بينما كان يُفترض أن يشكل الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام" بشأن قطاع غزة نقطة انطلاق نحو تثبيت التهدئة وإطلاق مسار إعادة إعمار قطاع غزة، بدا أن البوصلة اتجهت سريعاً نحو مقاربة اقتصادية–أمنية تضع مسألة نزع سلاح حماس في صدارة المشهد، مقابل غموض يحيط بآليات انسحاب إسرائيل وضماناته.
هذا التحول من الالتزامات السياسية والأمنية إلى مشاريع إعادة الإعمار ذات الطابع الاستثماري أثار تساؤلات عميقة لدى الوسطاء، خاصة مصر وقطر والأردن، بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وحدودها، وسط مخاوف من إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية للقطاع على نحو قد يُفضي إلى وقائع جديدة يصعب التراجع عنها.
في المقابل، تطرح الإدارة الأميركية رؤية تعتبر أن إعادة الإعمار يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة هندسة الواقع الأمني والسياسي في غزة، غير أن غياب خطة واضحة لضمان انسحاب كامل للاحتلال الإسرائيلي، وتحديد سقف زمني ملزم، يضع الاتفاق برمته أمام اختبار صعب قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التعثر أو التصعيد.
"خطة أمريكية" للسيطرة على قطاع غزة
قال مصدر مصري مطلع إن اجتماع مجلس السلام الأول بدا معبراً عن أن هناك خطة أميركية للسيطرة بشكل غير مباشر على قطاع غزة، وذلك عبر تطبيق خطة صهره جاريد كوشنر الاقتصادية حول إعادة إعمار قطاع غزة، التي تعمل على تقسيم القطاع إلى جزأين، الأول "غزة الغربية" وهي شريط بحري يسيطر عليه الأثرياء.
إلى جانب "غزة الجديدة" وهي 8 مدن منفصلة عن بعضها البعض تبدأ من رفح وتنتهي في شمال قطاع غزة، وسيقطنها الفلسطينيون وسيكونون بمثابة أيدٍ عاملة للأثرياء في المنطقة الاقتصادية، على أن يكون دخول وخروج الفلسطينيين للعمل بعد التدقيق الأمني والفحص، وهو أمر يعترض عليه الوسطاء دون وجود أمد لحل هذا الخلاف حتى الآن.
هذا التصور، إن صحّ، يقول مصدر "عربي بوست"، يعكس انتقالاً من فكرة إعادة إعمار قطاع غزة بوصفها التزاماً إنسانياً وسياسياً، إلى إعادة هندسة عمرانية–اقتصادية تقوم على الفصل الوظيفي بين مناطق استثمارية ساحلية ومناطق سكنية مكتظة.
وهو ما يطرح إشكاليات تتعلق بالسيادة وحرية الحركة وبنية الاقتصاد المحلي، فضلاً عن احتمالات تكريس تفاوت طبقي حاد داخل مساحة جغرافية ضيقة تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية، على حد تعبير المصدر.
وأوضح أن الوسطاء لديهم اعتراضات على توسيع مهام مجلس السلام، ويرون أن هدفه السيطرة على غزة، ومن ثم التوسع والتمدد ليصبح مجلساً عالمياً، وهو ما يخدم خطط إسرائيل التوسعية التي تحدث عنها صراحة سفير الولايات المتحدة لدى دولة الاحتلال بشأن "مخطط إسرائيل الكبرى".
ومارست الولايات المتحدة ضغوطاً على الوسطاء، خاصة مصر وقطر والأردن، للانضمام إلى قوة السلام التي جرى الإعلان عن تشكيلها خلال القمة، لكنها واجهت رفضاً في ظل عدم تحديد مهامها على وجه التحديد وخوفاً من الاصطدام بالفصائل الفلسطينية.
بهذا المعنى، يتحول الخلاف من نقاش تقني حول آليات التنفيذ إلى خلاف استراتيجي حول طبيعة الكيان الذي سيشرف على غزة وحدود صلاحياته وعلاقته بالقوى الإقليمية والدولية. التخوف لا يقتصر على تفاصيل إدارية، بل يمتد إلى إعادة تعريف الإطار الحاكم للقطاع، بما قد ينعكس على القضية الفلسطينية برمتها.
لا ضمانات بانسحاب إسرائيلي كامل
المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه أشار إلى أن الوسطاء طالبوا بضمانات بانسحاب كامل للاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة، لكن دون أن يلقى طلبهم استجابة، وهو ما واجه اعتراضات بشأن الاتجاه إلى تحديد مهلة زمنية لسحب سلاح حماس، وبالتالي ظلت مسألة نزع السلاح مفتوحة.
