اقتصاد تحت الضغط: كيف تتعامل مصر مع تداعيات الحرب على قناة السويس وتقلبات الغاز؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/03/04 الساعة 20:26 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/03/04 الساعة 20:26 بتوقيت غرينتش
تدعيات الحرب على الاقتصاد المصري/ عربي بوست

مع اتساع رقعة الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران وانتقال تداعياتها سريعاً إلى الخليج وممرات الطاقة العالمية، وجدت القاهرة نفسها أمام موجة ارتدادية اقتصادية مباشرة، رغم عدم انخراطها عسكرياً في الصراع. وخلال 3 أيام فقط، برزت مؤشرات ضغط حادة تمسّ ركيزتين أساسيتين في الاقتصاد المصري: إيرادات قناة السويس وأمن إمدادات الغاز.

التوترات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، بالتوازي مع إعلان إسرائيل وقف تصدير الغاز إلى مصر، دفعت شركات شحن كبرى إلى إعادة حساباتها، فيما تراجع الجنيه تحت ضغط مخاوف مرتبطة بفاتورة الطاقة وتحويلات المصريين في الخارج. وأعاد المشهد إلى الأذهان تأثيرات حرب أوكرانيا، لكن هذه المرة في بيئة إقليمية أكثر التصاقاً بالمصالح المصرية.

داخل دوائر صنع القرار، تكثفت الاجتماعات الحكومية لتقييم السيناريوهات المحتملة، وسط تقديرات بأن طول أمد الحرب هو العامل الحاسم في تحديد حجم الخسائر. وتتركز الأولوية المعلنة على ضمان استقرار سوق الطاقة المحلي واحتواء تداعيات اضطراب الملاحة ومنع انتقال الصدمة إلى الداخل الاجتماعي.

قناة السويس تحت ضغط الحرب

قال مصدر مصري مطلع إن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من صراع حالي يشبه تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية التي كان لها تداعيات سلبية كبيرة على مصر، وإن كان التأثير سيكون أكثر شدة في حال طال الصراع، خاصة بالنسبة لقناة السويس التي ستكون عرضة لأكثر من خطر.

ويوضح المسؤول المطلع أن وجود أزمة في سلاسل الإمداد يؤثر سلباً على حركة التجارة، وبالتالي على قناة السويس، إلى جانب التأثر بإغلاق مضيق هرمز مع توجيه ضربات إيرانية لسفن نفطية وتجارية حاولت المرور منه، ونهاية باستهداف الملاحة في منطقة البحر الأحمر مع إعلان الحوثيين عودة استهداف الملاحة.

وأضاف المصدر الحكومي أن استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران لأكثر من أسبوعين سيكون له تأثير قوي على قناة السويس والعودة إلى معدلات مرور أقل من التي شهدها العام 2024 بعد بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

مخاوف من تأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران على الاقتصاد المصري/ رويترز
مخاوف من تأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران على الاقتصاد المصري/ رويترز

في الوقت الحالي تسود حالة من الترقب والحذر من جانب شركات الملاحة، غير أن إعلان الكبرى منها تحويل مساراتها يمكن أن ينعكس على شركات أخرى صغيرة ما زالت لم تتخذ قراراتها بعد، خاصة وأن الفترة الحالية هي من أهدأ الفترات التجارية في العالم، وحجم التجارة في هذا التوقيت تقريباً أقل من 65%، ويستمر ذلك حتى منتصف مارس/ آذار بسبب الإجازات الصينية السنوية.

وأشار المسؤول ذاته إلى أن حجم الخسائر المحتملة لإيرادات قناة السويس يعتمد على مدة الحرب وعدد الأيام، وفي ظل وجود تقديرات باستمرارها لأسابيع فإن ذلك سيكون له تأثيرات سلبية كبيرة على إيرادات القناة التي من المتوقع أن تهبط سريعاً بعد مرحلة كانت فيها تحاول استعادة تعافيها.

وأضاف أن توقف الحرب الجارية في غضون أيام لا يعني عودة فورية لحركة الملاحة، إذ لن يتسنى لشركات الشحن العالمية العودة إلى مساراتها السابقة عبر البحر الأحمر والخليج العربي وقناة السويس إلا بعد نحو 3 أشهر على أقصى تقدير لضمان استقرار الأوضاع في المنطقة.

