فرنسا تعود إلى الساحة اللبنانية: هدفها “ضبط” بيروت قبل أي هجوم أمريكي على إيران

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/29 الساعة 14:19 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/29 الساعة 14:20 بتوقيت غرينتش
لبنان في قلب التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة لإيران/ عربي بوست

في زيارة غير معلنة استمرت أيامًا، وصل مسؤول رفيع في المخابرات الخارجية الفرنسية إلى بيروت خلال الأسبوع الماضي، حيث أجرى لقاءات أمنية وسياسية بعيدة عن الإعلام، من بينها تواصل مباشر مع حزب الله، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية تشهده المنطقة على وقع تصعيد متسارع بين واشنطن وطهران.

تأتي هذه الخطوة في ظل تحولات لافتة في مقاربة باريس للملف اللبناني، بعدما تراجع دورها السياسي لصالح مقاربات أمريكية أكثر تشددًا، خصوصًا في ما يتعلق بآليات ضبط الجنوب ومستقبل لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية. ما دفع فرنسا إلى إعادة تفعيل قنواتها الأمنية التقليدية، سعيًا إلى احتواء تداعيات أي مواجهة محتملة مع إيران، ومنع انتقالها إلى الساحة اللبنانية.

في المقابل، يجد لبنان نفسه عند تقاطع ضاغط بين مسارات تفاوضية غير محسومة، وضغوط دولية لإعادة ترتيب المشهد الأمني جنوب الليطاني، ورسائل تصعيد متبادلة تتجاوز قدرته على التحكم بمسارها. وبين تحركات خلف الكواليس وصراع إرادات إقليمي، تدخل البلاد مرحلة شديدة الدقة، حيث يصبح أي خلل في التقدير كفيلًا بنقلها من منطق الاحتواء إلى حافة الانفجار.

كيف يبدو الوضع الراهن في لبنان؟

لا تزال الشروط الأمريكية المطروحة على طاولة التفاوض غير المباشر مع إيران مرتفعة السقف، وتشمل تغييرات جوهرية في بنية النظام وسلوكه الاستراتيجي، والتخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم، والحد من القدرات الصاروخية، وفق ما كشفته مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست".

كما تسعى واشنطن، توضح مصادر "عربي بوست"، إلى إعادة ترتيب ملف النفط الإيراني بما يضعه عمليًا تحت إدارة وضبط غربيين، وإنهاء مشروع النفوذ الإقليمي لطهران، ولا سيما في ساحات المواجهة مع إسرائيل، والشرط الأساسي يكمن بوقف تمويل ودعم حزب الله.

في المقابل، تُبدي إيران استعدادًا مشروطًا للتفاوض، لكنها تتمسك بجملة ثوابت، في مقدمتها رفع العقوبات، والإبقاء على التخصيب داخل أراضيها تحت إشراف دولي، وتقليص القدرات الصاروخية لا إلغاؤها، والحفاظ على دورها الإقليمي وشبكة حلفائها، مع ترك ملف النفط للتفاوض في مراحل لاحقة.

هذا التباعد في التوجهات والأولويات بين طهران وواشنطن لا يجعل لبنان مجرد ساحة متأثرة، بل ساحة اختبار فعلية لمدى قدرة الأطراف على ضبط حلفائها ومنع توسع الاشتباك.

زيارة أمنية فرنسية ولقاءات مع حزب الله

في خضم هذه التطورات، كشفت معلومات خاصة لـ"عربي بوست" أن مسؤولًا رفيع المستوى في المخابرات الخارجية الفرنسية زار بيروت الأسبوع الماضي، في زيارة غير معلنة استمرت أيامًا، وأجرى خلالها سلسلة لقاءات أمنية وسياسية بعيدة عن الإعلام، من ضمنها تواصل مباشر مع حزب الله عبر قنوات أمنية قائمة منذ سنوات ولم تنقطع حتى في ذروة التوترات الفرنسية–الأمريكية حول الملف اللبناني.

وبحسب المعلومات، لم تكن الزيارة استطلاعية أو بروتوكولية، بل جاءت في إطار مهمة محددة بتكليف مباشر من الرئاسة الفرنسية، هدفها الأساسي تقدير مستوى المخاطر الإقليمية الداهمة، ومحاولة رسم تصور واقعي لكيفية منع انزلاق لبنان إلى ساحة اشتباك مفتوحة في حال فشل المسار التفاوضي الأمريكي–الإيراني أو حصول ضربة عسكرية ضد طهران.

