نظرة أعمق: لماذا فشلت ليبيا والجزائر في سد فجوة الغاز الروسي لأوروبا بعد حرب أوكرانيا؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/10 الساعة 11:27 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/10 الساعة 11:27 بتوقيت غرينتش
عوامل كثيرة تعيق تعويض الغاز الليبي والجزائري للغاز الروسي في أوروبا/ عربي بوست

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، خرج الغاز من خانة الاقتصاد إلى قلب معادلة الأمن الأوروبي. لم يعد السؤال يدور حول الأسعار فقط، بل حول قابلية الاعتماد والاستمرارية وإدارة المخاطر السياسية. ومع تسارع مساعي الاتحاد الأوروبي لفك الارتباط مع روسيا، برزت مسألة تنويع الموردين بوصفها أولوية استراتيجية لا تحتمل التأجيل.

في هذا السياق، عاد جنوب المتوسط إلى الواجهة باعتباره خيارًا قريبًا جغرافيًا وأقل كلفة لوجستيًا؛ ليبيا تمتلك خطًا مباشرًا إلى إيطاليا، والجزائر تملك تاريخًا طويلًا في التوريد وبنية تصدير قائمة. وعلى الورق، بدا البلدان مؤهلين للعب دور أكبر في سد فجوة الغاز الأوروبية، خاصة مع التحول القانوني الأوروبي نحو حظر الإمدادات الروسية.

لكن بعد مرور أكثر من 3 سنوات على الحرب، تكشف الأرقام والوقائع أن الرهان لم يتحول إلى اختراق فعلي؛ فالزيادات القادمة من ليبيا والجزائر بقيت محدودة، لا بفعل نقص الاحتياطي وحده، بل بسبب قيود أعمق تتعلق بالاستقرار السياسي وأولوية الطلب المحلي وقدرة البنية التحتية في كل من ليبيا والجزائر على التشغيل المستدام.

هذا التقرير يحاول تفكيك أسباب هذا التعثر الذي يواجه صادرات ليبيا والجزائر من الغاز إلى الدول الأوروبية، والتمييز بين ما هو ممكن تقنيًا، وما يبقى مؤجلًا سياسيًا وزمنيًا.

أوروبا تقلّص الاعتماد على روسيا وتعيد توزيع المخاطر

التحول الأوروبي بعد حرب أوكرانيا لم يكن مجرد رد فعل تكتيكي على اضطراب الإمدادات، بل تحوّل إلى مسار قانوني مُلزم يعيد تعريف العلاقة بين الطاقة والسيادة السياسية.

ففي 26 يناير/ كانون الثاني 2026، اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي لائحة تنص على حظر تدريجي لواردات الغاز الروسي، سواء المنقول عبر الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال، في خطوة هدفت إلى قطع أي إمكانية مستقبلية لاستخدام الطاقة كورقة ضغط جيوسياسية داخل الاتحاد.

بعد أيام قليلة، شدّد مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن على أن القرار يتمتع بصلابة قانونية عالية، وأنه لا يستهدف السوق بقدر ما يستهدف "تحرير الأمن الطاقي الأوروبي من الابتزاز السياسي"، رغم اعتراضات دول أعضاء ترى في الحظر مخاطرة اقتصادية قصيرة الأجل.

بهذا المعنى، لم يعد ملف الغاز خاضعًا لحسابات السعر والطلب فقط، بل دخل صلب المنظومة القانونية والأمنية للاتحاد الأوروبي.

هذه الخلفية تفسر سبب سلوك أوروبا مسارين متوازيين: البحث عن موردين قريبين جغرافيًا لتقليص المخاطر اللوجستية، وفي الوقت نفسه عدم انتظار اختراقات إنتاجية غير مضمونة من ليبيا والجزائر.

لذلك، اتجه الاتحاد سريعًا إلى سوق الغاز المسال بوصفه الخيار الأسرع والأكثر مرونة، قبل أن يعود لتقييم جنوب المتوسط بمنطق أكثر براغماتية، قائم على القدرة التشغيلية الفعلية واستقرار التدفقات، لا على حجم الاحتياطي النظري أو الوعود السياسية.

