إعادة إعمار غزة: مصر تواجه عراقيل إسرائيلية، وإصرار على البدء بإدخال آليات إزالة ركام الحرب

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/21 الساعة 13:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/21 الساعة 13:27 بتوقيت غرينتش
تحركات من أجل الإسراع ببدء إعادة إعمار قطاع غزة/ عربي بوست

في وقت لا تزال فيه تداعيات حرب غزة تُلقي بظلالها الثقيلة على القطاع المدمّر، تتحرك القاهرة على أكثر من مسار لتهيئة مرحلة ما بعد الحرب، عبر الدفع بتفعيل لجنة إدارة غزة كإطار انتقالي يُعنى بالشؤون المدنية والأمن الداخلي، ويمهّد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

هذه التحركات تأتي وسط عراقيل إسرائيلية متوقعة، وضغوط سياسية وأمنية معقدة تجعل مهمة اللجنة محفوفة بالتحديات. بينما تسعى مصر لجعل اللجنة أداة استراتيجية تهدف إلى تثبيت الفلسطينيين على أرضهم، وإفشال مخططات التهجير، وتهيئة البيئة اللازمة لبدء إعادة الإعمار، عبر معالجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وتزامناً مع بدء اجتماعات اللجنة في القاهرة، تكثف مصر اتصالاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتسهيل إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام، وفتح معبر رفح، وضمان تمكين اللجنة من العمل داخل القطاع، في إطار رؤية أوسع ترتبط بالخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، التي تحظى بدعم عربي ودولي، وتُعد أحد المسارات القليلة المتبقية لكسر حالة الجمود المفروضة على القطاع.

القاهرة تضع الخطوط العريضة لعمل لجنة إدارة غزة

قال مصدر مصري مطلع إن القاهرة وضعت الخطوط العريضة لعمل اللجنة من داخل قطاع غزة، وتركز بالأساس على المناطق الأكثر احتياجاً لوصول الخدمات وإزالة الركام وإمكانية الاستفادة منها مجدداً مع عملية إعادة الإعمار، وكذلك معالجة آثار الدمار الذي انعكس على تخريب الخدمات الأساسية للمواطنين.

وفي مقدمة ذلك، يوضح المصدر، الصرف الصحي وتمهيد الطرق وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية، وتحديد الأسر التي بحاجة إلى مساعدات عاجلة لتوفيرها، مشيراً إلى أن القاهرة تقود مباحثات آنية مع الإدارة الأميركية للضغط على إسرائيل بشأن إدخال المعدات الثقيلة التي تسهل مهمة إزالة الركام.

وأضاف المصدر ذاته أن القاهرة من المتوقع أن تنسق مع الاحتلال الإسرائيلي بصفتها الجديدة كعضو في المجلس التنفيذي لإدارة قطاع غزة عبر تعيين الوزير حسن رشاد، رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية، ضمنه، لتسهيل دخول أعضاء اللجنة إلى القطاع خلال الأيام المقبلة.

وتسعى القاهرة للتوصل إلى تفاهمات مع الاحتلال الإسرائيلي بشأن الآليات التي ستقوم بعملية إزالة الركام وإصلاح البنية التحتية، وكذلك تسهيل عمل اللجنة في الإشراف على مسألة ضبط الحد الأدنى من الأمن داخل القطاع.

الأولوية مضاعفة المساعدات وفتح معبر رفح

تسعى مصر لمضاعفة حجم المساعدات المقدمة إلى قطاع غزة بعد أن تتولى اللجنة مهام عملها بشكل رسمي داخل القطاع، يقول المصدر ذاته، وأن تكون مسؤولة عن توزيعها بالتعاون مع الهيئات والمنظمات الإغاثية وتفويت الفرصة على الاحتلال الإسرائيلي الذي يتعامل معها كوسيلة لدعم حركة حماس على الأرض.

كما تسعى القاهرة من خلال دخول اللجنة إلى داخل قطاع غزة إلى التعرف بشكل أكثر دقة إلى آليات بدء إعادة الإعمار والتعافي المبكر، وهو ما يساعد على تنظيم مؤتمر إعادة الإعمار الذي لم ينعقد بعد، متوقعاً أن ينعقد خلال النصف الثاني من هذا العام.

وأكد المصدر المصري المطلع أن وجود اللجنة داخل القطاع يمهد لفتح معبر رفح من الجانبين ويعد ذلك أحد الأهداف المفترض تحقيقها خلال الشهرين المقبلين، لافتاً إلى أن اللجنة سيكون من مهامها أيضاً التنسيق مع السلطة الفلسطينية في رام الله بشأن الخدمات وآليات توفيرها والربط بين المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية.

