يتحرك ملف وقف إطلاق النار في جنوب لبنان على إيقاع معقّد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالرهانات السياسية، وتتصادم فيه الوقائع الميدانية مع الأطر الدبلوماسية القائمة. فبين ضغط إسرائيلي أميركي متصاعد، ومحاولات لبنانية لإعادة الإمساك بزمام المبادرة، تبدو الآليات التي حكمت مرحلة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024 أمام اختبار فعلي لجدواها واستمراريتها.
في هذا السياق، عاد ملف سلاح حزب الله اللبناني، وتنفيذ القرار الدولي 1701، ولجنة مراقبة وقف إطلاق النار، إلى واجهة النقاش الداخلي والخارجي، لكن من زاوية مختلفة هذه المرة: زاوية الانتقال من الخطاب السياسي إلى الوقائع الميدانية، ومن إدارة الوقت إلى محاولة فرض سردية رسمية لبنانية جديدة في مواجهة الرواية الإسرائيلية.
ما يجري خلف الكواليس، وفق ما كشفته لـ"عربي بوست" مصادر لبنانية ودبلوماسية، يتجاوز مسألة لجنة تقنية لمراقبة الخروقات، ليصل إلى إعادة صياغة كاملة لمسار وقف إطلاق النار، عبر فصل البعد العسكري عن المسار السياسي، وترك الأخير معلّقاً بانتظار توازنات دولية لم تنضج بعد. فما الذي يجري بالضبط في ملف وقف إطلاق النار؟
الرئاسة اللبنانية: من الخطاب إلى الوقائع
أعاد الرئيس اللبناني جوزيف عون وضع ملف سلاح حزب الله في صدارة النقاش السياسي والأمني، لكن هذه المرّة من زاوية مختلفة، عنوانها الانتقال من الخطاب السياسي إلى الوقائع الميدانية. فإعلانه المتكرر عن حصرية السلاح بيد الدولة، مقروناً بالتأكيد على بسط الجيش اللبناني سيطرته العملية على منطقة جنوب الليطاني، لا يُقرأ فقط كرسالة داخلية، بل كتموضع رسمي يُراد له أن يتحوّل إلى مرجعية تفاوضية في التعامل مع الخارج.
وبحسب مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست"، فإن ما يقوله عون لا يندرج في إطار المواقف، بل يعكس توجهاً داخل الرئاسة يعتبر أن مرحلة إدارة الوقت في ملف السلاح شارفت على نهايتها، في ظل الضغط الأميركي الإسرائيلي، وأن الدولة باتت أمام وقائع خارجية تفرض عليها تثبيت سرديتها الخاصة أمام المجتمع الدولي، خصوصاً في ما يتصل بالجنوب وبمسار تنفيذ القرار الدولي 1701.
هذا التوجّه، توضح مصادر "عربي بوست"، لم يبقَ محصوراً في الرئاسة، إذ باتت مواقف الرئاسات جميعاً، وتحديداً رئيس مجلس النواب نبيه بري، عند دعمه خطاب القسم ومبدأ حصرية السلاح ووضع القرار الأمني بيد الدولة، تعكس تقاطعاً سياسياً عاماً بين الرئاسات الدستورية الأساسية في لبنان حول هذا الملف، حتى وإن اختلفت المقاربات التكتيكية وآليات التنفيذ.
حزب الله متمسك بموقفه وإسرائيل "تلغي" الاتفاق
في المقابل، لا يزال حزب الله يتمسك بسرديته التقليدية القائمة على أن سلاحه خارج أي نقاش مباشر، وأن البحث يجب أن ينحصر بما يسميه "الاستراتيجية الدفاعية"، مع ربط أي خطوة عملية بالتزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
غير أن معطيات دبلوماسية أوروبية تشير لـ"عربي بوست" إلى أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع ذلك الاتفاق على أنه قائم، بل تعتبره عملياً لاغياً، وتتصرف على هذا الأساس سياسياً وميدانياً، سواء عبر تجاوز القرار 1701 أو من خلال فرض وقائع جديدة على الأرض، أبرزها بناء جدار إسمنتي في منطقة التلال الخمسة المحتلة جنوب نهر الليطاني.
هذا الواقع انعكس مباشرة على تعطيل عمل لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، التي تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة، والتي لا تزال اجتماعاتها معلّقة، وسط تساؤلات لبنانية متزايدة حول جدوى استمرارها بالشكل الحالي.
كواليس دولية لتعديل آلية لجنة المراقبة
تكشف مصادر دبلوماسية أوروبية لـ"عربي بوست" أن نقاشاً جدياً يجري خلف الكواليس حول تعديل مهام لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، بما يشمل حصر دورها بالاجتماعات العسكرية التقنية فقط، وتحويلها إلى لجنة ثلاثية الطابع، مع إخراج فرنسا والأمم المتحدة من عضويتها المباشرة.