خطوط إمداد الغاز الروسي نحو أوروبا/ رويترز
خطوط إمداد الغاز الروسي نحو أوروبا/ رويترز

ليبيا: خط إلى إيطاليا وتدفقات تهبط إلى القاع

تمتلك ليبيا خط تصدير بحري مباشر إلى إيطاليا عبر "غرينستريم" بطاقة تقارب 8 مليارات متر مكعب سنويًا. هذا المعطى ظل لسنوات يُقدَّم في الخطاب الأوروبي بوصفه ميزة جيوسياسية جاهزة، تسمح لليبيا بلعب دور فوري في تعويض جزء من الإمدادات الروسية.

لكن الواقع التشغيلي سار في الاتجاه المعاكس، كاشفًا الفجوة بين البنية المتاحة والقدرة على تشغيلها باستقرار.

في 2025، أفادت نشرة "Middle East Economic Survey" بأن التدفقات عبر الخط هبطت إلى نحو 105 ملايين قدم مكعب يوميًا، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين. هذا التراجع لا يعكس فقط خللًا ظرفيًا، بل يشير إلى نمط مستمر من الانقطاعات وعدم انتظام الإمداد، ما يُفقد الخط قيمته كأداة موثوقة في حسابات أمن الطاقة الأوروبية.

كما قدّرت وكالة نوفا الإيطالية واردات إيطاليا من الغاز الليبي بنحو مليار متر مكعب فقط، بانخفاض يقارب 30% مقارنة بعام 2024، مع تراجع حصة ليبيا إلى أقل من 2% من إجمالي الواردات. بهذه الأرقام، انتقلت ليبيا عمليًا من خانة "المورد البديل المحتمل" إلى مورد هامشي، يصعب إدماجه في التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.

تحليل "مركز برشلونة للشؤون الدولية" يربط هذا التراجع مباشرة بانقسام الدولة الليبية وتعقيدات السيطرة على البنية التحتية، ويخلص إلى أن التعويل على ليبيا كمصدر إضافي للغاز في الأمد القريب غير واقعي. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة تقنية بحتة، بل سياسية-مؤسساتية، تتعلق بمن يملك القرار ومن يضمن الاستمرارية.

سقف ليبيا: الغاز بالكاد يغطي الطلب المحلي

في مداخلة خاصة، يضع الخبير النفطي الليبي محمد الشحاتي سقفًا أكثر تحفظًا، يعيد النقاش من مستوى الجغرافيا السياسية إلى مستوى ميزان الطاقة الداخلي. ليبيا، بحسبه، لا تمتلك احتياطات غاز تؤهلها لمنافسة كبار المنتجين، والاحتياطي الحالي بالكاد يكفي لتلبية الطلب المحلي، خصوصًا الكهرباء.

هذا التقدير يُدخل عنصرًا غالبًا ما يُهمل في النقاش الأوروبي، وهو أن ليبيا نفسها تعاني هشاشة في منظومة الطاقة الداخلية، وأن أي حديث عن التصدير يظل سابقًا لأوانه ما لم تُحل معضلة الإمداد المحلي والانقطاعات الكهربائية.

وفق هذا المنطق، فإن أي زيادة تصديرية ستظل مشروطة أولًا بقدرة المنظومة على تأمين الاستهلاك الداخلي، ما يجعل دور ليبيا الخارجي ثانويًا بطبيعته في المدى المنظور. هنا، يتحول الغاز من ورقة جيوسياسية محتملة إلى ملف سيادي داخلي، يفرض أولويات لا يمكن تجاوزها بضغط خارجي.

نافذة تحسّن تقنية: وقف الحرق بدل انتظار الاكتشافات

في مقابل هذا السقف الصارم، تبرز مقاربة أقل كلفة وأكثر سرعة، لا تقوم على اكتشافات جديدة أو استثمارات ضخمة، بل على تقليل الهدر القائم.

