أعاد قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي بشأن ملف المصالحة الوطنية في ليبيا الجدل مجددًا حول "كيف تُدار المصالحة؟" في ليبيا، بين من يرى في الخطوة محاولة عملية لتحريك ملف ظل لسنوات حبيس المبادرات العامة، وبين من يطالب بأن تُدار أي خطوة في هذا الملف عبر إطار مؤسسي تشاركي يحد من التأويلات ويضمن الشفافية.
ونص القرار الذي أصدره المنفي على تكليف الدكتور علي محمد محمد الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية لرئيس المجلس الرئاسي، ووفق ما جاء في قرار المنفي فإن تعيين الصلابي يُعمل به من تاريخ صدوره، وعلى الجهات المعنية تنفيذه. ويعني ذلك أن القرار نافذ من حيث إنشاء التكليف وتثبيت الصفة، فيما يبقى أثره العملي مرتبطاً بكيفية تفعيل المهام وتحديد نطاقها.
هذا التحديد بين "الصفة" و"الأثر" يضع القرار في قلب سؤال أوسع: هل يشكّل التكليف مدخلاً فعلياً لتحريك ملف المصالحة، أم أنه سيظل خطوة رمزية ما لم يُترجم إلى آليات واضحة وخطة عمل قابلة للقياس؟ وهو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذا التقرير.
النتيجة تتوقف على وضوح التفويض
في ليبيا، لا تُقاس قيمة القرارات المرتبطة بالمصالحة الوطنية في ليبيا بمجرد صدورها، بل بقدرتها على الانتقال من العنوان إلى الآلية: تفويض محدد، جدول زمني، مسارات واضحة، وتواصل منظم يُشرك الأطراف الاجتماعية والسياسية المتأثرة بالانقسام.
وبمنطق "التفعيل لا التسمية"، يُنظر إلى هذا التكليف بوصفه محاولة لتوفير نقطة متابعة وتنسيق في ملف معقد، على أن يُدار ضمن مؤسسات الدولة وبقواعد معلنة تمنع تضارب الأدوار أو تضخم التوقعات.
هذا الفهم يعيد توجيه النقاش من الشخص إلى الإطار، ومن الاسم إلى الوظيفة، ويضع التكليف في سياق قابل للتقييم العملي بدل السجال السياسي المفتوح.
في هذا السياق، أوضح المستشار السياسي لرئيس المجلس الرئاسي السفير زياد دغيم، في تصريح لـ"عربي بوست"، أن تكليف الصلابي جاء "مستشاراً خاصاً للرئيس لشؤون المصالحة وليس مفوضاً عنه أو رئيساً أو عضواً بالمفوضية المعنية والمرتقبة"، معتبراً أن "الحملة الممنهجة غير مبررة".
وأضاف دغيم أنه يتوقع ألا يكون القرار الأخير في هذا الملف، وأنه سيحدث كسراً لجمود طال سنوات، وسيحفّز أطرافاً فاعلة كانت متراخية على إنجاز خطوات ملموسة، قائلاً إن "العقلية الليبية تحتاج لحافز وتحدٍّ لتنجز" على حد تعبيره.
كما اعتبر المستشار السياسي لرئيس المجلس الرئاسي أن جزءاً من الانتقادات "يتسم بالانتقائية والكيل بمكيالين"، حين تُهاجم أطراف القرار بحجة الانتماء السياسي بينما سبق لبعضها دعم ترتيبات أو حكومات ارتبطت، بحسب وصفه، بدوائر سياسية مشابهة.
هذا الطرح الذي قدمه السفير زياد دغيم يعكس قراءة ترى في القرار أداة تحفيز سياسي، لا إعادة توزيع للصلاحيات أو التفافاً على مسارات قائمة.
الصفة استشارية.. ولا تنشئ التزامات قانونية بذاتها
من الزاوية القانونية، قال المحامي مهدي كشبور إن قرار تكليف الصلابي يأتي في إطار قرار ذي طبيعة استشارية يخص رئيس المجلس الرئاسي. وأوضح أن المستشار "لا يملك بموجب القرار توقيع أي اتفاقيات أو تحميل أي التزامات أدبية أو قانونية أو مالية"، وأن ما يقدمه يظل "رأياً غير ملزم"، ولا يمتد أثره إلى المجلس الرئاسي كجسم أو إلى نواب الرئيس.
وأضاف كشبور لـ"عربي بوست" أن أي أثر ملزم لا ينشأ إلا إذا تبنّى رئيس المجلس أو المجلس الرئاسي هذه المشورة وصدر بها قرار رسمي. وبذلك يضع هذا التفسير القانوني حدودًا واضحة للتكليف، ويضبط النقاش ضمن إطاره الصحيح: المسألة ليست تفويضاً تنفيذياً، بل اختباراً لكيفية تحويل المشورة إلى مسار عمل مؤسسي منضبط.
على خط موازٍ، برز خطاب يدعو إلى إعادة تعريف المصالحة الوطنية في ليبيا بعيداً عن منطق الغلبة والاستقطاب.
إذ قال محمد المبشّر، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة: "لسنا في موقع الخصومة ولا في سباق الغلبة، نحن في موقع المسؤولية، حيث تُقاس الكلمات بما تتركه من أثر في حياة الناس، ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من المنتصرين، بل إلى من يخفّف حدّة الصراع ويقدّم حياة الناس على حسابات اللحظة".
