وسط مساعٍ مصرية متسارعة لكسر الجمود الذي يلفّ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تتزايد الشكوك بشأن انعقاد اجتماع الفصائل الفلسطينية المرتقب في القاهرة، والمقرر الثلاثاء 13 يناير/ كانون الثاني 2026، في ظل مؤشرات على غياب توافق داخلي، لا سيما مع تردد حركة فتح في المشاركة.
وتأتي هذه التطورات بينما تتجه الأنظار إلى ملفات شديدة الحساسية يُفترض أن تتصدر أي مباحثات مقبلة، أبرزها تشكيل لجنة لإدارة قطاع غزة، وتركيبة لجنة التكنوقراط، ودور السلطة الفلسطينية في الإشراف الأمني والشرطي، إلى جانب حجم تمثيل حركة حماس في المناصب الإدارية داخل القطاع.
وتصطدم هذه الجهود السياسية التي تقودها القاهرة منذ أسابيع بمواقف إسرائيلية متشددة، ترفض الانتقال إلى المرحلة 2 من الاتفاق، وتصرّ على ربط أي تقدم بنزع سلاح حركة حماس. فما الجديد في ملف المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية في مصر؟ وما أبرز العوائق التي تواجه الوساطة المصرية؟
كواليس ما قبل الاجتماع: خلافات غير محسومة
قال مصدر ضمن وفد الفصائل الفلسطينية الذي وصل إلى القاهرة الأحد 11 يناير/ كانون الثاني 2026 إن موعد اجتماع الفصائل المزمع عقده الثلاثاء لم يتأكد بعد، على الرغم من وصول وفد من حركة حماس، مشيرًا إلى أن الأزمة الأساسية تتمثل في عدم موافقة حركة فتح على المشاركة، فيما تبذل القاهرة جهودًا مكثفة لتغيير هذا الموقف.
وأوضح المصدر، في حديثه لـ"عربي بوست"، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يرفض حاليًا أي لقاءات مع حركة حماس، خشية تعرضه لانتقادات أميركية وإسرائيلية، إلى جانب تملّصه من الالتزامات السابقة، رغم محاولات القاهرة طمأنة حركة فتح عبر طرح صيغة لجنة يمكن أن يصدر قرار تعيين رئيسها عن السلطة الفلسطينية، بما يمنحها تبعية رسمية تصرّ عليها فتح.
وأشار المصدر إلى أن أحد الملفات العالقة التي تؤخر عقد الاجتماع، رغم وصول وفود الفصائل بما فيها حماس، يتمثل في سعي الحركة إلى عدم الخروج من المشهد دون مكاسب، خصوصًا عند تسليم الوزارات والجهات الإدارية، حيث تهدف إلى الاحتفاظ بإدارة بعض الهيئات المحلية داخل القطاع.
في المقابل، تسعى السلطة الفلسطينية، بقيادة محمود عباس، إلى أن يكون لها دور مباشر في التشكيل الوظيفي الجديد داخل قطاع غزة، وأن تكون ممثلة داخل الجهاز الشرطي الذي سيتولى إدارة الأمن، وهي ملفات من المنتظر أن تكون حاضرة بقوة على طاولة النقاش في اجتماعات القاهرة خلال الأيام المقبلة.
لجنة حكم غزة: صراع المرجعية والتمثيل
لفت المصدر ذاته إلى أن القاهرة تعمل على عقد الاجتماعات بالتزامن مع وصول ردود نهائية من الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن الأسماء المقترحة لعضوية لجنة إدارة قطاع غزة، بعد أن كانت قد أرسلت في وقت سابق مقترحات جرى التوافق عليها بين الفصائل، باستثناء حركة فتح، خلال اجتماعات عقدت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
وأشار إلى أن النقاش حول جهاز الشرطة الفلسطيني في غزة سيكون من بين الملفات الأكثر حساسية، إذ يوجد في القطاع ما يقرب من 30 ألف شرطي، وأن خروجهم الكامل من المشهد قد يؤدي إلى فراغ أمني، في وقت لا يتجاوز فيه عدد العناصر التي دربتها مصر والأردن نحو 5000 عنصر فقط.
