معركة مصرية-إثيوبية: سد النهضة والمنفذ البحري والصومال يشعلان أروقة الاتحاد الإفريقي

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/17 الساعة 12:49 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/17 الساعة 12:49 بتوقيت غرينتش
صراع بين مصر وإثيوبيا داخل أروقة الاتحاد الأفريقي/ عربي بوست

لم تكن القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي التي احتضنتها إثيوبيا مؤخراً مجرد اجتماع دوري، بل ساحة اختبار جديدة لتوازنات القوة داخل القارة، حيث عادت الملفات العالقة بين مصر وإثيوبيا إلى الواجهة، من المياه إلى الأمن البحري، وصولاً إلى وحدة الدول في القرن الإفريقي.

القمة التي انعقدت يومي 14 و15 فبراير/ شباط 2026 في أديس أبابا كشفت أن الصراع بين مصر وإثيوبيا لم يعد محصوراً في أزمة سد النهضة، بل تمدد إلى معادلات البحر الأحمر، ومآلات السودان، ومستقبل الصومال. وفي الخلفية، تنافس صامت على هندسة النظام الإقليمي داخل إفريقيا.

بينما تدفع إثيوبيا باتجاه شرعنة مسعاها للحصول على منفذ بحري باعتباره "ضرورة وجودية"، تتحرك مصر لتكريس معادلة مضادة تقوم على تحصين وحدة الدول المشاطئة للبحر الأحمر وتفعيل الأطر الإقليمية القائمة. وهكذا تحولت القمة إلى مواجهة سياسية مفتوحة، عنوانها الأمن، وجوهرها إعادة رسم خرائط النفوذ.

صراع مصر وإثيوبيا داخل الاتحاد الإفريقي

منذ انطلاق اجتماعات القمة، بدت مؤسسات الاتحاد الإفريقي وكأنها تعكس انقساماً سياسياً حاداً بين رؤيتين متعارضتين، إذ سعت القاهرة إلى تكريس أولوية الاستقرار ووحدة الدول، بينما دفعت أديس أبابا باتجاه توسيع النقاش حول ما تعتبره "حقوقاً تنموية وسيادية" في إطار إقليمي أوسع.

برز هذا الاشتباك بوضوح داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي، الذي ترأست مصر دورته الحالية، إذ أعلن المجلس إدانته ورفضه لاعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، ودعا إلى التراجع عنه، مطالباً الدول الأعضاء والشركاء الدوليين بتأكيد سيادة الصومال ووحدة أراضيه، كما شدد على ضرورة وقف القتال في السودان ورفض التدخلات الخارجية.

العلاقات بين مصر وإثيوبيا عرفت توترات خلال السنوات الأخيرة/ رويترز
العلاقات بين مصر وإثيوبيا عرفت توترات خلال السنوات الأخيرة/ رويترز

في كلمته خلال الجلسة، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على أن استقرار السودان يمثل ضرورة إقليمية ملحة لتجنب انزلاق المنطقة نحو الفوضى وانتشار السلاح، وهو ما اعتبرته مصر، وفق بيان للخارجية، "انعكاساً للدور الفاعل الذي تضطلع به في دعم منظومة السلم والأمن الإفريقي، وحرصها على تعزيز التنسيق المشترك للتعامل مع الأزمات القائمة في القارة".

لكن أديس أبابا ومحورها قدما قراءة مغايرة، فقد روجت أطراف موالية لها لعدم قدرة القاهرة على تمرير قرار يقضي بإنهاء تعليق عضوية السودان، باعتباره انتصاراً سياسياً لإثيوبيا، ووفق ما نقلته صحف سودانية، فإن أغلب أعضاء المجلس رفضوا مناقشة إنهاء تجميد العضوية استناداً إلى المادة 30 من القانون التأسيسي وإعلان لومي 2000، باستثناء مصر والجزائر.

مصدر مصري مطلع أشار إلى أن توتر العلاقات بين مصر وإثيوبيا انعكس بوضوح على كلمات القادة ولقاءات المسؤولين، معتبراً أن إثيوبيا حاولت استثمار استضافتها لمقر الاتحاد لتعزيز موقعها التفاوضي. وبحسب المصدر، فإن القاهرة تنظر إلى هذا التحرك باعتباره محاولة لخلق شرعية سياسية لمواقف تتعارض مع ميثاق الاتحاد ومبدأ احترام الحدود الموروثة.

المنفذ البحري الإثيوبي والرفض المصري

القضية الأكثر حساسية خلال القمة تمثلت في إصرار إثيوبيا على طرح مسألة حصولها على منفذ بحري. رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أعلن خلال كلمته أن "أمن القرن الإفريقي واستقراره يعتمد على حصول بلاده على منفذ بحري"، مؤكداً أن بلاده التي يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة تحتاج إلى خيارات متعددة لضمان النمو المستدام، وأضاف أن امتلاك منفذ بحري "أساسي لضمان الازدهار والنمو المستدام والاستقرار الإقليمي".

وفي رسالة نشرها باللغة العربية بمناسبة شهر رمضان، قال آبي أحمد إن "النيل العظيم هبة إلهية يجب أن يرتوي منه الجميع بالعدل والمساواة"، مضيفاً: "رغبتنا في الوصول إلى منفذ بحري ضرورة وجودية سلمية، وهي دعوة للشراكة التي لا تخدش سيادة الجوار، ولا تضر بمصالح الآخرين".

غير أن وزير الخارجية المصري أكد أن حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط، في إشارة واضحة إلى رفض أي ترتيبات تمنح إثيوبيا موطئ قدم سيادياً على هذا الممر الحيوي.

