيادة العسكرية الإيرانية حتى الوقت الحالي على استراتيجية منصات إطلاق متنقلة ومواقع متفرقة ومنشآت تحت الأرض لإطلاق الصواريخ".

لكن حتى مع هذه الاستراتيجية في مواجهة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، يقول المصدر ذاته، فإن معضلة الحفاظ على القدرات الصاروخية والمخزونات الاستراتيجية من الصواريخ "تمثل نقطة ضعف لإيران في حال استمرار الحرب إلى وقت طويل".

الهدف النهائي لإيران

مع استمرار التصعيد، يبقى السؤال المركزي: ما الذي تريده طهران فعلياً من هذه المواجهة؟ إذ أجمعت المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ"عربي بوست" على أن الانتصار الميداني ليس الهدف، وأن القيادة لا تتوقع حسماً عسكرياً لصالحها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويقول المحلل السياسي الإيراني والمطلع على تفكير القيادة الإيرانية باباك حميديان: "الصراع الحالي ليس صراعاً عسكرياً بالنسبة لإيران، ولا تريد القيادات الإيرانية نصراً عسكرياً، بل هي معركة صمود وتماسك سياسي وإدارة ناجحة للتصعيد".

وأضاف حميديان في تصريح لـ"عربي بوست" قائلاً: "بقاء النظام الحالي هو النصر الذي تتطلع إليه القيادة الإيرانية، بالإضافة إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية لمنع أي محاولة قادمة لمهاجمة إيران".

وفي ختام حديثه لـ"عربي بوست"، قال باباك حميديان: "لذا فإن استراتيجية إيران في هذه الحرب واضحة: تحقيق الاستقرار الداخلي والتصعيد الانتقائي ورفع التكلفة الاقتصادية والجيوسياسية لاستمرار المواجهة لتغيير حسابات واشنطن والجهات الفاعلة الإقليمية".

تحميل المزيد