ويبرز في هذا السياق مأزق إضافي يتمثل في الرفض الإسرائيلي والأميركي لأن تكون السلطة الفلسطينية في صدارة المشهد الأمني والإداري داخل القطاع، وهو ما يتطلب، وفق المصدر، مزيدًا من النقاشات المعقدة.
إعلان مرتقب لـ"مجلس السلام" ولجنة التكنوقراط
توقع مصدر "عربي بوست" أن يتم الإعلان عن "لجنة السلام" يوم الخميس 15 يناير/ كانون الثاني 2026، بمشاركة زعماء عرب ودوليين، على أن يلي ذلك الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة الشؤون المدنية في قطاع غزة.
وأشار إلى أن القاهرة انخرطت، الاثنين، في لقاءات منفصلة مع وفد حركة حماس، دون الكشف عن تفاصيل ما دار خلالها، موضحًا أن هذه الاجتماعات تأتي بعد أن أجرت مصر مباحثات مماثلة مع نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ في القاهرة الأسبوع الماضي.
موقف الفصائل الفلسطينية: مرونة مشروطة وتحذيرات من الانقسام
يقود رئيس حركة حماس، خليل الحية، وفد الحركة إلى القاهرة، في إطار السعي لبحث المرحلة 2 من الاتفاق ودفع وقف إطلاق النار في غزة. وتشير المعلومات إلى أن ملف لجنة إدارة غزة سيكون في صدارة مشاورات الجولة الحالية، مع إطلاع الفصائل على الأسماء المقترحة، خاصة في ظل مستجدات تتعلق بتغيير بعض الأسماء بعد تحفظات إسرائيلية.
في المقابل، قال الناطق باسم حركة فتح في غزة، منذر الحايك، إن موافقة حماس على تشكيل لجنة تكنوقراط دون مرجعية للسلطة الوطنية الفلسطينية تعني "الاتجاه نحو الانفصال"، محذرًا من أن المرجعية الخارجية ستحول قطاع غزة إلى إقليم منفصل، والضفة الغربية إلى إقليم آخر.
وشدد الحايك على أن الطريق الوحيد يتمثل في توجه المكتب السياسي لحماس إلى مصر، واللقاء بالوسطاء، والإعلان بوضوح عن رفض تشكيل لجنة لا تكون مرجعيتها السلطة الفلسطينية.
وأضاف أن اتصالات جرت مع الحركة على مختلف المستويات، لكنها لم تسفر عن ردود واضحة حتى الآن، مؤكدًا أن موقف فتح يتمثل في أن تكون لجنة التكنوقراط لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة تابعة للسلطة الفلسطينية، ويقودها وزير فلسطيني.
في المقابل، أعلنت حركة حماس أنها أصدرت توجيهات رسمية لكافة المؤسسات والجهات الحكومية في قطاع غزة بالاستعداد الكامل لتسليم إدارة القطاع إلى هيئة فلسطينية مستقلة من التكنوقراط.
وقال الناطق باسم الحركة، حازم قاسم، إن هذه الخطوة تأتي استجابة للتفاهمات الوطنية، وبناءً على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه تشكيل "مجلس للسلام" في قطاع غزة، مؤكدًا أن الحركة أبلغت جميع الأجهزة بضرورة تسهيل عملية الاستلام وإنجاح عمل الهيئة، وشدد على أن القرار نهائي وواضح.
لماذا اجتماعات القاهرة مفصلية؟
قال مصدر مصري مطلع على تطورات المفاوضات إن الدعوة لاجتماعات القاهرة تهدف بالأساس إلى الإعلان عن تشكيل لجنة تكنوقراط تتولى إدارة الشؤون المحلية في قطاع غزة، بعد توافق مبدئي مع مختلف الأطراف.
وأوضح أن اللجنة المقترحة تضم 12 شخصية، غالبيتهم من المقيمين داخل القطاع، ممن عايشوا الأزمات التي تعرض لها الفلسطينيون، إلى جانب بحث تثبيت وقف إطلاق النار، واتخاذ خطوات تهدف إلى سحب الذرائع من أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بما يتيح الانتقال إلى المرحلة 2 من الاتفاق.