بينما يتوقع أن تتجه واشنطن لجمع مليارات الدولارات للإعمار في مناطق خارج المنطقة الصفراء، وإعادة تأهيل هذه المناطق ونقل الفلسطينيين إليها، وتفريغ المناطق التي تحت سيطرة حركة حماس حالياً، ثم تبدأ حرباً لنزع السلاح عبر تسليم السلاح الخفيف إلى القوات الشرطية وسحب الثقيل، إلى جانب تدمير ما تبقى من أنفاق والوصول إلى الأسلحة الموجودة أسفلها.
ووفقاً لهذا المخطط، يعتقد المصدر أن اتفاق وقف إطلاق النار سيكون على المحك في تلك الحالة، ويرون أن خطة ترامب ركزت بالأساس على استعادة الأسرى الأحياء والأموات، دون أن يكون هناك تفاصيل لاستكمال باقي بنود الاتفاق، وسط توقعات بأن تستمر المرحلة الثانية لأشهر أو سنوات في حال صمد الاتفاق على الأرض.
كما توقع ظهور خلافات علنية بين الوسطاء من جانب، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، بشأن استكمال الاتفاق خلال الفترة المقبلة، وأن ما يعزز ذلك حديث السفير الأميركي عن خطة إسرائيل الكبرى التي توحد دولاً عربية وإسلامية في مواجهتها.
في هذا السياق، أعلن ترامب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار لمجلس السلام، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية وإعادة إعمار قطاع غزة.
وشدّد ترامب على نزع سلاح حماس، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من "ردّ قاسٍ" إذا لم تفعل. وقال: "العالم الآن ينتظر حماس وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً".
هذه التصريحات تكشف عن مقاربة تربط بوضوح بين التدفق المالي الدولي وبين الالتزام بنزع السلاح، ما يضع الفاعلين المحليين والإقليميين أمام معادلة شديدة التعقيد: إما الانخراط في ترتيبات أمنية مشروطة، أو مواجهة خطر تجميد مسار إعمار قطاع غزة واستمرار الضغط العسكري.
كما أن عدم وجود جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي يعزز المخاوف من أن يتحول نزع السلاح إلى أداة ضغط أحادية الجانب، لا يقابلها التزام سياسي موازٍ.
تحفظات مصرية وتخوفات من تجميد الاتفاق
يشير دبلوماسي مصري إلى أن اجتماع مجلس السلام جاء أقل بكثير من توقعات الوسطاء، بل إن ما تم طرحه لم يحمل خططاً واضحة، وبالتالي فمن المتوقع أن توظف إسرائيل ذلك لمزيد من تحقيق المكاسب عبر التركيز فقط على نزع سلاح المقاومة دون التطرق إلى انسحابها.
وأشار الدبلوماسي في تصريح لـ"عربي بوست" إلى أن الاتفاق يمكن أن يصبح مجمداً لحين إعمار مناطق بعينها يتم نقل الفلسطينيين إليها، وهو ما يساعد في مسألة نزع السلاح عبر عمليات عسكرية، الأمر الذي يمكن أن يكون له انعكاسات سلبية على المدنيين الأبرياء.
وأوضح أن ترامب يعمل على أن يضع النقاط الاقتصادية في مقدمة خطواته، ويعمل للإشارة إلى أن البديل سيكون حرباً موسعة، وبالتالي فهو عمل على أن يجلب أموالاً للإعمار دون إعلان خطة واضحة، ويعمل على أن تقوم الدول المتبرعة بالضغط على حماس.
كما أشار المصدر الدبلوماسي المصري إلى أن الرئيس الأمريكي في الوقت ذاته لم يتحدث عن موعد لدخول لجنة التكنوقراط لأداء مهام عملها، وهو ما يشكل نقطة خلافية مع مصر في الوقت الحالي بعد أن جرى تشكيلها وكان مقرراً أن تدخل إلى غزة قبل بداية هذا الشهر.
حسب المتحدث، فإن عدم وضع خطة واضحة لنزع السلاح يمكن أن يكون مقصوداً أيضاً من جانب ترامب وإسرائيل، لأن ذلك يعني وجود مبررات للضربات الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في حين أنه لا يمنح أي فرصة لمناقشة مستقبل حركة حماس بعد نزع سلاحها.
وسيظل ملف إعمار قطاع غزة وفقاً لما تريده الولايات المتحدة عالقاً، لأن الخطة العربية تختلف بشكل جذري عما تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل، وسيكون مرهوناً بمزيد من التوافقات بين مصر والولايات المتحدة بوجه عام.
كما أن توجيه الدفة نحو الإعمار الجزئي دون النظر إلى باقي الملفات الشائكة يبرهن على أن تعثر الاتفاق أضحى شبه محسوم في الفترة المقبلة، بخاصة أن الولايات المتحدة لا تراعي توازنات أخرى تتعلق بالدول العربية التي ترفض العربدة الإسرائيلية، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي التي اتخذت موقفاً ضد جرائم وانتهاكات الاحتلال خلال حرب غزة.