في هذا السياق، يبرز خيار تقليل حرق الغاز بوصفه المسار الأكثر واقعية على المدى القصير.
د. مارك ديفيس، الرئيس التنفيذي لشركة "Capturiant" البريطانية، يرى أن بضعة مليارات أمتار مكعبة يمكن استعادتها خلال 12–24 شهرًا عبر ربط مواقع الحرق، خصوصًا في شرق حوض سرت، بشبكات قائمة ذات سعة فائضة. أهمية هذا الطرح أنه يفترض وجود غاز مُنتَج أصلًا لكنه غير مُستَغَل، وأن المشكلة تكمن في غياب الصيانة والبيانات والحوافز التجارية.

هذه المقاربة تجد سندًا في تقرير حديث للبنك الدولي، الذي أشار إلى أن حرق الغاز عالميًا بلغ 151 مليار متر مكعب في 2024، وهو أعلى مستوى منذ 2007، ما يعيد القضية إلى قلب نقاش أمن الطاقة، لا بوصفها مسألة بيئية فقط، بل كخسارة مباشرة في الإمدادات.

ماذا تقول الرواية الرسمية الليبية؟

في مقابل التقديرات المتحفظة والتحليلات التقنية، قدّمت السلطات الليبية سردية أكثر تفاؤلًا. ففي 3 فبراير/ شباط 2026، نقلت رويترز عن مسعود سليمان، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، أن ليبيا تستهدف رفع إنتاج الغاز إلى قرابة مليار قدم مكعب يوميًا، وزيادة الصادرات إلى أوروبا بحلول 2030، مع بدء حفر الغاز الصخري في النصف الثاني من 2026.

هذه التصريحات ترسم أفقًا مختلفًا، يقوم على استعادة دور ليبيا كمصدر غاز إقليمي خلال السنوات المقبلة، لكنها تظل، في نظر المراقبين، مشروطة بعاملين حاسمين: الاستقرار السياسي طويل الأمد، وقدرة البلاد على جذب استثمارات كبرى وتحويل الخطط إلى إنتاج فعلي. بذلك، تبقى الرواية الرسمية طموحة، لكنها غير كافية وحدها لتغيير موقع ليبيا في الحسابات الأوروبية الراهنة.

الجزائر: مورد موثوق لكن السقف ليس مفتوحًا

تبدو الجزائر أكثر استقرارًا من حيث الدولة والعقود والبنية التحتية، وهو ما منحها موقعًا متقدمًا في الحسابات الأوروبية فور اندلاع الحرب في أوكرانيا.

فالجزائر ليست موردًا طارئًا، بل شريكًا طاقيًا قديمًا لجنوب أوروبا، مع شبكة أنابيب قائمة نحو إيطاليا وإسبانيا، وتجربة طويلة في الالتزام بالعقود طويلة الأمد. غير أن هذا الاستقرار نفسه كشف سريعًا أن الموثوقية لا تعني بالضرورة وجود قدرة فائضة مفتوحة.

تحليل مركز الطاقة بجامعة كولومبيا يشير إلى تراجع صادرات الغاز المسال الجزائرية إلى أوروبا في 2025، بسبب صيانة مطولة في مجمع سكيكدة وتوازنات السوق والطلب المحلي.

هذا التراجع يسلّط الضوء على هشاشة عنصر غالبًا ما يُفترض أنه مضمون: استمرارية التشغيل. فحتى في دولة مستقرة نسبيًا، يمكن لعوامل تقنية وصناعية أن تُقيّد قدرة التصدير لفترات ممتدة.

إحدى محطات توليد الغاز في الجزائر/ getty images
إحدى محطات توليد الغاز في الجزائر/ getty images

كما أن الطلب المحلي الجزائري، المدفوع بالاستهلاك المنزلي وتوليد الكهرباء ودعم الأسعار، يفرض هو الآخر سقفًا سياسيًا واقتصاديًا على التوسع التصديري. ومع غياب قفزات استثمارية كبرى في الإنتاج أو المعالجة، يصبح الحفاظ على مستوى الصادرات بحد ذاته إنجازًا، لا زيادتها.

