بعد نحو 20 شهراً من الإغلاق الكامل، عاد معبر رفح ليُفتح جزئياً على وقع وعود بانفراجة إنسانية طال انتظارها، غير أن الأيام الأولى لإعادة تشغيله كشفت واقعاً مختلفاً: عبور محدود، قوائم انتظار طويلة، وتعقيدات أمنية تعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة. وما بدا خطوة نحو التهدئة، تحوّل سريعاً إلى اختبار لإرادة الأطراف وقدرتها على الالتزام بالتفاهمات.
في الجانب المصري، تتحرك سيارات الإسعاف وفرق الإغاثة على مدار الساعة، فيما يصطف المرضى وذووهم في انتظار دور قد لا يأتي. وعلى الجانب الآخر، يُخضع الاحتلال الإسرائيلي الأسماء للتدقيق، وتُعاد حالات دون توضيح، وتُفرض إيقاعات تشغيل تجعل المعبر يعمل "بالقطّارة"، وبين رقم مُعلن وآخر منفّذ، تتسع الفجوة ويزداد الضغط الإنساني.
سياسياً، يتجاوز ملف المعبر كونه ممراً حدودياً ليصبح ورقة ضغط في معادلة إقليمية أعقد. إذ إن القاهرة تضغط، وواشنطن تتعهد، وإسرائيل تُبقي التشغيل ضمن سقف محسوب، فيما يبقى آلاف الجرحى والنازحين رهائن آلية عبور متقلبة. هكذا يتحول معبر رفح الحدودي من بوابة نجاة مفترضة إلى عنوان لصراع الإرادات في لحظة هشّة من مسار التهدئة.
عبور بـ"القطّارة" من معبر رفح
مصدر مصري في جمعية الهلال الأحمر المصري، الذي يلعب دوراً مهماً في استقبال المرضى الوافدين إلى سيناء وكذلك في تجهيز من يسعون للعودة إلى غزة، قال في تصريح لـ"عربي بوست" إن حصيلة عبور الأفراد إلى غزة عبر معبر رفح لا تقارن بما تم التوافق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن الاحتلال لا يسمح بعودة 150 فرداً يومياً إلى مصر كما كان مقرراً، ودائماً ما تكون هناك اعتراضات على أسماء بعينها دون مبرر واضح، وفي المقابل قد لا يسمح باستقبال أعداد تتراوح بين 25 شخصاً و50 شخصاً، وفي غالبية المرات يقوم بإرجاع عدد من الفلسطينيين الساعين للعودة في ظل إجراءات معقدة.
وأوضح المصدر ذاته، الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن الاحتلال الإسرائيلي يسمح بدخول من ثلث إلى نصف الأعداد المتفق عليها على مستوى الأفراد، كما أنه لا يسمح سوى باستقبال 100 شاحنة يومياً فقط، رغم أن الاحتياجات اليومية لقطاع غزة تُقدَّر بنحو 600 شاحنة يومياً.
وحتى 23 فبراير/ شباط 2026 تُشير الإحصائيات إلى مرور 1300 شخص ذهاباً وإياباً عبر معبر رفح، بينهم نحو 550 شخصاً عادوا إلى غزة، في حين أن هناك نحو 20 ألف جريح ومريض فلسطيني يحتاجون إلى الإجلاء بشكل عاجل، وهؤلاء يشكل تأخير وصولهم خطراً على حياتهم، بخاصة أنهم يواجهون صعوبات عديدة أثناء العبور بسبب التفتيش.
وذكر المصدر ذاته أن الهلال الأحمر المصري يستقبل يومياً العائدين في المعبر لتيسير إجراءات العبور بالتنسيق مع الجهات المختصة، وأن فرق الهلال الأحمر تقوم بتقديم الدعم النفسي للأطفال، والمساعدة في إعادة الروابط العائلية، بالإضافة إلى توزيع وجبات الإفطار والسحور، والملابس الشتوية، ومستحضرات العناية الشخصية.
كما يقوم الهلال الأحمر المصري، وفق مصدر "عربي بوست"، بتسليم ما سماه بـ"حقيبة العودة" لكل فلسطيني عائد إلى قطاع غزة، في حين تستمر السلطات المصرية في استقبال المرضى والجرحى الفلسطينيين لتلقي العلاج بالمستشفيات المصرية.
