يواجه الجنيه المصري ضغوطاً متجددة دفعت سعر صرف الدولار إلى ملامسة حاجز 48 جنيهاً لأول مرة منذ 5 أشهر، وسط سلسلة تراجعات طفيفة شهدتها العملة المصرية مؤخراً، ويرجع خبراء ومصادر مطلعة هذا التراجع إلى تأخر صرف شريحتي قرض صندوق النقد الدولي، بالتزامن مع خروج سيولة دولارية عبر تخارج استثمارات الأجانب في أدوات الدين، فيما يُعرف بـ"الأموال الساخنة"، نتيجة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.
ورغم هذا التراجع، يرى مراقبون مقربون من الحكومة أن ما يحدث هو "تصحيح مؤقت" ناتج عن ضغوط خارجية طارئة وزيادة الطلب الموسمي على العملة الصعبة مع دخول شهر رمضان. وتراهن القاهرة على قوة احتياطيها النقدي الذي تجاوز 52 مليار دولار، والنمو القياسي في تحويلات المصريين بالخارج التي بلغت 41.5 مليار دولار، كحائط صد يمنع استمرار تدهور الجنيه ويمنحه القدرة على استعادة توازنه قريباً.
ويستعرض هذا التقرير ملامح الأزمة الهيكلية في الاعتماد على الأموال الساخنة، ومدى قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الناتجة عن احتمال اندلاع نزاعات إقليمية أوسع تؤثر على الملاحة في قناة السويس. كما يسلط الضوء على آمال الحكومة في الحصول على موافقة صندوق النقد النهائية لصرف 2.4 مليار دولار، وهو ما يمثل شهادة ثقة في الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة، ويمنح البنك المركزي المرونة الكافية لاستقرار سوق الصرف.
رهان الشريحتين المؤجلتين
قال مصدر مصري مطلع إن الحكومة المصرية كانت تعول على صرف الشريحتين في مطلع هذا العام، غير أن اجتماع المجلس التنفيذي السابق للصندوق لم يناقش مراجعة بعثة الصندوق التي أبدت موافقة على صرف الشريحتين الخامسة والسادسة، وذلك للحفاظ على تماسك الجنيه أمام الدولار.
وفي الوقت ذاته، شهد هذا الأسبوع تسارع مبيعات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري بقيمة 1.12 مليار دولار.
وتترقب الحكومة المصرية الحصول على موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بخصوص مراجعتيها الخامسة والسادسة من برنامج التمويل الممتد، والمراجعة الأولى ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، الأربعاء 25 فبراير/ شباط 2026.
وتفتح موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في اجتماع الأربعاء الباب أمام مصر لصرف 2.4 مليار دولار من برنامج التمويل البالغ قيمته 8 مليارات دولار، ونحو 274 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة البالغ 1.3 مليار دولار.
وصرفت مصر من برنامج تمويل صندوق النقد الدولي نحو 3.4 مليار دولار منذ ديسمبر/ كانون الأول 2022، في حين يتبقى 4.6 مليار دولار. وكان برنامج تمويل صندوق النقد الدولي لمصر قد شهد زيادة بنحو 5 مليارات دولار في مارس/ آذار 2024 بالتزامن مع تحرير سعر الصرف والضغوط الاقتصادية التي ولدتها الحرب في فلسطين.
وينتهي أجل برنامج تمويل صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار مع مصر في الربع الأخير من العام الحالي، ويتبقى أمام مصر مراجعتان ضمن برنامج الصندوق: المراجعة السابعة في شهر مارس المقبل، والثامنة في سبتمبر 2026.
تخارجات مفاجئة وضغط على الجنيه المصري
تزامناً مع تأخر التمويل، شهدت السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية تحركات بيعية سريعة من قبل العرب والأجانب نتيجة ضغوط خارجية مرتبطة بتجدد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما انعكس فوراً على سوق الإنتربنك وسعر الصرف، وفق ما أوضحه مصدر "عربي بوست".
هذه التوترات دفعت مستثمرين أجانب إلى تقليص مراكزهم مؤقتاً في الأسواق الناشئة، ومنها مصر، وهو ما انعكس سريعاً على سوق الإنتربنك وسعر الصرف، إلى جانب الضغط على العملة الصعبة في المواسم الدينية والأعياد، وهو ما يتزامن مع دخول شهر رمضان، وبالتالي حدث التراجع الذي سيكون مؤقتاً في قيمة الجنيه أمام الدولار خلال تعاملات هذا الأسبوع.
وجاء أعلى سعر لصرف الدولار الأميركي، الثلاثاء 24 فبراير/ شباط 2026، في البنك التجاري الدولي وبنك الشركة المصرفية "سايب" وبنك قناة السويس وبنك نكست وبنك أبوظبي الإسلامي عند مستوى 47.87 جنيه للشراء مقابل 47.97 جنيه للبيع، وسجل الدولار ارتفاعاً قيمته 16 قرشاً في يوم واحد لأول مرة منذ 5 أشهر.