ولفت المسؤول الحكومي إلى أن هيئة قناة السويس تجري اتصالات مع شركات شحن عالمية لإثنائها عن اتخاذ قرارات تحويل المسارات قبل منتصف هذا الشهر، لكنها تجد صعوبات في إقناع كبرى الشركات العالمية التي اتخذت قراراتها بالفعل، مشيراً إلى أنه من المتوقع أن تتجه الهيئة إلى مزيد من خفض رسوم الملاحة في مواجهة ارتفاعات متوقعة في تكاليف الشحن مع اضطراب الأوضاع في منطقة الخليج وتأثيرها على سلاسل الإمداد.

شركات ملاحة بدأت فعلاً تغيير مسارها

في هذا السياق، قررت شركة ميرسك الدنماركية العملاقة للشحن البحري تغيير مسار بعض سفنها مؤقتاً بعيداً عن قناة السويس، بسبب "معوقات غير متوقعة" في منطقة البحر الأحمر، بعد أقل من شهر من عودة سفن الشركة إلى القناة عقب غياب دام عامين تحت حماية بحرية مدعومة من القوات الأميركية والأوروبية.

كما أصدرت مجموعة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية بياناً طلبت فيه من سفنها في الخليج "إيجاد ملجأ"، وأعلنت تعليق العبور في قناة السويس "حتى إشعار آخر"، مع إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، ما يطيل الرحلات بآلاف الكيلومترات. وأوضحت الشركة أن القرار مرتبط بالقيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، مؤكدة أن سلامة الأطقم البحرية تمثل أولوية قصوى.

أما شركة "هاباغ-لويد"، خامس أكبر شركة شحن في العالم، فأعلنت تعليق كل عمليات عبور السفن في مضيق هرمز "حتى إشعار آخر"، فيما أبلغت مجموعات شحن أخرى عملاءها باحتمال تأخر وصول الشحنات بسبب التطورات الأخيرة.

وكانت الحكومة المصرية تطمح إلى تعافي إيرادات قناة السويس وتحقيق ما بين 8 و9.2 مليار دولار، بعد تراجع في عامي 2024 و2025 بسبب حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة. وبلغت خسائر القناة نحو 12 مليار دولار نتيجة تلك الحرب، وفقاً لما كشف عنه رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع.

سباق تأمين الغاز والطاقة

وبحسب مصدر مصري مطلع، فإن الحكومة المصرية تعمل حالياً على تحديد حجم الأضرار الاقتصادية وتبعاتها على أوضاع الاقتصاد، وترى أن هناك أولويات لا بد أن تتأكد من توفرها حتى لا تتسبب التطورات الحالية في أزمات داخلية، في مقدمتها توفير إمدادات الغاز اللازمة للاستهلاك المحلي.

وأوضح المصدر أن اجتماعات عديدة عُقدت خلال الساعات الماضية لمتابعة هذه الملفات، مشيراً إلى أن التوقعات تشير إلى خسائر كبيرة تشمل القناة والأسواق العالمية والطاقة في حال إطالة أمد الحرب لأكثر من أسبوعين. وأضاف أن تعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي تقضي بإجراء تقييم دقيق للأوضاع، وهو ما يتطلب متابعة مستمرة للتطورات على الأرض.

وأشار المسؤول إلى أن اجتماعات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع وزير البترول تطرقت أخيراً إلى رفع كميات المازوت المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء بنحو 333% بدءاً من الأحد لتصل إلى 26 ألف طن يومياً، في مقابل 6 آلاف طن في الأيام العادية، وذلك بعد توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي لمصر، حيث يتم استخدام المازوت لتشغيل محطات الكهرباء كبديل للغاز.

وأضاف أن هناك تنسيقاً مستمراً بين وزارتي الكهرباء والبترول بشأن الاحتياجات اليومية من الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، إلى جانب محاولة ترشيد الاستخدام، مع وضع احتمالات مختلفة بشأن إمكانية تخفيف الأحمال، خاصة مع دخول أشهر الصيف إذا استمرت الحرب لعدة أسابيع.