وتشير هذه المقاربة التي قدمها المبشر إلى أن المصالحة، في جوهرها، ليست صفقة سياسية عابرة، بل مسار يهدف إلى تقليل الخسائر ووقف النزيف الاجتماعي والاقتصادي. غير أن التحدي يظل قائماً في ترجمة هذا المعنى الأخلاقي والسياسي إلى أدوات تنفيذية ومخرجات ملموسة.
لماذا قد تُسهم الخطوة في تحريك ملف المصالحة؟
قراءة القرار بوصفه "خطوة تحريك" لا "حلاً نهائياً" تمنحه هامشاً واقعياً. وفي هذا الإطار تُطرح 3 فوائد محتملة، إذا جرى ضبطها بقواعد شفافة:
أولاً: تجميع المسارات المتناثرة: المصالحة في ليبيا شبكة ملفات متداخلة: جبر ضرر، عودة نازحين، تسويات محلية، ملفات سجناء ومفقودين، تهدئة اجتماعية، وبناء ثقة. وجود نقطة متابعة قد يقلل تشتت المسؤوليات وتبادل الاتهامات بين المؤسسات.
ثانياً: تحويل النوايا إلى برنامج عمل: القيمة الفعلية لأي تكليف تكمن في مخرجات قابلة للقياس: ما الذي سيتحقق خلال 30 أو 60 أو 90 يوماً؟ من سيشارك؟ وما أولويات الملفات؟ أي خطوة بلا خطة زمنية واضحة تظل عرضة للتأويل والجدل.
ثالثاً: توفير قناة تواصل سياسية منضبطة: المصالحة تحتاج تواصلاً مع الأطراف الاجتماعية والسياسية، لكن ضمن إطار مؤسسي يمنع تحويل التواصل إلى مسارات موازية أو قنوات مغلقة.
عقبة بنيوية: مساران وتنازع المرجعيات
في المقابل، يرى متابعون أن دفع ملف المصالحة الوطنية في ليبيا إلى الأمام لا يتوقف على قرار التكليف وحده، بل يصطدم بتعدد المسارات وتنازع المرجعيات.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عبد الحميد صيام، الناطق السابق باسم الأمم المتحدة، إن اختيار المنفي للصلابي بوصفه "شخصية مهمة ومحترمة" لا يلغي وجود تحديات حقيقية، أبرزها أن مجلس النواب أطلق مساراً آخر للمصالحة، ما يعني وجود مسارين متوازيين: مسار للمجلس الرئاسي ومسار للبرلمان.
ويرى صيام أن الدور الأممي ينبغي أن يركز على تجسير المبادرتين وتقريب المسارين بدل تركهما يتنافسان أو يتقاطعان، عبر دعم من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والاتحاد الأفريقي لبناء صيغة مشتركة تُخفف من تنازع الشرعيات وتعيد توحيد مسار المصالحة.
كما شدد الناطق السابق باسم الأمم المتحدة على أن استمرار التدخلات الخارجية يظل عاملاً معطلاً لأي تقارب فعلي ما لم تؤخذ تأثيراته في الحسبان ضمن مسار تسوية شامل.
أين تقع ثغرات الاعتراض على قرار المنفي؟
التحفظات على القرار مفهومة في بيئة شديدة الاستقطاب، خصوصًا عندما تتعلق بمبدأ الشراكة المؤسسية وآليات إدارة ملف حساس. غير أن الفجوات تظهر عندما يبقى الرفض عند حدود التشكيك دون تقديم بدائل تشغيلية واضحة. ويمكن تلخيص أبرز نقاط الاعتراض في 4 مسائل رئيسية:
التحفظ على الآلية دون طرح مسار بديل مكتمل.
غياب تعريف متفق عليه للمصالحة.
الخلط بين تقييم الشخص وتقييم المسار.
المطالبة بكيان أعلى دون خارطة طريق للتأسيس.
في جميع هذه النقاط لا تكمن المشكلة في ندرة الأفكار، بل في تعثر تحويلها إلى تصميم مؤسسي قابل للتنفيذ.
وإذا كان الهدف هو تثبيت الثقة وتقليل مساحة الجدل، فهناك إجراءات عملية يمكن أن تُغلق منافذ الشك، من بينها: تفويض مكتوب ومحدد، إطار تشاركي داخل الرئاسي وخارجه، خطة 90 يوماً معلنة، ضمانات شفافية، وشراكة مجتمعية حقيقية تُشرك المتضررين وممثلي المجتمع المدني.
اختبار الآليات لا الأسماء
قرار تكليف الدكتور علي محمد محمد الصلابي ثبت الصفة وأنشأ التكليف، بينما تبقى فعاليته رهينة تحويله إلى آليات واضحة وخطة عمل قابلة للتطبيق، وبما يضمن أن الصفة الاستشارية تُترجم إلى مقترحات قابلة للتبني عبر المؤسسات.
وفي النهاية، لن يكون الاختبار في الأسماء بقدر ما سيكون في النتائج: هل تتحول المبادئ إلى برنامج، والبرنامج إلى خطوات ملموسة، أم يستمر الجدل حول العناوين بينما تدور المصالحة الوطنية في ليبيا في مكانها؟