وقفزت أسعار صرف الدولار أمام الجنيه المصري خلال تعاملات الأسبوع بما يتراوح بين 93 و98 قرشاً، مقارنة بأسعارها في نهاية تعاملات الاثنين الماضي 16 فبراير 2026.
وكان الدولار قد تراجع أمام الجنيه المصري منذ بداية العام الحالي بنحو 82 قرشاً، قبل أن يعاود تسجيل الارتفاعات الأخيرة مرة أخرى، حيث سجل نحو 46.71 جنيه للشراء و46.85 جنيه للبيع في نهاية تعاملات يوم 16 فبراير 2026، مقابل 47.53 جنيهاً للشراء في بداية تعاملات شهر يناير، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري.
التوترات في المنطقة والطلب الداخلي
قال محلل اقتصادي مقرب من الحكومة، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، إن تراجع الجنيه المصري أمام الدولار يعود إلى خروج سيولة دولارية عبر تخارجات من أدوات الدين الحكومية أو من سوق الأسهم، وذلك بشكل مفاجئ بقيمة كبيرة، وهو أمر لم يكن معتاداً خلال الأشهر الماضية، وهو ما انعكس على تراجع البورصة المصرية بنسبة أكثر من 2% خلال جلسة واحدة، ما أربك المستثمرين وزاد من مخاوفهم.
المحلل الاقتصادي أشار خلال حديثه لـ"عربي بوست" إلى أن خروج الأموال لا يرجع إلى أسباب داخلية، ولكنه يعود إلى تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، بخاصة أن هناك مؤشرات على احتمال اندلاع حرب وشيكة بين أميركا وإيران خلال الأيام والساعات القليلة المقبلة، وهو ما ألقى بظلاله على السوق.
وأضاف أن المستثمرين في أوقات الأخطار يتحوطون ويتجهون إلى سحب أموالهم، خاصة من الأصول عالية المخاطر، وهو ما ضغط على سعر الصرف خلال تعاملات البنوك. وأشار إلى أن الحكومة أدركت مبكراً هذا الخطر، وهو ما نتج عنه اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع محافظ البنك المركزي حسن عبدالله مطلع هذا الأسبوع، وجرى التوافق على خطط بديلة في حال تزايد الضغط على الجنيه خلال الأيام المقبلة.
وتشير تقديرات البنك المركزي، وفق مصدر "عربي بوست"، إلى أن ما يحدث خلال الأيام الماضية ما هو إلا خروج مؤقت وتحوط لما ستؤول إليه الأوضاع الإقليمية خلال الفترة المقبلة، وهي إجراءات تبقى احترازية ولم تأتِ في توقيت واحد كما حدث من قبل.
بل يمكن القول إن أدوات الدين الحكومية تعرضت من قبل لتخارج مماثل، لكن هذه المرة جاءت بقيمة أكبر وفي ظل ضغط أكبر على الدولار في البنوك بسبب زيادة معدلات الاستيراد في المواسم والأعياد، بخاصة خلال شهر رمضان، ما ينتج عنه زيادة في الطلب أكثر من المعروض، ما يتسبب في ارتفاع سعر الدولار مؤقتاً.
وتطرق المتحدث إلى أزمة أخرى أثرت سلباً على قيمة الجنيه المصري، تتعلق بوضعية التجار والمستثمرين المصريين الذين يدفعون بنظام الآجل نتيجة تأثرهم سلباً بحالة الركود التي أصابت الأسواق خلال الفترة الماضية مع ارتفاع معدلات الفائدة وتراجع القدرة الشرائية.
وبالتالي فإن هؤلاء لجؤوا إلى الاستيراد مبكراً ويقومون في الوقت الحالي بسداد الفواتير مع بدء حركة البيع، وهو ما رفع الطلب على الدولار في ظل تزايد الطلب على السلع والأجهزة والسيارات المستوردة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن حالة السوق المصرية تبقى عنصراً غير مؤثر بشكل كبير في سعر الجنيه أمام الدولار، ويبقى المؤثر الأكبر هو الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة مع احتمالات تصاعد الأحداث خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيزيد الضغط على العملة المحلية، خاصة أن حركة الملاحة في قناة السويس سوف تتأثر سلباً حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وبين إيران ووكلائها في المنطقة على الجانب الآخر.
مؤشرات القوة والرهان على التعافي
يرى المصدر ذاته أن ما يتعرض له الجنيه المصري أمام الدولار لا يتجاوز كونه تراجعاً طفيفاً لن ينعكس على مجمل أدائه أمام العملات الأجنبية خلال العام الجاري. ويستند هذا التقدير إلى مؤشرات تفيد بأن العملة المحلية قد تكون مقومة بأعلى من قيمتها الحقيقية التي تُقدَّر بنحو 40 جنيهاً للدولار.