وبحسب هذه المصادر، يُطرح أن تُكلَّف اللجنة حصرياً بمتابعة مسار سحب السلاح من جنوب الليطاني وترتيب الوضع الميداني، بالتوازي مع فتح مسار تفاوضي سياسي–دبلوماسي منفصل بين لبنان وإسرائيل، يعالج ملفات أوسع، من بينها ترسيم الحدود البرية، والانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتنازع عليها، وما تصفه إسرائيل بـ"التعاون الاقتصادي"، وهو توصيف يثير تحفظات لبنانية كبيرة.
وفي هذا الإطار، تشير المصادر إلى أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى اقترح على رئيس الحكومة نواف سلام اعتماد النموذج السوري في التفاوض مع إسرائيل، عبر تعيين شخصية برتبة وزير لترؤس الوفد اللبناني، ونقل المفاوضات من الناقورة إلى دولة ثالثة، في ظل رفض إسرائيل أي دور للأمم المتحدة، وحصر لجنة المراقبة بالشق التقني العسكري.
"ما ترون لا ما تسمعون": رسالة إلى الخارج
في هذا السياق، يكتسب كلام رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون أمام السلك الدبلوماسي، حين قال: "ما ترون، لا ما تسمعون"، بعداً إضافياً. فالكلام لم يكن موجهاً إلى الداخل فقط، بل حمل رسالة مباشرة إلى الدول المنحازة للرواية الإسرائيلية، مفادها أن جنوب الليطاني لم يعد مساحة رمادية بين الدولة و"اللا دولة".
وتؤكد مصادر قريبة من الرئاسة اللبنانية لـ"عربي بوست" أن الرسالة تعكس محاولة تثبيت وقائع ميدانية كمدخل لفرض سردية سياسية جديدة، تقوم على أن الجيش اللبناني بات يدير المنطقة بالقوى الشرعية حصراً، وأن عملية سحب السلاح من حزب الله مستمرة، ولو بوتيرة مدروسة.
المصدر ذاته يشير إلى أن هذا الطرح، حتى وإن قُدّم كمعطى ميداني، يحمل مضموناً سياسياً واضحاً، ويُفهم منه أن ربط حصرية السلاح بحوار مفتوح وطويل لم يعد الخيار الوحيد المتاح، وهو ما أزعج حزب الله، الذي اعتبر أن رئيس الجمهورية يذهب بعيداً في تثبيت وقائع لا تنسجم مع مقاربته للملف.
ومن المتوقع أن يترجم هذا المسار في جلسة للحكومة اللبنانية تسبق زيارة قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى واشنطن بين 3 و5 فبراير 2026. ووفق مصادر حكومية، سيعرض هيكل تقريره الدوري حول الوضع جنوب الليطاني، إلى جانب مجموعة مطالب تتصل بقدرة الجيش على الانتقال لاحقاً إلى شمال الليطاني وتنفيذ مهامه هناك، بكلفة سنوية تُقدَّر بمليار دولار.
وتصف المصادر هذه الخطوة بأنها اختبار عملي لجدية الدولة والمجتمع الدولي معاً، إذ إن احتكار السلاح يتطلب موارد وتجهيزات وصلاحيات واضحة، حتى لا يتحول إلى شعار بلا أدوات. ولهذا، سيحمل قائد الجيش لوائح مفصلة بالاحتياجات لعرضها على الأميركيين، في مسعى لنقل الدعم من مستوى الثقة السياسية إلى دعم عملياتي فعلي.
واشنطن وباريس والدوحة.. مسار دعم متدرّج
لا تُفصل زيارة واشنطن عن مسار أوسع لإدارة هذا الملف، يبدأ بالعاصمة الأميركية، ويمتد إلى مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 مارس 2026، مع التحضير لاجتماع تنسيقي في دولة قطر منتصف شباط/ فبراير، بهدف توحيد سقوف الدعم بين الدول الخليجية والأطراف الدولية.
وتشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن الدولة اللبنانية باتت تدرك أن تثبيت "الإنجاز" في الجنوب يحتاج إلى غطاء سياسي ومالي مستدام، لأن أي فراغ في الدعم سيعيد إنتاج الذرائع القديمة حول عجز الدولة، ويمنح مبررات لاستمرار السلاح خارج إطارها.
في هذا المشهد، تعود لجنة مراقبة وقف إطلاق النار إلى الواجهة، لكن بصيغة مختلفة: اجتماعات عسكرية تقنية روتينية، في ظل غياب المظلّة السياسية، نتيجة تعثر التوافق الأميركي على تسمية بديل للمبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي جرى تحييدها بعد اتهامات طالتها بعلاقة شخصية مع المصرفي اللبناني أنطون الصحناوي المقيم في واشنطن والمؤيد لإسرائيل. عملياً، يتقدّم المسار العسكري، فيما تبقى المظلّة السياسية معلّقة.