بحسب مصدر "عربي بوست"، فإن ما يشهده معبر رفح هو بمثابة عبور متقطع "بالقطارة" وانفراجة جزئية لعبور الفلسطينيين الذين يواجهون تعقيدات أمنية وبيروقراطية من جانب الاحتلال الذي يعمل على وضع عراقيل عديدة لعملية المرور والعودة، ويمارس إجراءات أمنية مشددة على من يقررون العودة، ويحاول إغرائهم بالمال لعدم دخول القطاع.
ولفت المصدر إلى أن شهادات المرضى العائدين من غزة تشير إلى أنهم تعرضوا لإجراءات عديدة معقدة ضاعفت معاناتهم الجسدية والنفسية، وينفذ الاحتلال آلية تحد من عدد المغادرين وتبطئ عمليات الإجلاء الطبي، ما يشكل تهديداً مباشراً لحياة آلاف المرضى.
ماذا تقول الأرقام الرسمية؟
في 19 فبراير الماضي، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن 1148 مسافراً فلسطينياً استخدموا معبر رفح البري مع مصر ذهاباً وإياباً إلى القطاع، من أصل 3400 كان من المفترض أن يتحركوا من خلاله منذ إعادة فتحه بشكل محدود وقيود مشددة في 2 فبراير الجاري.
وأضاف المكتب الإعلامي الحكومي في بيان أن إجمالي عدد المسافرين بين 2 و18 فبراير/ شباط 2026 بلغ 1148، منهم 640 مغادراً و508 عادوا إلى غزة، إضافة إلى 26 تم إرجاعهم أثناء مغادرتهم دون توضيح السبب، بنسبة التزام (إسرائيلي بالتفاهمات) تُقارب 33%.
وفي 2 فبراير/ شباط، أعاد الاحتلال الإسرائيلي فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح الذي يحتله منذ مايو/ أيار 2024، بشكل محدود جداً وقيود مشددة للغاية، وذكر المكتب أن 455 مسافراً تمكنوا من المغادرة، فيما وصل 456 آخرون، وأُرجِع 26 آخرون خلال تلك الفترة.
ومع فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني، ذكرت هيئة البث الإسرائيلي باللغة العربية "مكان" أنه من المتوقع أن يُغادر 150 شخصاً قطاع غزة، بينهم 50 مريضاً، وفي المقابل سيُسمح بدخول 50 شخصاً إلى قطاع غزة.
صعوبات يواجهها الخارجون من غزة والعائدون
تشير تقديرات فلسطينية في غزة إلى أن 22 ألف جريح ومريض بحاجة لمغادرة القطاع لتلقي العلاج، في ظل الوضع الكارثي للقطاع الصحي جراء تبعات حرب الإبادة الإسرائيلية، وتفيد معطيات شبه رسمية بتسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة، في مؤشر واضح على إصرار الفلسطينيين على رفض التهجير والتمسك بالعودة رغم الدمار الإسرائيلي.
بحسب نائب برلماني في محافظة شمال سيناء، فإن الساعين للعودة إلى غزة يعودون في حافلات مصحوبة بعاملين في الأمم المتحدة وأفراد من جمعية الهلال الأحمر المصري، وفي الأغلب تستمر الرحلة ساعات طويلة، حيث تقوم السلطات الإسرائيلية بفرض إجراءات تعرقل عملية العودة، بما في ذلك عمليات تفتيش أمني مطولة وتعطيل متكرر لحركة المسافرين.
إلى جانب الإجراءات الأمنية، فإن العائدين يواجهون صعوبات عديدة بسبب إغلاق الطرق وتضرر البنية التحتية للمعبر، ويبقى السير في طرق وعرة، وهو ما يطيل فترات الانتظار التي قد تمتد من أول اليوم إلى آخره في ظروف قاسية ومهينة، مشيراً إلى أن الاحتلال قام في الأيام الماضية باعتقال فردين كانا في طريقهما للعودة قبل إخلاء سبيلهما وعودتهما إلى سيناء، كما أن البعض شكا من معاملات قسرية.
المصدر ذاته أوضح في تصريح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه أن القادمين من غزة يصلون إلى المعبر ويتم استقبالهم عبر عشرات سيارات الإسعاف، وهي تتمركز عند نقطة التماس لتسلم الحالات، ويتم نقل المصابين فور وصولهم إلى مستشفيات عديدة في شمال سيناء.
ولفت إلى أن جميع الحالات تخضع لفحص وتشخيص مبدئي داخل منطقة الحجر الصحي بالمعبر، التي تضم عشرات الأطباء من مختلف التخصصات، ويتم خلال هذه المرحلة إجراء الفرز الطبي لتحديد طبيعة كل حالة ودرجة خطورتها، تمهيداً لتحويلها إلى المستشفيات المخصصة لاستقبال المصابين.