كما أعلن المسؤول الحكومي المصري أنه "يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة".

ويضم مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن 8 دول هي السعودية ومصر والصومال وإريتريا وجيبوتي والأردن والسودان واليمن، ويُنظر إليه في القاهرة كإطار حصري لإدارة أمن البحر الأحمر.

مصدر دبلوماسي مصري اعتبر أن طرح إثيوبيا لمسألة المنفذ البحري داخل أروقة الاتحاد "يبرهن على أنها تبحث عن شرعية زائفة"، محذراً من أن منحها "نقطة ارتكاز سيادية" قد يفتح الباب أمام دول حبيسة أخرى للمطالبة بإعادة رسم الحدود تحت دعاوى التنمية.

وأضاف المصدر الدبلوماسي في تصريح لـ"عربي بوست" أن مصر لم تعترض سابقاً على حصول إثيوبيا على تسهيلات ملاحية أو ترتيبات قانونية للانتفاع بالموانئ، لكنها ترفض أي صيغة تمس السيادة أو تخل بالتوازنات الحالية، خصوصاً في ظل الأوضاع المعقدة في الصومال وإريتريا.

"سد النهضة" جوهر الخلاف

رغم تعدد الملفات، يبقى سد النهضة جوهر الخلاف الاستراتيجي بين مصر وإثيوبيا، إذ أكد مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" أن القضية ما زالت "محلك سر" حتى بعد الإعلان الأميركي عن تحرك لحل الأزمة، مشيراً إلى أن المفاوضات الماراثونية التي خاضتها القاهرة على مدار سنوات لم تسفر عن اتفاق ملزم.

المصدر أوضح أن الدولة المصرية لا يمكن أن تتغاضى عن تهديد أمنها المائي، وأن أي تقارب مع أديس أبابا سيظل محدوداً ما لم يتم التوصل إلى صيغة قانونية واضحة تنظم ملء الخزان وتشغيله، خاصة في فترات الجفاف الممتد. كما شدد على أهمية التوقيع على بروتوكول ملزم لإدارة الجفاف، مع مراعاة الظروف الهيدرولوجية المختلفة.

سد النهضة أحد أبرز أسباب الأزمة بين مصر وإثيوبيا/ أرشيف
سد النهضة أحد أبرز أسباب الأزمة بين مصر وإثيوبيا/ أرشيف

وفي المقابل، قال آبي أحمد في رسالته إن "سعينا للتنمية من خلال مواردنا المائية لا يعني الانتقاص من حصة أحد"، معتبراً أن النيل يجب أن يكون "جسراً للتعاون لا ساحة للنزاع". غير أن القاهرة ترى أن التصريحات الإيجابية لا تكفي دون التزامات قانونية واضحة.

المصدر المصري أشار كذلك إلى أن من بين الخطوات الممكنة لتخفيف التوتر توسيع إثيوبيا اتفاقيات تصدير الطاقة إلى جيرانها، ما في ذلك السودان، ما يخلق مصالح اقتصادية متبادلة. لكنه لفت إلى أن توقيت أي وساطة أميركية جديدة غير واضح، في ظل انشغال واشنطن بملفات دولية أخرى.

تحالف إقليمي لفرملة التحركات الإثيوبية

في خلفية المشهد، برز ما وصفه مصدر مصري مطلع بتحالف ثلاثي مصري-تركي-سعودي خلق نقاط توازن مهمة في منطقة القرن الإفريقي، واعتبر أن هذا التحالف ساهم في الحد من اندفاعة إثيوبيا خلال الفترة الأخيرة، سواء في ملف المنفذ البحري أو في محاولات إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

المصدر رأى أن إثيوبيا قد تخفف من نبرتها العدائية في ضوء هذه التوازنات، خاصة في ظل تعقيدات الداخل الإثيوبي، ما في ذلك الاشتباكات الجديدة بين قوات إقليم تيغراي والحكومة الفيدرالية. كما أشار إلى أن إريتريا تمتلك علاقات مع تنظيمات معارضة داخل إثيوبيا، ما يزيد من كلفة أي تصعيد.

وفي ما يتعلق بإقليم "أرض الصومال"، أكد المصدر أن إثيوبيا رغم توقيعها مذكرة تفاهم لم تحذُ حذو إسرائيل في الاعتراف الرسمي بالإقليم، إدراكاً لحسابات النفوذ الصيني الاقتصادي داخلها، وما قد يترتب على خطوة كهذه من كلفة سياسية واقتصادية. كما أن الإمارات لم تتخذ الموقف الإسرائيلي ذاته، في مؤشر على إدارة حذرة للصراع.

ويتضح وفق مصدر "عربي بوست" أن القاهرة لا تتحرك منفردة، بل ضمن شبكة تحالفات إقليمية تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي يجب أن يبقى بيد دوله المشاطئة، وأن أي محاولة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية تحت عناوين تنموية ستواجه بموازين قوة مضادة.

في المحصلة، فإن المواجهة بين مصر وإثيوبيا داخل أروقة الاتحاد الإفريقي والهيئات التابعة له لم تعد خلافاً تقنياً حول سد، ولا مجرد سجال دبلوماسي حول منفذ بحري، بل صراعاً على تعريف قواعد النظام الإقليمي في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.

وبين خطاب إثيوبي يرفع شعار "الضرورة الوجودية" وخطاب مصري يتمسك بـ"أمن الدول ووحدة أراضيها"، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات تفاوض مشروط بين مصر وإثيوبيا برعاية أميركية، أو استمرار إدارة الصراع تحت سقف التوازنات الإقليمية الراهنة.

تحميل المزيد