ونسقت القاهرة مع لجنة إدارة غزة مواقع عملها داخل القطاع والمقرات التي سوف تقوم باستلامها لتمارس مهامها منها، إلى جانب توزيع المهام على أعضائها بالتنسيق مع باقي الفصائل الفلسطينية لكي لا تواجه عراقيل على الأرض، مع توفير دعم مادي مبدئي من جهات عربية مانحة يمكن أن يدعم تثبيت أقدامها في غزة.

حيث أشار مصدر "عربي بوست" إلى أن وجود اللجنة خلال الفترة الأولى سيكون استكشافياً بالأساس، ويهدف إلى التعرف على تفاصيل غابت بسبب الاستهداف الإسرائيلي المستمر، وكذلك إعادة تأهيل الموظفين والعاملين بالهيئات المحلية للقيام بأدوارهم في العمل التنفيذي الخدمي داخل القطاع، وتسهيل مهمة الوصول إلى رفات أسير إسرائيلي في غزة وغلق هذا الملف بشكل كامل.

بدء أعمال اللجنة في القاهرة وتفويضها رسمياً

بدأت أعمال لجنة إدارة غزة، برئاسة الدكتور علي شعث، في القاهرة الأحد 18 يناير/ كانون الثاني 2026، في خطوة محورية نحو تحقيق الاستقرار وإعادة إعمار القطاع. وأُعلن، خلال الاجتماع، تفويض اللجنة رسمياً لتولي المسؤوليات المدنية والأمن الداخلي، والإشراف على استقرار القطاع وتعافيه وإعادة إعماره، إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية لبرنامج الإصلاح الخاص بها.

وفي بيان خلال الجلسة الافتتاحية، وصف شعث تأسيس اللجنة الوطنية بأنه "يُمثّل لحظة محورية لطي صفحة مأساوية وبدء فصل جديد"، مؤكداً أنها "هيئة فلسطينية أنشأها فلسطينيون من أجل الفلسطينيين، بدعم من منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، والفصائل الفلسطينية". وأضاف أن إعادة إعمار غزة لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل "إعادة بناء مجتمع ملتزم بالاستقرار والكرامة والسلام المستدام العادل".

وتتألف اللجنة من نخبة من المهنيين والخبراء الفلسطينيين الذين تم تعيينهم لقيادة الإدارة الانتقالية، ومن بينهم: عبد الكريم عاشور، مفوض الزراعة، وعمر شمالي، مفوض الاتصالات والخدمات الرقمية، وعائد أبو رمضان، مفوض الاقتصاد والصناعة والتجارة، والدكتور جبر الداعور، مفوض التعليم، والدكتور بشير الريس، مفوض المالية.

العراقيل الإسرائيلية والبحث عن ضمانات أميركية

قال مصدر مصري آخر لـ"عربي بوست" إن تشكيل لجنة الإغاثة جاء بعد جهود مكثفة من الوسطاء، وهو ما يجعل هناك حاجة لاستكمال هذا الجهد لدفعها نحو القيام بمهامها من داخل القطاع، مشيراً إلى أن الأيام المقبلة سوف تشهد محاولات حثيثة للتعامل مع العراقيل الإسرائيلية المتوقعة بشأن دخولها وممارسة عملها.

وهناك مساع للحصول على ضمانة أميركية لضمان عدم إفشال تواجدلجنة إدارة غزة، وأن أولويات عمل اللجنة التي جرى الاتفاق عليها في القاهرة خلال الأيام الماضية تضمنت إدخال الكرفانات والمساعدات والمواد الطبية التي تساعد في إعادة إحياء جزء ولو بسيط من القطاع الطبي المدمّر، إلى جانب وضع خطط للتعامل مع الدمار الكامل وتحسين البنية التحتية بشكل مبدئي.

وأوضح المصدر ذاته، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن مصر تعمل على تأمين اللجنة من جهة ضمان عدم وجود أي اعتراضات عليها أو أي استهداف لها من جانب أي فصائل أو مكونات موجودة على الأرض، قد لا يكون هناك اتفاق كامل بشأن أسماء أعضائها، وهناك ارتياح لترحيب السلطة الفلسطينية وحركة حماس بتشكيلها.

