التقارب المصري–التركي: شراكة عسكرية واقتصادية لمواجهة تهديدات المنطقة والتوسع أفريقيًا

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/05 الساعة 13:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/05 الساعة 13:35 بتوقيت غرينتش
العلاقات بين تركيا ومصر تصل إلى مرحلة التعاون الاستراتيجي/ عربي بوست

عكست زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، ولقاؤه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تحوّلًا نوعيًا في مسار العلاقات بين تركيا ومصر، تجاوز منطق إعادة التطبيع أو تحسين العلاقات الثنائية، ليؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، وتنسيقًا إقليميًا أوسع في ملفات شديدة الحساسية.

الزيارة، التي توّجت بتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، أظهرت تقاربًا لافتًا في الرؤى تجاه أزمات المنطقة، من غزة إلى القرن الأفريقي، ومن البحر الأحمر إلى ليبيا والسودان، في ظل إدراك مشترك بأن تصاعد التهديدات الإقليمية يستدعي بناء شراكات قادرة على إدارة الأزمات من داخل الإقليم، بعيدًا عن الارتهان للتدخلات الخارجية.

وبحسب مصادر مصرية مطلعة على المباحثات، فإن ما جرى في القاهرة لا يقتصر على تفاهمات ثنائية، بل يفتح الباب أمام تحركات مشتركة في أفريقيا، وتعميق التعاون في الصناعات الدفاعية، وبناء شبكة تنسيق أمني وسياسي قد تتطور مستقبلًا إلى صيغة تحالف إقليمي، يهدف إلى امتلاك أوراق قوة مستقلة نسبيًا، وإعادة صياغة توازنات المنطقة.

من التعاون الثنائي إلى شراكة استراتيجية شاملة

قال مصدر مصري مطلع إن زيارة الرئيس التركي نقلت العلاقات بين القاهرة وأنقرة من مستوى التعاون الثنائي إلى مرحلة التنسيق لبناء شراكات سياسية واقتصادية تتحرك فيها الدولتان سويًا في بقاع جيوسياسية متعددة. ولفت إلى أن الأمر لم يعد مرتبطًا بتحقيق مكاسب مباشرة لكل دولة على حدة، بل بالبحث عن مصالح مشتركة أوسع، خاصة في القارة الأفريقية.

المصدر أوضح لـ"عربي بوست" أن المباحثات عكست توافقًا على تقديم يد العون للدول التي تواجه أزمات داخلية، ومساعدتها على التماسك في مواجهة مشاريع التقسيم الراهنة، التي تقودها إسرائيل بدعم أميركي، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس رؤية مشتركة ترى أن تفكيك الدول في الإقليم يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والتركي على حد سواء.

هذا التحول، وفق المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلًا عدم ذكر اسمه، يعكس انتقال تركيا ومصر من مرحلة التنافس غير المباشر إلى منطق التشارك الاستراتيجي، بما يسمح بتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية لكلا الطرفين، ويعزز من قدرتهما على التأثير في الملفات الإقليمية الكبرى.

العلاقات بين تركيا ومصر شهدت تطورا كبيرا/ عربي بوست
العلاقات بين تركيا ومصر شهدت تطورا كبيرا/ عربي بوست

أفريقيا في صلب التفاهمات بين تركيا ومصر

بحسب المصدر ذاته، شهدت الزيارة توافقًا حول كيفية الاستفادة من الصناعات المشتركة في مجالات عسكرية وصناعية مختلفة، والتوجه نحو التصدير إلى دول القارة الأفريقية. إذ إن أنقرة تنظر إلى القاهرة باعتبارها بوابة استراتيجية لها نحو أفريقيا، في حين ترى مصر أن تطور القدرات الصناعية والتكنولوجية التركية يفتح لها منافذ جديدة لتعزيز حضورها الاقتصادي والصناعي في القارة.

ولفت المتحدث إلى أن التعاون لن يقتصر على الصناعات العسكرية، بل سيمتد إلى نقل التكنولوجيا والبنية التحتية وصناعات السيارات وبعض الصناعات المدنية إلى دول أفريقية، إلى جانب التعاون في مجالات الطيران والسياحة والغاز الطبيعي واستكشاف المعادن والتصنيع الطبي وتطوير الموانئ وشبكات الطرق العامة.

المباحثات بين تركيا ومصر، وفق مصدر "عربي بوست"، تناولت أيضًا تقديم تسهيلات لحركة دخول وخروج الوفود التجارية بين البلدين، وهو ما من شأنه تعزيز التعاون في المجالات الصناعية المختلفة في البلدين، وخلق شبكات إنتاج وتصدير مشتركة تستهدف الأسواق الأفريقية.

تعاون دفاعي وبناء شبكة تنسيق إقليمي

وفق المصدر المطلع على زيارة أردوغان إلى القاهرة ولقاء السيسي، فإن المباحثات بين تركيا ومصر تطرقت إلى بناء شبكة إقليمية من التنسيق الدفاعي والأمني، انطلاقًا من الاتفاق الإطاري العسكري بين البلدين، مرجحًا أن يتطور هذا الاتفاق مستقبلًا إلى صيغة تحالف تكاملي إسلامي.

وبيّن أن هذا التوجه يهدف إلى إدارة الأزمات الإقليمية بدل تركها رهينة التدخلات الخارجية، والسعي إلى امتلاك أوراق قوة مستقلة نسبيًا، تتيح للدول الإقليمية، وفي مقدمتها مصر وتركيا والسعودية، فرض شروطها في التسويات المقبلة، بدلًا من الاكتفاء بدور المتلقي للقرارات الدولية.