وأشار المصدر إلى أن أهمية هذه الاجتماعات تتعاظم في ظل نية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإعلان عن تشكيل "مجلس السلام الدولي"، الذي سيضم زعماء من العالمين العربي والإسلامي ودول أوروبية، برئاسته، إلى جانب مجلس تنفيذي يضم عددًا من الشخصيات الدولية.
ويُرجَّح أن يتولى السياسي والدبلوماسي البلغاري السابق نيكولاي ملادينوف منصب المدير التنفيذي لـ"مجلس السلام في غزة"، بعد أن سبق له تولي منصب المبعوث الأممي لعملية السلام، فيما كشفت تقارير أميركية أنه المرشح الأبرز لهذا المنصب.
الأزمة الأكبر: تعنّت إسرائيلي يعرقل كل المسارات
أكد مصدر فلسطيني مطلع على تفاصيل المفاوضات أن اجتماعات القاهرة قد تنجح في تجاوز الخلافات المتعلقة بلجنة إدارة غزة، غير أن الأزمة الأكبر تبقى في إصرار الاحتلال الإسرائيلي على ربط الانتقال إلى المرحلة 2 من وقف إطلاق النار بنزع سلاح حركة حماس.
وأوضح أن القاهرة تدرك أن أي تقدم على مستوى لجنة الإدارة سيبقى هشًا في ظل هذا التعنّت، لكنها تحاول في الوقت ذاته سد الفجوات بين الفصائل لمنع إسرائيل من استخدام الانقسامات ذريعة لعرقلة الاتفاق.
وأشار المصدر إلى أنه لم يعد هناك سلاح يشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل داخل القطاع، موضحًا أن عدد المسلحين يقدّر بنحو 20 ألفًا، وعدد الأسلحة بنحو 60 ألف بندقية، محذرًا من أن تسليم السلاح لن يضمن بالضرورة الانتقال إلى المرحلة 2، في ظل سعي نتنياهو، لأسباب انتخابية وقومية داخلية، إلى إبقاء الأزمة مفتوحة قبل نحو 10 أشهر من الانتخابات المقبلة.
وتوقع المصدر أن يتم الإعلان عن "مجلس السلام" وتفاصيل المجلس التنفيذي خلال الأيام المقبلة، إلا أن قدرة هذه الأطر على العمل الفعلي على الأرض ستبقى رهنًا بالانسحاب الإسرائيلي والتوصل إلى تفاهم بشأن سلاح حماس، التي لا تزال متمسكة به حتى الآن.
الدور المصري وحدود الضغط
من جهته، قال مصدر مصري آخر قريب من الحكومة إن حركة حماس لم تُبدِ موقفًا نهائيًا بشأن نزع السلاح، لكنها أظهرت مرونة كبيرة فيما يتعلق بتسليم إدارة القطاع للجنة تكنوقراط، وهو ما يترك فجوات عملية تحاول القاهرة التعامل معها.
وأضاف المصدر أن أيًا من الدول المشاركة في "مجلس السلام" لن تقبل بتولي مهمة نزع السلاح دون اتفاق صريح مع حركة حماس، وأن أي ضغوط أميركية أو إسرائيلية في هذا الاتجاه تواجه رفضًا واضحًا.
وأشار إلى أن ترامب يواجه تحديات دولية أكثر إلحاحًا من ملف غزة حاليًا، وهو ما يستدعي، وفق المصدر، مضاعفة جهود الوسطاء لإنهاء الخلافات الفلسطينية الداخلية.
وفي هذا السياق، تؤكد القاهرة، بحسب مصادر "عربي بوست"، أنها تقوم بدورها التقليدي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وتسعى في الوقت نفسه إلى تقليص هامش المناورة أمام إسرائيل، خاصة في ظل إصرارها على خطط تهجير الفلسطينيين.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع تأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، خلال استقباله الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس.
وبحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية السبت، شدد الجانبان على ضرورة ضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل منتظم ودون قيود، ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، إلى جانب الإسراع في بدء تنفيذ المرحلة 2 من اتفاق وقف إطلاق النار، وبدء عملية إعادة إعمار القطاع.