وتركزت المحادثات على الربط بين الساحتين اللبنانية والعراقية، باعتبارهما، وفق التقدير الفرنسي، ساحتين مترابطتين عملياتيًا وسياسيًا في أي سيناريو تصعيد تقوده أو تتأثر به إيران.

وأولى الجانب الفرنسي اهتمامًا خاصًا بما يجري في العراق، سواء لناحية تصاعد الاحتكاك بين الفصائل المسلحة والقوات الأمريكية، أو لناحية محاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني هناك، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على حسابات حزب الله وسلوكه الإقليمي.

فرنسا تسعى للعودة بقوة في الملف اللبناني/ رويترز
فرنسا تسعى للعودة بقوة في الملف اللبناني/ رويترز

ووفق المعلومات، ناقش الوفد الفرنسي مع قيادة حزب الله إمكانات ضبط الإيقاع في لبنان، وحدود التصعيد أو الاحتواء، في حال تعرضت إيران لضربة عسكرية، أو في حال توسع الاشتباك في العراق إلى مواجهة أوسع. كما سعى الفرنسيون إلى استيضاح طبيعة القرار داخل الحزب، وهل هو قرار مركزي مرتبط بطهران، أم قرار مرحلي تحكمه اعتبارات الساحة اللبنانية وتوازناتها الداخلية.

كما تناولت اللقاءات التحديات الداخلية اللبنانية، ولا سيما ملف حصر السلاح ودور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة، والضغوط الدولية المتزايدة لدفع الدولة اللبنانية إلى الانتقال نحو مراحل إضافية من خطة حصر السلاح شمال الليطاني.

في هذا السياق، نقل الوفد الفرنسي قلقًا واضحًا من أن أي محاولة فرض هذا المسار بالقوة السياسية أو الزمنية قد تؤدي إلى انفجار داخلي، في ظل رفض حزب الله أي تعاون في هذه المرحلة، وغياب غطاء سياسي وطني جامع.

وتشير المعطيات إلى أن فرنسا تسعى، عبر هذه القناة الأمنية، إلى سد فراغ سياسي متزايد ناتج عن تراجع قدرتها على التأثير عبر المسارات الدبلوماسية التقليدية، خصوصًا بعد تحجيم دورها المدني داخل لجنة "الميكانيزم" وحصر المشاركة الفرنسية بالشق العسكري فقط، بفعل تشدد أمريكي–إسرائيلي واضح.

كما تهدف هذه الاتصالات إلى استشراف خطوط التماس المقبلة، وتقديم تقديرات مبكرة للإليزيه حول سيناريوهات التصعيد، ومنع انزلاق لبنان إلى نموذج شبيه بما قد تشهده الساحة العراقية في حال تفجر الصراع الإقليمي على أكثر من جبهة.

حزب الله: رسائل خارجية وشد عصب داخلي

في موازاة ذلك، رفعت مواقف قيادة حزب الله العلنية منسوب التوتر السياسي إلى مستويات غير مسبوقة منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، مع التأكيد أن أي استهداف لإيران أو لمرشدها يُعد استهدافًا مباشرًا للحزب.

وتفيد معلومات بأن جهات دولية وعربية عدة، من بينها مصر، كانت قد طرحت أسئلة مباشرة على قيادة حزب الله خلال الأيام الماضية حول رد فعله في حال اندلاع حرب ضد إيران، من دون أن تتلقى حينها إجابات حاسمة، بل إشارات تهدئة حذرة.

غير أن التحول في الخطاب العلني أخيرًا أضفى مزيدًا من الغموض على قرار الحرب أو اللا حرب، وأعاد فتح النقاش الداخلي حول حدود التزام الحزب بسياسة النأي بالنفس.

وترى المصادر الدبلوماسية أن هذه المواقف تندرج، إلى حد بعيد، في إطار شد العصب الداخلي عشية استحقاقات سياسية وانتخابية، أكثر مما تعكس قرارًا نهائيًا بالانخراط في مواجهة شاملة، مع الإشارة إلى أن الحزب سبق أن التزم ضبط النفس في محطات إقليمية شديدة الخطورة.

مستقبل لجنة مراقبة وقف النار

على المستوى اللبناني، لم يعد النقاش يدور حول انعقاد لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية من عدمه، بل حول وظيفتها النهائية ودورها السياسي.