وشدد المصدر على أن هذا النوع من التعاون بين تركيا ومصر يُعد "من أرقى أشكال الشراكات الاستراتيجية" على حد تعبيره، موضحًا أنه يربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد، ويعزز قدرة الدول على حماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

ولفت المصدر ذاته إلى أن الاتفاقيات العسكرية بين تركيا ومصر شملت تعزيز التعاون في مجال التصنيع الدفاعي المشترك، إلى جانب حصول مصر على مزيد من الطائرات المسيّرة التركية من طراز "بيرقدار أقنجي".

كما تناولت المباحثات استكمال أطر التصنيع المشترك لإنتاج طائرة بدون طيار ذات إقلاع عمودي (VTOL) داخل مصر، إلى جانب تطوير طائرة مسيّرة أخرى تحمل اسم "حمزة 1″، في إطار التعاون الصناعي المصري–التركي.

كما أشار إلى أن الاتفاقيات الدفاعية تطرقت إلى التعاون في تصنيع المركبات المدرعة والأنظمة البحرية ومنصات الدفاع الجوي وتقنيات الطائرات بدون طيار وأنظمة الحرب الإلكترونية وحلول القيادة والسيطرة ومعدات الحماية المتقدمة، بما يعكس اتجاهًا نحو شراكة دفاعية طويلة الأمد.

اتفاقيات رسمية تؤسس لمرحلة جديدة

تضمنت المذكرات الموقعة بين الجانبين الاتفاقية العسكرية الإطارية بين حكومة جمهورية مصر العربية وحكومة جمهورية تركيا، التي وقعها عن الجانب المصري الفريق أول عبد المجيد صقر، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، وعن الجانب التركي وزير الدفاع الوطني يشار غولر، وفقًا لوكالة الأنباء الرسمية المصرية.

واستضافت القاهرة الاجتماع الثاني لـ"مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى" برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب أردوغان، حيث وقع الزعيمان إعلانًا مشتركًا أكدا فيه التزامهما بتطوير العلاقات على أساس الاحترام والمنفعة المتبادلة.

وشهدت الزيارة توقيع عدد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم بين تركيا ومصر في مجالات الدفاع والاستثمار والتجارة والزراعة والصحة والشباب والرياضة والحماية الاجتماعية.

وقال السيسي، في كلمته خلال مؤتمر صحافي مشترك، إن الاجتماع مثّل "فرصة ثمينة لمواصلة المشاورات العميقة بين البلدين"، واصفًا المباحثات بأنها جرت "على درجة عالية من التفهم"، ومؤكدًا العزم المشترك على تعزيز التعاون في مختلف المجالات.

من جانبه، قال أردوغان إن بلاده ترغب في الاستفادة من "روابط الأخوة" بين مصر وتركيا للمساهمة في رفاه الشعبين واستقرار المنطقة، مشيرًا إلى أن الفترة بين الاجتماع الأول والثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي شهدت نحو 50 زيارة رسمية متبادلة بين الجانبين على مختلف المستويات.

وأكد الإعلان المشترك عزم البلدين على تعزيز التنسيق في المحافل الدولية والإقليمية، ودعم الجهود العالمية لمواجهة التحديات المشتركة، بما في ذلك السلم والأمن الدوليين والتنمية المستدامة وتغير المناخ والأمن الغذائي.

التطورات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي من أسباب التقارب بين تركيا ومصر/ عربي بوست
التطورات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي من أسباب التقارب بين تركيا ومصر/ عربي بوست

توافق إقليمي وأمن مشترك

قال مصدر مصري مطلع إن تطور التعاون الدفاعي والشراكة الاقتصادية يعزز التقارب في التعامل مع ملفات أمنية وسياسية معقدة، مشيرًا إلى وجود توافق مصري–تركي بشأن النقاط التي يمكن التفاوض حولها في الملف النووي الإيراني، والعمل على فرملة التصعيد الأميركي–الإسرائيلي في المنطقة.

وأوضح المصدر في تصريح لـ"عربي بوست" أن البلدين يتوافقان على أن إسرائيل تمثل الخطر الأكبر على أمن الإقليم، وأنه لا مصلحة في توجيه ضربة عسكرية لإيران أو زعزعة استقرارها، إلى جانب تنسيق مشترك بشأن السودان وليبيا والقرن الأفريقي.

كما شدد المصدر الذي تحدث للموقع شريطة عدم ذكر اسمه على أن التعاون بين تركيا ومصر بعد الزيارة قابل للتطوير والاستمرار، خاصة أن تركيا تُعد من وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأن البلدين عضوان في مجموعة الثماني الإسلامية.

وأشار إلى أن مصر وتركيا تنظران إلى أمن البحر الأحمر والصومال باعتبارهما ملفين مترابطين، وأن استقرار الصومال جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة العربية، محذرًا من أن أي اضطراب داخلي قد يفتح المجال أمام قوى غير دولية أو إقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل، لاستغلال موقعه الجغرافي.

وتعكس زيارة أردوغان إلى القاهرة، بالتزامن مع زيارته إلى السعودية، توجهًا لبناء تنسيق إقليمي أوسع يربط بين قطاع غزة والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، في رسالة مفادها أن هذه الملفات لم تعد قابلة للإدارة بشكل منفصل، يقول المصدر المصري المطلع لـ"عربي بوست".

تحميل المزيد