كما أشار إلى أن وزارة البترول تعتزم زيادة وارداتها من الغاز المسال بنحو 20 شحنة جديدة بداية من هذا الشهر، وذلك لتوفير 2 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، بما يدعم استقرار السوق المحلي الذي يحتاج إلى نحو 6 مليارات قدم مكعب يومياً.

ولفت المسؤول الحكومي إلى أن الحكومة بدأت قبل عام ونصف تقريباً تطبيق سياسة تنويع مصادر الإمدادات لمواجهة احتمالات انقطاع الغاز الإسرائيلي، وأن مصر استفادت من دروس قطع إسرائيل الغاز خلال حرب غزة وحرب 12 يوماً مع إيران، وهو ما ساهم في تحسين كفاءة منظومة الطاقة وتعزيز البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال عبر نشر وحدات إعادة التغويز في مواقع مختلفة.

وأشار إلى تشغيل 4 وحدات لإعادة التغويز في مناطق متفرقة، منها مواقع على البحر المتوسط وأخرى في ميناء العين السخنة بخليج السويس، إلى جانب طرح مناقصات دورية للتعاقد على شحنات إضافية، مع تجاوز عدد الشحنات المتعاقد عليها للفترات المقبلة 26 شحنة.

إسرائيل أوقفت مؤقتا تزويد مصر بالغاز/ عربي بوست
إسرائيل أوقفت مؤقتا تزويد مصر بالغاز/ عربي بوست

اختبار الاقتصاد المصري خلال الحرب

يشير محلل اقتصادي إلى أن اقتصاد مصر يواجه اختباراً اقتصادياً معقداً، نظراً لارتباطه الوثيق بأسواق الطاقة والتجارة العالمية، خاصة وأن الاقتصاد المصري يقوم بدرجة كبيرة على الاستثمارات الخليجية وتحويلات المصريين في الخارج، ومعظمهم في دول الخليج، إلى جانب الأموال الساخنة المتوقع خروجها في أوقات الاضطراب.

كما تتأثر القاهرة سلباً بالارتفاعات المستمرة في أسعار النفط، إذ تمثل منطقة الخليج نحو ثلث إمدادات النفط العالمية، وأي تهديد للإمدادات أو للممرات البحرية ينعكس فوراً على الأسعار، ما يعني زيادة فاتورة الاستيراد المصرية والضغط على تكلفة الإنتاج المحلي وتغذية معدلات التضخم.

وأوضح المحلل أن المستثمرين يلجأون عادة في مثل هذه الظروف إلى الملاذات الآمنة مثل الدولار والذهب، ما يزيد الضغط على النقد الأجنبي ويرفع تكلفة التمويل والاستيراد. كما أن وجود مؤشرات على احتمال إغلاق مضيق هرمز يمثل صدمة اقتصادية عالمية تنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري.

وأضاف أن السيناريو الأخطر يتمثل في قفز أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 دولارات للبرميل، وهو ما يرفع فاتورة الواردات البترولية لمصر ويضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، محذراً من احتمال تراجع الصادرات المصرية إلى الخليج بما لا يقل عن 53%، وهو ما يمثل نحو 36% من إجمالي إيرادات الصادرات المصرية من المنطقة والبالغة قرابة 20 مليار دولار.

وفي هذا السياق، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته على هامش حفل الإفطار السنوي الذي أقامته القوات المسلحة تزامناً مع الاحتفال بذكرى انتصارات 10 رمضان، الأحد، إن مصر "تتحسب من نتائج الحرب على إيران وغلق مضيق هرمز والتأثير على قناة السويس"، مضيفاً أن غلق مضيق هرمز سيكون له تأثير على تدفقات البترول والأسعار.

وأضاف أن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم والتوترات الحالية سيكون لها تأثير، مؤكداً أن الدولة حرصت على تدبير الاحتياطات اللازمة، مشيراً إلى أن حركة الملاحة في قناة السويس لم تعد إلى مسارها الطبيعي منذ 7 أكتوبر 2023، وتكبدت مصر خسائر مادية. وقال: "اطمئنوا على مصر ولن يتمكن أحد بفضل الله أن يقترب منها بشرط أن نظل متكاتفين".

تحميل المزيد