تلكؤ أميركي–إسرائيلي يعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/04 الساعة 11:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/04 الساعة 11:58 بتوقيت غرينتش
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تواجه عوائق أمريكية وإسرائيلية/ عربي بوست

تواجه المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيدات متزايدة، في ظل ما تصفه مصادر مصرية بتلكؤ أميركي–إسرائيلي، وغياب خطوات تنفيذية حقيقية على الأرض، رغم مرور أسابيع على الإعلان عن الانتقال إليها. هذا الجمود يضع القاهرة والوسطاء في موقف حرج، وسط تصاعد المخاوف من انهيار المسار برمّته.

وبينما تنشغل واشنطن بتطورات إقليمية متسارعة، على رأسها التصعيد مع إيران، يستمر الاحتلال الإسرائيلي في فرض وقائع ميدانية تعيق الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، سواء عبر تعطيل نشر "قوة الاستقرار" أو من خلال الاستهداف اليومي للفلسطينيين داخل قطاع غزة المحاصر.

في المقابل، تكثّف القاهرة تحركاتها الإقليمية والدولية للحفاظ على ملف قطاع غزة في صدارة الاهتمام، خشية أن يؤدي خلط الأوراق الإقليمية إلى تمييع الالتزامات وفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، في مقدمتها التهجير وتصفية القضية الفلسطينية تدريجيًا.

جمود المرحلة الثانية وإحراج القاهرة

دخلت المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ما يشبه النفق المظلم، في ظل الانشغال الأميركي بالتصعيد الحالي ضد إيران، وتزايد الضغوط الإسرائيلية على إدارة الرئيس دونالد ترامب للمضي قدمًا في التصعيد لتحقيق مكاسب في حال اندلاع حرب مع طهران.

وتُصوَّر الموافقة على فتح معبر رفح على أنها مؤشر تقدم، رغم أن هذه الخطوة ترتبط أساسًا بالمرحلة الأولى، بعد أن أفرجت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن جميع المحتجزين الإسرائيليين الذين كانت تحتجزهم في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحسب مصادر مطلعة صرحت لـ"عربي بوست"، فإن ملفات أساسية مثل انتقال لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع، ونشر قوة الاستقرار الدولية، واتخاذ إجراءات تمهيدية لإعادة إعمار قطاع غزة، لا تزال مجمدة، وهو ما يشكل إحراجًا واضحًا للقاهرة والوسطاء.

اجتماع سابق للقادة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة/ رويترز
اجتماع سابق للقادة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة/ رويترز

مصدر مصري مطلع قال إن القاهرة تخشى من عراقيل إسرائيلية وأميركية تعطل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مشيرًا إلى أنه رغم مرور ما يقرب من 40 يومًا على إعلان الانتقال إليها، فإن الخطوات على الأرض تكاد تكون معدومة.

وأوضح المصدر مفضلًا عدم ذكر اسمه، أن الإجراءات المعلنة اقتصرت على ترتيبات تمت خارج قطاع غزة، سواء ما يتعلق بتشكيل لجنة إدارة غزة، أو مجلس السلام غير المعروف المهام، أو اللجنة التنفيذية التي أعلن الرئيس ترامب عن تشكيلها دون أن تمارس دورًا واضحًا حتى الآن.

المصدر الذي صرح لـ"عربي بوست" أضاف أن جمود نشر قوة الاستقرار في قطاع غزة، إلى جانب إصرار الاحتلال الإسرائيلي على نزع سلاح حركة حماس دون تقديم ضمانات للانسحاب الكامل من القطاع، يعكس غياب نية حقيقية لتنفيذ البنود المتعلقة بالمرحلة الثانية من الاتفاق.

تحركات دبلوماسية مصرية وحشد عربي–إسلامي

تعمل مصر على بلورة موقف عربي وإسلامي موحد للضغط على إسرائيل من أجل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة دون عراقيل، وفق ما صرح به المصدر المصري لـ"عربي بوست".

وفي هذا السياق، تأتي تحركات وزير الخارجية بدر عبد العاطي في السعودية والإمارات، والاتصالات مع تركيا وقطر، في إطار تنسيق المواقف حول قضايا تمس الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها غزة والسودان.