مع التأكيد على أن هذه اللجنة ليست بديلاً للسلطة، لكنها تعمل بشكل مؤقت وليس لديها أي مآرب سياسية. وأشار المصدر إلى أن الساعات الماضية كانت شاهدة على بدء اتصالات أجرتها اللجنة مع حكومة رام الله لضمان عدم الانفصال بين الضفة وغزة كبادرة حسنة، للتأكيد على أن اللجنة ستعمل على التنسيق مع السلطة وليس بمعزل عنها.

تنسيق مع السلطة ومنع الفصل بين غزة والضفة

شدد مصدر "عربي بوست" على أنه يصعب فصل ملفات مثل الصحة والتعليم والأحوال المدنية والملفات الأمنية بين غزة والضفة، وسيكون هناك تنسيق بشأن تسريع إصلاح الخدمات المتعلقة بالمياه والكهرباء، لافتاً إلى أن اللجنة سيكون لديها رغبة في أن تحظى بثقة المواطنين الذين ما زالوا قابعين في القطاع والتعامل مع الأزمات الحياتية وفقاً لما لديها من إمكانيات.

كما أشار المتحدث إلى أن القاهرة والوسطاء قدموا وعوداً للجنة بوصول الدعم اللازم لأداء مهامها في قطاع غزة، مع التأكيد على التنسيق الكامل معها من جانب قوة الاستقرار التي لم تتشكل بعد واللجنة التنفيذية ومجلس السلام الذي أعلن ترامب مؤخراً عن تشكيله.

ويشير مصدر فلسطيني مسؤول، في تصريح لـ"عربي بوست"، إلى أن تشكيل لجنة إدارة غزة يهدف لضمان عدم استئناف الحرب وتثبيت المواطنين في القطاع والتجهيز لإعادة الإعمار، وهي خطوط عريضة جرى الاتفاق عليها في السابق، والآن تم النقاش بشأن تفاصيلها مع الجهات المصرية.

وأشار المصدر إلى أن معركة النفس الطويل التي قادت في النهاية لتشكيل اللجنة سوف تستمر بشأن ضمان قيامها بمهامها على الأرض في القطاع، مع الانفتاح على المجتمع الدولي لكشف العراقيل الإسرائيلية وممارسة مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة الأميركية التي تبدي حتى الآن جدية في إنجاح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

وأكد أن لجنة إدارة غزة بعد تشكيلها تبدو في مفترق طرق؛ فهي إما أن تمضي في تنفيذ الخطوط العريضة والأولويات التي تحدثت عنها أو أنها قد تصبح بمثابة أسماء شكلية دون تمكين لمهامها على أرض الواقع.

ولفت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لديه مزيد من القلق بشأن التوافق الفلسطيني على تشكيلها وينتظر أي خلافات قد تظهر للتلكؤ بشأن التأكيد على عدم مشروعية عملها، وبالتالي فإن التوصل إلى تشكيلها بإجماع وطني كان بمثابة المهمة الأصعب خلال الفترة الماضية.

أولويات إنسانية وإعادة تفعيل المؤسسات المحلية

اللجنة، وفق مصدر "عربي بوست"، سوف تولي اهتماماً بالملف الإنساني في ظل التضييق الإسرائيلي على إدخال المساعدات، إلى جانب تجهيز البنية التحتية للإعمار وإنعاش الهيئات المحلية التي لم يعد لديها حضور في القطاع، وإعادة تشغيل خدمات التعليم والصحة.

كما ستعمل اللجنة على ضبط الأمن والنظام وتأمين وصول المساعدات إلى مستحقيها، وانتظار ما سوف يسفر عنه تشكيل مجلس السلام ولجنة الإسناد مع اللجنة التنفيذية للتنسيق والتشاور معها والعمل في إطار عام يفضي في نهاية المطاف إلى إعادة إعمار القطاع.

وتستند خطة الإغاثة إلى الخطة المصرية التي أقرتها جامعة الدول العربية ودول العالم الإسلامي، وتهدف إلى إعادة الإعمار بتكلفة 53 مليار دولار على مدى 5 سنوات دون تهجير للفلسطينيين، في وقت تقدر فيه الأمم المتحدة التكلفة بنحو 70 مليار دولار جراء حرب الإبادة الإسرائيلية.

وأفادت تقديرات الأمم المتحدة بوجود نحو 60 مليون طن من الركام في غزة، قد تتطلب إزالتها أكثر من 7 سنوات، وحذر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع خورخي موريرا دا سيلفا من أن إعادة إعمار غزة "لا تحتمل التأجيل"، ووصف أوضاع السكان هناك بأنها "غير إنسانية".

تحميل المزيد