فبيروت الرسمية، وفق مصادر حكومية لبنانية لـ"عربي بوست"، لا تزال تعتبر أن الصيغة الحالية للجنة، رغم كل ثغراتها، تبقى الإطار الأقل كلفة، والأكثر قابلية للاحتواء داخليًا، مع استعداد محدود لإدخال تعديلات تقنية لا تمس بجوهرها.

في المقابل، تضغط الولايات المتحدة باتجاه تغيير شامل لعمل اللجنة وأعضائها، عبر نقلها من إطار تقني–أمني إلى مسار ذي طبيعة تفاوضية أوسع، وهو ما ترفضه رئاسة الجمهورية اللبنانية، خشية أن يتحول لبنان إلى طرف في تفاوض مفتوح مع إسرائيل من دون أي ضمانات سياسية أو أمنية أو داخلية.

ووفق المصادر، فإن الرئيس اللبناني جوزيف عون بات يمتلك معطيات واضحة عن هذا التوجه، ما دفعه إلى فتح قنوات مباشرة مع الجانب الأمريكي لمحاولة تثبيت حدود عمل اللجنة، ومنع تجاوزها إلى مسارات بديلة.

ويستند هذا الموقف إلى قناعة لبنانية بأن البلاد بلغت سقفًا غير مسبوق في التنازلات، تمثل بتعيين ممثل مدني ضمن "الميكانيزم"، في خروج واضح عن الفلسفة الأصلية التي أُنشئت على أساسها اللجنة، تلبية لضغوط إسرائيلية.

استمرار مهمة اللجنة دون تثبيتها

رغم كل ما يُتداول في بيروت عن قرب انتهاء دور اللجنة، تحافظ واشنطن على تعامل ثابت معها. فقد تم تمديد مهمة رئيسها الحالي، واستمر النشاط التقني–الميداني للجنة جنوب الليطاني، سواء عبر المتابعة المباشرة أو عبر قنوات التنسيق الميداني مع الجيش اللبناني، في ملفات تتعلق بالانتشار والمراقبة وتحديد أهداف معينة.

غير أن هذا الاستمرار لا يعني أن اللجنة مرشحة للتحول إلى إطار دائم بصيغتها الحالية. إذ تؤكد المصادر الحكومية أن أفكارًا تُناقش في واشنطن حول صيغة معدلة، لإجراء إضافات على طبيعة التفاوض حول جنوب لبنان، ضمن آلية ثلاثية جديدة فقط، يُفترض أن تُربط بمسار المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح التابع لحزب الله شمال نهر الليطاني.

وفي هذا السياق، يُقرأ تكاثر الطروحات حول مصير اللجنة بوصفه انعكاسًا مباشرًا للصراع الفرنسي–الأمريكي حول طبيعة الدور المستقبلي في لبنان، ولا سيما مع إقصاء التمثيل المدني الفرنسي من اللجنة، وحصر المشاركة الفرنسية بالشق العسكري فقط.

لبنان الرسمي: هامش ضيق ورهان مشروط

في المحصلة، لا يملك لبنان الرسمي سوى ورقة ضغط واحدة، تتمثل بمحاولة دفع واشنطن إلى الضغط على إسرائيل لتقديم أي خطوة مقابلة لتنفيذ مراحل حصر السلاح، ولا سيما مع اقتراب الانتقال إلى شمال الليطاني.

ويُنظر إلى مستوى التجاوب الأمريكي–العربي، خصوصًا في ما يتعلق بدعم الجيش ومؤتمرات الدعم الدولية، كمؤشر أساسي على قناعة الرعاة الدوليين بجدية "الأداء اللبناني". لكن في المقابل، يبقى الموقف الأمريكي حيال إسرائيل ثابتًا: لا مكاسب سياسية مقابل الخطوات الأمنية اللبنانية في هذه المرحلة.

وسط هذا المشهد، يقف لبنان عند تقاطع بالغ الدقة بين تصعيد إقليمي مفتوح، ومسارات تفاوضية غير محسومة، وقنوات أمنية خلفية تتحرك بهدوء لتفادي الأسوأ. وكل ذلك يجعل المرحلة المقبلة محكومة بهوامش ضيقة، حيث يصبح أي خطأ في التقدير كفيلًا بإخراج البلاد من دائرة الاحتواء إلى دائرة الانكشاف الكامل.

تحميل المزيد