وأشار المتحدث إلى أن القاهرة ترى أن خطر التهجير يتزايد لا يتراجع، وأن فتح معبر رفح بشكل شكلي، مع استمرار التضييق على الداخلين إلى القطاع وعدم العودة إلى اتفاقية المعابر، يؤكد، من وجهة نظر القاهرة، أن إسرائيل لا تتجه فعليًا إلى المرحلة الثانية، بل تعمل على جعل القطاع طاردًا وغير قابل للحياة.

تحديات لجنة التكنوقراط وغياب قوة الاستقرار

لفت مصدر "عربي بوست" إلى أن ما تحقق من خطوات إجرائية قد لا يتحول إلى خطوات تنفيذية، حتى في حال دخول لجنة التكنوقراط إلى غزة، نظرًا إلى جملة من التحديات، أبرزها السيطرة الأمنية الإسرائيلية شبه الكاملة على القطاع، وعدم رغبة الاحتلال في نشر قوة الاستقرار الدولية التي من شأنها تسهيل عملية تسليم إدارة غزة من حماس إلى اللجنة.

كما أشار إلى أن السيطرة الإسرائيلية على معبر رفح من الجانب الفلسطيني، والتضييق على دخول المساعدات، يحولان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة إلى إجراء شكلي، ويعطلان زيادة المساعدات، وإدخال مواد الإعمار، وتمهيد الشوارع، وإطلاق مسارات التعافي المبكر.

وبحسب المصدر ذاته، فإن نحو 70% من سكان قطاع غزة باتوا بلا مساكن، ويعيشون في مخيمات، وهو وضع لا يمكن استمراره طويلًا، ما يجعل البديل المطروح عمليًا هو سيناريو التهجير بأشكال مختلفة.

وأضاف أن التعقيدات الإسرائيلية التي تُفرض على عمل لجنة التكنوقراط، وآخرها الاعتراض على شعار اللجنة، تؤكد أن إسرائيل لا تسعى فقط لعرقلة الاتفاق أو تأجيله، بل لعدم تنفيذه من الأساس، في وقت تعمل فيه مصر على حشد دعم دولي لإحياء المرحلة الثانية وسط اختلاط الأوراق إقليميًا.

التصعيد مع إيران وتأثيره على غزة

يلوّح في الأفق شبح مواجهة أوسع بين الولايات المتحدة وإيران، تعيد خلط الأولويات في المنطقة، وسط تحركات إسرائيلية تثير مخاوف إضافية. ويعتقد المصدر المصري أن أي ضربة تستهدف طهران ستدخل إسرائيل فيها عمدًا لخلط أوراق تنفيذ المرحلة الثانية، والتغطية على جرائمها، وربما تعطيل الاتفاق كليًا.

وفي 13 يونيو/حزيران 2025، شنت إسرائيل بدعم أميركي هجومًا على إيران استمر 12 يومًا، استهدف مواقع عسكرية ونووية ومنشآت مدنية، واغتيال قادة وعلماء، فيما ردت إيران باستهداف مقرات عسكرية واستخبارية إسرائيلية. وخلال تلك الفترة، تراجع الحديث عن أوضاع غزة، رغم عدم التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار.

وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة ألقاها أمام طلاب أكاديمية الشرطة، إن الأزمة الإيرانية تتصاعد وقد يكون لها تأثير على المنطقة، مؤكدًا أن مصر تبذل جهدًا كبيرًا بهدوء للدفع نحو الحوار وخفض التصعيد، محذرًا من تداعيات خطيرة، أمنيًا واقتصاديًا، في حال اندلاع اقتتال واسع.

في المقابل، أكد محافظ شمال سيناء استعداد القاهرة لدعم إعادة إعمار قطاع غزة، معربًا عن تفاؤله باستكمال المرحلة الثانية رغم العقبات، موضحًا أن مصر تعمل وفق خطة معتمدة من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي منذ مارس/ آذار 2025، تمتد 5 سنوات، وتُقدّر كلفتها بنحو 53 مليار دولار، دون تهجير الفلسطينيين.