ولفت إلى أن ما تم جمعه من أموال لإعادة إعمار قطاع غزة لا يقارن بما يحتاجه القطاع، وليس معروفاً كيف يمكن أن تسير عملية الإعمار في ظل عدم السماح بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام حتى الآن، كما أنه لا توجد أي التزامات سياسية على إسرائيل التي توظف ضعف المقاومة لتنفيذ خططها.
وبالتالي فإن ما تمخض عنه اتفاق غزة هو بمثابة هروب للأمام من واشنطن لعدم وضع إسرائيل أمام أي التزامات، وتضييع للوقت وزيادة عدم اليقين، وهو ما يتطلب ضغوطاً أكبر لحسم تلك الملفات للتقدم في اتفاق غزة.
مخاوف مصرية من خطة أمريكا لـ"إعمار قطاع غزة"
شارك في الاجتماع الأول لـ"مجلس السلام" 47 دولة، بعضها أعضاء في المجلس، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي بصفة "مراقب"، وبحث الاجتماع إعادة إعمار قطاع غزة وتأمين الاستقرار بعد الحرب التي استمرت عامين.
ووصف الرئيس الأمريكي الأوضاع في غزة بأنها "معقدة"، قائلاً إن تحسين الأوضاع "أمر يتعلق بحضور هؤلاء القادة، وقادة الشرق الأوسط الأثرياء"، مؤكداً أن مجلس السلام "سيحقق إنجازات كبيرة".
في المقابل، أكد وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي على ثوابت الموقف المصري الداعم لتحقيق تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، وضرورة التنفيذ الكامل للالتزامات الدولية ذات الصلة بإنهاء الحرب في قطاع غزة.
وأكد عبد العاطي على ضرورة تمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع خلال المرحلة الانتقالية، بما يمهِّد لتمكين السلطة الفلسطينية من تحمُّل مسؤولياتها كاملة، فضلاً عن أهمية سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، إلى جانب دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية.
ويؤكد محلل سياسي مصري على صلة بدوائر صنع القرار أن القاهرة سوف تتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار عبر تجزئته، وستضغط أولاً لإدخال لجنة التكنوقراط لممارسة عملها من داخل غزة، وستعمل على تدريب القوات الشرطية التي يمكن أن تتسلم سلاح حركة حماس.
وفي المقابل، سوف تعمل القاهرة على أن تكون إجراءات نزع السلاح مقابل انسحاب إسرائيل، مع الاتجاه لتوسيع نطاق الإعمار، مشيراً إلى أن هذه الخطوات بحاجة إلى التزام من إسرائيل، وستركز عليها مصر لمزيد من الضغوط على الاحتلال.
وفق المتحدث، فإن مصر حريصة على عدم انفراط عقد اتفاق غزة، وسوف تعمل على أن يكون هناك قدر من الانضباط لمسألة تنفيذ البنود على الأرض، وزيادة عدد القوات الشرطية التي ستكون مسؤولة عن الأمن الداخلي في القطاع، مع أهمية أن يكون سحب السلاح مقابله نشر قوات تحمي المواطنين.
لكن المحلل السياسي المصري يتخوف في الوقت ذاته من أن تتجه الولايات المتحدة نحو بدء إعمار المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل، على أن تسمح لإسرائيل بشن معارك ضد الحركة، وفي تلك الحالة فإن كل التحركات ستكون بمثابة مسكنات مؤقتة لا تفضي إلى حل جذري للصراع.
وذكر نيكولاي ملادينوف، المبعوث الذي عينه ترمب للإشراف على التنسيق بعد الحرب في غزة، خلال اجتماع "مجلس السلام"، أن نحو 2000 فلسطيني سجلوا أسماءهم في جهاز الشرطة خلال الساعات الأولى من فتح باب التقديم.
فيما قال جاسبر جيفرز، اللواء في الجيش الأميركي الذي عُيّن قائداً لقوة حفظ السلام متعددة الجنسيات في غزة في الاجتماع، إن الخطة طويلة الأمد للقوة هي تدريب نحو 12 ألف شرطي للعمل في القطاع.
وأكد رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، علي شعث، أن الوضع في غزة لا يزال هشاً، ما يتطلب جهوداً متدرجة ومدروسة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، مؤكداً أن اللجنة تعمل على استعادة الأمن في القطاع تحت سلطة واحدة وسلاح واحد، ما يعزز سيادة القانون ويضع حداً لحالة التشتت.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل اتفاق غزة سيتحدد على وقع صراع مقاربات: مقاربة أميركية تمزج بين الاقتصاد والأمن تحت مظلة مجلس السلام، ومقاربة عربية تركز على التدرج والضمانات السياسية والانسحاب الكامل.
وبينهما يقف قطاع غزة أمام مرحلة انتقالية محفوفة بالتحديات، حيث قد يتحول الإعمار من أداة إنقاذ إلى ساحة اشتباك سياسي جديد، إذا لم تُحسم مسألة الانسحاب ونزع السلاح ضمن معادلة متوازنة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار والسيادة.