وبناءً على ذلك، تُعد المرحلة الحالية تصحيحاً مؤقتاً للأوضاع، لا مساراً مستمراً من التراجع. ويعزز هذا الطرح قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز أزمات سياسية وأمنية واقتصادية خلال السنوات الماضية.
وتظهر بيانات البنك المركزي المصري أن الجنيه المصري سجل تحسناً ملحوظاً خلال عام 2025، إذ ارتفع أمام الدولار بنحو 3.17 جنيه بنسبة 6.2%. ووصل سعر الصرف بنهاية تعاملات 31 ديسمبر 2025 إلى 47.60 جنيه للشراء و47.73 جنيه للبيع، مقارنة بـ50.77 جنيه للشراء و50.90 جنيه للبيع في نهاية ديسمبر 2024.
وتعكس هذه الأرقام تحسناً نسبياً في أداء الجنيه المصري بعد فترة من التقلبات، كما تُستخدم هذه المؤشرات للدلالة على قدرة السوق على استعادة التوازن.
وفي السياق ذاته، ارتفع احتياطي النقد الأجنبي إلى 52.594 مليار دولار بنهاية يناير الماضي مقابل 51.452 مليار دولار في ديسمبر 2025. كما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 أعلى مستوى في تاريخها، إذ قفزت بنسبة 40.5% لتصل إلى 41.5 مليار دولار مقارنة بـ29.6 مليار دولار في 2024. وتمثل هذه التدفقات أحد أهم مصادر دعم السيولة الدولارية، وتعد عاملاً رئيسياً في تعزيز قدرة البنك المركزي على إدارة سوق الصرف.
ويؤكد المصدر أن تمرير شريحتي صندوق النقد، إلى جانب استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية، من شأنه تعزيز جاذبية السوق المصرية أمام الاستثمارات الأجنبية. ويرى أن موافقة الصندوق تمثل شهادة على تنفيذ الحكومة إصلاحات اقتصادية وتحسن مؤشرات الهيكلة المالية، كما تمنح البنك المركزي مرونة أكبر في تلبية التزامات العملة الصعبة. ويشير كذلك إلى توسيع دور القطاع الخاص وطرح وثيقة ملكية الدولة كخطوة لتحفيز الاستثمار.
الهشاشة الهيكلية وعبء الدين
في المقابل، يرى خبير اقتصادي أن تراجع الجنيه المصري قد يكون مؤقتاً وقابلاً للاحتواء بدعم من تمويلات صندوق النقد وارتفاع الاحتياطي وزيادة تحويلات العاملين بالخارج. غير أن التطورات الأخيرة تكشف، بحسب رأيه، استمرار أزمة هيكلية تتعلق باعتماد الاقتصاد على الأموال الساخنة.
ويشير الخبير الاقتصادي في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن الإنتاج والصناعة المحلية لم يتحولا بعد إلى ركيزة رئيسية لدعم استقرار العملة، ويعتبر أن هذا الخلل البنيوي يظل مصدر قلق طويل الأجل.
ويضيف أن استقرار سعر الصرف يرتبط في جوهره بقدرة الدولة على ضبط عجز الموازنة، وهو ما لم يتحقق بصورة كاملة بعد. ولا تزال أدوات الدين المصرية عرضة لتحركات المستثمرين الذين يسارعون إلى التخارج عند تصاعد المخاطر أو ظهور فرص أكثر أماناً وربحية. وتُعيد هذه السلوكيات إلى الأذهان موجة التخارج في 2022 حين خرجت أموال ساخنة بقيمة 22 مليار دولار. ورغم تحسن الوضع حالياً، فإن حساسية السوق تجاه الصدمات الخارجية ما تزال قائمة.
ويرى المصدر ذاته أن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالسنوات الماضية، لكنه يظل معرضاً لمخاطر خارجية محتملة. فارتفاع أسعار النفط في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد يزيد كلفة الاستيراد ويضغط على الميزان الخارجي.
كما أن أي تصعيد إقليمي قد يؤدي إلى تراجع شهية المستثمرين للأسواق الناشئة، بما فيها مصر. ومع ذلك، تراهن الحكومة على تمويلات الصندوق كأداة لاحتواء الضغوط، مع إمكانية إعادة جدولة بعض الالتزامات.
وتُظهر البيانات أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين بلغت نحو 40 مليار دولار بنهاية العام الماضي، ما يعكس حجم الاعتماد على هذه التدفقات. كما قفزت مبيعات أدوات الدين المحلية بنسبة 73% لتتجاوز 9.5 تريليونات جنيه.
في المقابل، تلتهم خدمة الدين نحو 80% من الإيرادات و50% من المصروفات العامة. ويُقدَّر الدين العام بنحو 377.8 مليار دولار، ما يضع عبئاً مستمراً على المالية العامة ويجعل الاستقرار النقدي مرتبطاً بإصلاحات أعمق.