خريطة توضح منطقة الخط الأصفر في جنوب قطاع غزة
خريطة توضح منطقة الخط الأصفر في جنوب قطاع غزة

هواجس دبلوماسية وتراجع أولوية غزة

بحسب مصدر دبلوماسي مصري، تخشى القاهرة أن تشهد المنطقة تحولات تقلّص حضور ملف غزة في صدارة الأولويات، وتسعى لمنع إسرائيل من استغلال التطورات الراهنة، سواء عبر المشاركة في صراعات مستقبلية أو توظيفها لتوسيع خططها التخريبية داخل القطاع.

وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستغل حالة الاستنفار الدولي للترويج لوجود أخطار تحيط بإسرائيل، بما يتيح له تأجيل أي خطوات تتعلق باستكمال خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة، وهو ما يدفع مصر وتركيا والسعودية إلى العمل على إعادة توجيه البوصلة نحو أزمات تهدد استقرار المنطقة.

ولفت المصدر الدبلوماسي إلى هواجس مصرية من أن تنفيذ بعض بنود المرحلة الثانية قد يُربط فقط بما يخدم المصالح الإسرائيلية، عبر الضغط الأميركي لنزع سلاح حركة حماس، دون ضغط موازٍ لانسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها، ما يطيل أمد التنفيذ ويقوّض آمال الإعمار وجعل القطاع قابلًا للحياة.

وأضاف أن جزءًا كبيرًا من تحركات الوسطاء، مصر وتركيا وقطر، لتخفيف التوتر بين واشنطن وطهران، يرتبط بالحفاظ على القضية الفلسطينية في صدارة المشهد، ومنع إسرائيل من الاستفادة من أي ضربة عسكرية، بما يضمن إجبارها على تنفيذ الاتفاق.

خرق ممنهج للاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة

المصدر الدبلوماسي الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلًا عدم ذكر اسمه، أكد أن إسرائيل تبعث يوميًا رسائل تؤكد عدم جديتها في الانتقال إلى المرحلة الثانية، مستشهدًا بتوالي الضربات التي تستهدف مدنيين عزلًا في مناطق بعيدة عن سيطرتها، داخل ما تسميه "الخط الأصفر".

وأشار إلى أن صمت الإدارة الأميركية وعدم إدانتها لهذه الانتهاكات يوفر غطاءً لاستمرارها، رغم التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب، لافتًا إلى تسجيل أكثر من 1500 خرق خلال نحو 100 يوم، في إطار تجاوزات ممنهجة لا ترقى إلى عمليات نوعية.

فيما تبذل مصر والوسطاء كل الجهود لإنجاح الاتفاق، لكن الانتهاكات الإسرائيلية تقوض هذه المساعي، في ظل غياب التزام مقابل من جانب إسرائيل، التي وصفها بأنها تتصرف كـ"دولة مارقة"، ما يحرم الاتفاق من أرضية صلبة للصمود أو لتحقيق نتائج تقود إلى إقامة دولة فلسطينية.

وتنص خطة ترامب لغزة، في مرحلتها الثانية، على تسليم الحكم للجنة تكنوقراط فلسطينية، ونزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإطلاق إعادة الإعمار بمشاركة قوة استقرار دولية، رغم استمرار الهجمات الإسرائيلية التي كان آخرها هجوم أسفر عن مقتل 30 شخصًا.

وسمحت إسرائيل بتشغيل محدود لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني بالاتجاهين، للمرة الأولى منذ احتلاله في مايو/ أيار 2024، رغم أن الاتفاق نص على فتحه منذ المرحلة الأولى التي بدأت في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات مع نظيريه الفنلندي والبرتغالي، شدد خلالها على ضرورة الإسراع في نشر قوة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ودعم لجنة إدارة غزة، وضمان تدفق المساعدات والانسحاب الإسرائيلي.

كما دعت 8 دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك، إلى الالتزام الكامل بإنجاح المرحلة الثانية من خطة السلام، محذّرة من أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة تشكل تهديدًا مباشرًا للعملية السياسية، وتعرقل الانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا في قطاع غزة.

تحميل المزيد