وفي مداخلة خاصة، يرى "مركز برغل" أن ليبيا والجزائر ستظلان موردين هامشيين نسبيًا للاتحاد الأوروبي خلال 2–5 سنوات، مع بقاء صادرات الجزائر في نطاق شبه ثابت ما لم تُضَخ استثمارات توسعية كبيرة. هذا التقدير لا يشكك في دور الجزائر، بل يعيد تعريفه: مورد موثوق ضمن حدود، لا بديلًا استراتيجيًا واسع النطاق.

بهذا المعنى، تختلف الجزائر عن ليبيا في طبيعة المشكلة لا في نتيجتها. فبينما تعاني ليبيا من عجز سياسي وتشغيلي، تواجه الجزائر قيودًا هيكلية ناتجة عن مزيج من الطلب الداخلي وإيقاع الاستثمار والحسابات الاجتماعية المرتبطة بالطاقة.

الجوار وشرق المتوسط وأفق 5 إلى 10 سنوات

المحلل السياسي الجزائري حسين جيدل، في مداخلة خاصة لـ"عربي بوست"، أضاف طبقة تفسير إقليمية تتجاوز الأرقام والتدفقات، وتربط ملف الطاقة مباشرة بمسار التسوية السياسية والأدوار الإقليمية المحيطة بليبيا. في هذه القراءة، لا يُنظر إلى الغاز بوصفه موردًا تقنيًا يمكن فصله عن البيئة السياسية، بل كنتاج مباشر لتوازنات السلطة والاستقرار وحدود النفوذ.

يدعو جيدل إلى دور فاعل لدول الجوار، ليس من زاوية الوساطة الشكلية، بل من خلال العودة إلى الملف الليبي دون انحياز لطرف، والعمل بالتوازي مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وجمع أطراف الشرق والغرب وفاعلي المجتمع المدني لصياغة توافق.

هذه الدعوة تعكس قناعة بأن إعادة تشغيل الدولة الليبية، بما فيها قطاع الطاقة، تمر عبر مسار توافقي طويل ومعقّد، لا يمكن اختزاله في تفاهمات ثنائية أو حلول تقنية سريعة.

وفي ملف الغاز، يرى جيدل أن ليبيا قد تصبح موردًا مهمًا لأوروبا خلال 5 إلى 10 سنوات إذا توفرت الاستثمارات وتهيأت البيئة السياسية. هذا الأفق الزمني الطويل ينسجم مع تقديرات مراكز الأبحاث الغربية، ويضع الرهان الليبي في خانة البدائل المستقبلية لا الحلول العاجلة، ويُبقي دور ليبيا مرهونًا بإعادة بناء مؤسسات الدولة قبل توسيع حضورها الطاقي خارجيًا.

ويطرح جيدل كذلك قراءة سياسية أوسع لدور الولايات المتحدة في أسواق الطاقة، بوصفه عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل خرائط الإمداد والتحالفات، لا من خلال الإنتاج المباشر فقط، بل عبر إدارة السوق وتشجيع مسارات بعينها واحتواء أخرى. هذا الجزء يُقدَّم بوصفه تحليلًا سياسيًا منسوبًا إلى جيدل، وليس كحقائق تقريرية محسومة، ما يضعه في إطار التفسير الاستراتيجي لا الاستنتاج القطعي.

الرهان ليس على الغاز بل على القدرة على تشغيله

أعادت حرب أوكرانيا تشكيل سوق الغاز الأوروبية، لكنها كشفت بوضوح أن الاحتياطي وحده لا يصنع أمنًا طاقيًا.

جنوب المتوسط يملك القرب الجغرافي والبنية الأساسية، لكنه يصطدم في ليبيا بهشاشة الدولة وأولوية الداخل، وفي الجزائر بسقف توسع يحتاج زمنًا واستثمارات وإصلاحات في الكفاءة والاستهلاك.

بين الأجل القصير والطويل، يتبيّن أن الرهان الأوروبي لم يكن خاطئًا بقدر ما كان مبالغًا في توقيته. فبدائل جنوب المتوسط ليست وهمًا، لكنها ليست حلولًا فورية.

وفي سوق باتت تُدار بمنطق المخاطر لا الوفرة، يبقى العامل الحاسم واحدًا: القدرة على تحويل السياسة إلى تشغيل فعلي، والتعهدات إلى تدفقات مستقرة.

تحميل المزيد