ويتم تخصيص 4 مستشفيات في شمال سيناء لاستقبال الحالات، وهي مستشفى العريش العام، ومستشفى الشيخ زويد، ومستشفى بئر العبد، ومستشفى نخل، إضافة إلى نقل عدد منها إلى مستشفيات في القاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة، ضمن خطة شاملة وفّرت نحو 150 مستشفى لتقديم الرعاية الصحية اللازمة.
ووصلت دفعة جديدة من الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري من الجانب المصري، صباح الاثنين 23 فبراير/ شباط 2026، بعد إعادة فتحه لتسهيل عودة المواطنين إلى ديارهم، وفقاً لما أوردته فضائية القاهرة الإخبارية.
إلا أن عدد الأشخاص الذين سُمح لهم بالعبور في الاتجاهين يبقى قليلاً جداً بالنظر إلى الاحتياجات، وفق هيئة "أوبام"، وهي بعثة أوروبية مكلفة بمراقبة ودعم عمليات السلطة الفلسطينية في رفح، فقد تحدثت عن السماح "بعبور ما بين 80 إلى 100 شخص في اليوم إجمالاً".
ويتعلق هذا العدد بالسماح بعودة 50 شخصاً طوعاً في اتجاه غزة، ومغادرة 50 شخصاً في حالة طوارئ طبية ممن يريدون مغادرة قطاع غزة في الاتجاه المقابل. ويُسمح لهؤلاء المرضى بأن يكون كل واحد منهم مصحوباً باثنين من أقربائه كحد أقصى.
كيف تضغط مصر لتخفيف الإجراءات؟
كان من المفترض أن يعيد الاحتلال الإسرائيلي فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لكنه تنصل من ذلك. وقال محلل سياسي على صلة بدوائر صنع القرار إن القاهرة تمارس ضغوطاً على الولايات المتحدة لتذليل العقبات أمام العائدين والمغادرين.
المحلل السياسي أشار خلال حديثه لـ"عربي بوست" إلى أن هذه الضغوط بدأت منذ إعادة فتحه، وكانت مشاركة رئيس الوزراء المصري في الاجتماع الأول لمجلس السلام فرصة لتعزيز هذه الضغوط، غير أنه شدد على أن القاهرة لا تجني فائدة منها حتى الآن وسط استمرار القيود الإسرائيلية التي تعرقل الحركة عند المعبر.
وأوضح المصدر ذاته أن الولايات المتحدة قدمت وعوداً إلى مصر عند فتح المعبر بمزيد من التسهيلات الإسرائيلية، لكن ذلك لم يحدث، وهو ما تسبب في محدودية تشغيل المعبر، ما يشكل إنهاكاً للعائدين والمغادرين وللأطقم الطبية والإنسانية التي تواجه صعوبات جمة في عملها.
المتحدث لفت إلى أن مصر طالبت بجداول زمنية لتحسن آلية العبور، لكن ذلك لم يلق رداً أميركياً حتى الآن، مشيراً إلى أن مصر تسعى في الوقت ذاته لاستغلال الحركة في المعبر لإدخال منازل جاهزة وكذلك دخول أفراد الشرطة التي تقوم بتدريبهم وإدخال لجنة إدارة غزة، وجميعها ملفات مجمدة حتى الآن بسبب التعنت الإسرائيلي.
ومن المتوقع أن تمضي القاهرة في ضغوطها، ولكن عبر مستويات عربية أكبر، أملاً في الوصول إلى نتائج مغايرة، ولا تُستبعد إمكانية حدوث تصعيد دبلوماسي مع إسرائيل إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن، مشيراً إلى أن الضغط ساهم في إدخال مساعدات إنسانية بكميات أكبر، لكن ذلك لا يعوض أهمية إدخال البضائع التي تواجه شحاً في غزة.
وأعلن الاتحاد الأوروبي، الأسبوع الماضي، أنه يعمل على تسهيل حركة المسافرين من وإلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي، وذلك في إطار جهود دولية أوسع تهدف إلى التخفيف من المعاناة الإنسانية في القطاع الفلسطيني المحاصر.
ومؤخراً شدد فيه وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على ضرورة "ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون معوقات، وعدم عرقلة حركة العبور عبر معبر رفح"، وأكد على ضرورة "وقف كل الإجراءات التي تستهدف تهجير السكان أو تغيير الطابع الديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة".