في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، لم يُتعامل مع خبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على أنه حدث بعيد عن الشرق الأوسط أو تطور محصور بالجغرافيا اللاتينية. فكاراكاس، التي بدت لسنوات خارج خرائط الصراع المباشر، عادت فجأة إلى قلب الحسابات الدولية، ليس بوصفها ساحة أميركية لاتينية فحسب، بل باعتبارها حلقة مفصلية في شبكة النفوذ والتمويل التي نسجتها إيران وحلفاؤها، خاصة حزب الله اللبناني، بعيدًا عن أعين النظام المالي الدولي.
بالنسبة لحزب الله، لا تُقرأ التطورات الفنزويلية بوصفها رسالة سياسية عامة أو خطوة ردعية عابرة، بل كتحول نوعي في مقاربة واشنطن لشبكات خصومها. فحين تنتقل الولايات المتحدة من سياسة الاحتواء الطويل إلى استهداف ما تصفه الدوائر الغربية بـ"العُقد الطرفية" لمنظومات الالتفاف على العقوبات، تصبح الجغرافيا البعيدة أقل أمنًا، وتتحول الدول الحليفة لإيران إلى ساحات اختبار لقدرة واشنطن على كسر هذه المنظومات، لا مجرد محاصرتها.
يتقاطع هذا التحول الدولي مع استحقاق لبناني بالغ الدقة، يتمثل في جلسة حكومية مفصلية يُفترض أن تبحث عمليًا في مستقبل مقاربة الدولة لملف السلاح شمال الليطاني. وبين تصاعد الضغوط الخارجية، وتكثّف الرسائل الأميركية، وهشاشة التوازنات الداخلية، لم تعد خيارات حزب الله مفتوحة كما في السابق، ولم يعد الوقت عاملًا محايدًا. من هنا، يطرح هذا التطور سؤالًا مباشرًا: كيف تُعيد ضربة كاراكاس خلط أوراق الحزب عشية قرار حكومي قد يرسم ملامح مرحلة جديدة؟
رسائل واشنطن من اعتقال مادورو
جرى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية وُصفت بـ"الخاطفة والمحدودة"، نفذتها قوة أميركية خاصة خارج الإطار العسكري التقليدي، ومن دون أي إعلان رسمي مسبق. واستندت العملية إلى مذكرات قضائية أميركية تتعلق بملفات تهريب مخدرات وتبييض أموال والتحايل على العقوبات، بعد أشهر من العمل الاستخباري والتنسيق مع أطراف إقليمية، مع حرص واشنطن على إبقائها في إطار أمني–قضائي لتفادي تحويلها إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وبحسب مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست"، فإن هذه العملية لم تكن مجرد خطوة لإسقاط نظام حليف لإيران، بل حملت بعدًا ردعيًا متعدد الاتجاهات. فقد أرادت واشنطن، أولًا، إسقاط فرضية أن الأنظمة المحاصَرة يمكنها الاحتماء بالجغرافيا البعيدة أو بالتحالفات الدولية لتفادي المحاسبة. وثانيًا، توجيه رسالة واضحة إلى إيران وحلفائها بأن مرحلة إدارة الصراع عبر الأطراف باتت مهددة، وأن هامش المناورة غير المباشرة يضيق.
وتلفت المصادر إلى أن التوقيت لم يكن صدفة. فالعملية جاءت في لحظة تشهد فيها إيران توسعًا ملحوظًا في الاحتجاجات الشعبية، لا سيما في الأوساط الاقتصادية والتجارية، مع تسجيل انهيارات متسارعة في سعر العملة وتراجع القدرة الشرائية. وفي هذا المناخ، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب منسوب الخطاب تجاه طهران، محذرًا من استخدام العنف ضد المتظاهرين، في رسالة بدت مزدوجة الدلالة: ضغط سياسي من الخارج، وتذكير بإمكانية الانتقال إلى أدوات أكثر مباشرة إذا اقتضت الحسابات.
من طهران إلى الضاحية: الرسالة تصل إلى حزب الله اللبناني
لم تتوقف التداعيات عند إيران. فوفق مصادر حكومية لبنانية رفيعة لـ"عربي بوست"، تلقّى حزب الله اللبناني خلال الأشهر الماضية إشارات متزايدة عبر قنوات أميركية مختلفة، تفيد بأن واشنطن تنظر إلى فنزويلا باعتبارها أحد الأعمدة الخلفية لمنظومة التمويل غير التقليدي للحزب. ومع سقوط هذا العمود، أو تعريضه على الأقل لضربة قاصمة، تصبح قدرة الحزب على تعويض خسائره المالية أكثر تعقيدًا، في ظل تشديد الرقابة على المسارات البديلة.
وتكشف المصادر أن رجل أعمال لبنانيًّا، وهو شيعي، زار لبنان في الصيف الفائت، وعقد لقاءات مع مسؤولين في الرئاسات اللبنانية، ومع شخصيات على تماس مباشر مع حزب الله من رجال أعمال ونافذين. ونقل الرجل، بحسب المصادر، رسالة مباشرة إلى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، مفادها أن الولايات المتحدة حسمت قرارها في إسقاط النظام السياسي في فنزويلا، وأنها مستعدة للذهاب بعيدًا في المواجهة مع إيران إذا لم تُفتح نافذة تفاوض جدية وفق الشروط الأميركية.
وبحسب ما نُقل في هذا السياق، فإن حزب الله اللبناني لا ينبغي أن يراهن لا على عامل الوقت ولا على تبدّل الأولويات الدولية، ولا سيما على حدوث تغيير جوهري في جوهر السياسة الأميركية. كما تضمنت الرسالة، وفق المصادر، عرضًا غير مباشر للحزب، يقوم على دخوله في تسوية مع الدولة اللبنانية، عبر إعلان رسمي بالموافقة على البدء بمسار تسليم السلاح شمال الليطاني، قبل أن تُفرض عليه معادلات إقليمية أكثر تشددًا.
وأكد مصدر حكومي لـ"عربي بوست" أن جوهر هذه التسوية، وفق الطرح الأميركي، يقوم على إعادة تعريف دور حزب الله داخل النظام اللبناني، وحدود حضوره في مؤسسات الدولة والأجهزة الرسمية، الأمنية منها والمدنية، مقابل البحث الجدي في مستقبل سلاحه.
خيارات واشنطن وتل أبيب مؤجلة بانتظار اللحظة
يتقاطع هذا المسار مع تطورات لافتة على خط واشنطن–تل أبيب، تمثلت في الاجتماع 5 خلال أقل من عام بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في توقيت استثنائي من حيث مدته وطبيعته والوفد المرافق له.
وبحسب المصادر، لم يكن الاجتماع مخصصًا لغزة أو للملف الفلسطيني والسوري فقط، بل تركز في جانب كبير منه على إيران ولبنان. وبرز في المؤتمر الصحافي الختامي تمسك ترامب بالعمومية، وتكراره لعبارة "سنرى ما سيحدث"، وهي عبارة فسرتها أطراف إقليمية على أنها ترك متعمّد لباب الخيارات مفتوحًا، بانتظار انقشاع صورة الشارع الإيراني في ظل الحراك الشعبي المتصاعد.
أما نتنياهو، الذي لا يخفي رغبته في توجيه ضربة استراتيجية لإيران وإنهاء ما تبقى من نفوذها الإقليمي، فيدرك أن أي عملية عسكرية واسعة في لبنان أو ضد حزب الله ستكون مرتبطة عضويًا بمآلات الداخل الإيراني وبحسابات واشنطن الأوسع، ولا سيما في سياق صراعها الدولي مع الصين وروسيا.
ما الذي يجري في الداخل اللبناني؟
في هذا المناخ الإقليمي المتشابك، تكتسب جلسة مجلس الوزراء اللبناني المقررة في 8 كانون الثاني/ يناير الجاري أهمية استثنائية. فالجلسة ستشهد عرض قائد الجيش للتقرير 4 والأخير حول المرحلة 1 من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، لكنها، وفق مصادر حكومية، ستشكّل عمليًا نقطة انعطاف في النقاش حول المرحلة 2 شمال الليطاني.
وتشير المعلومات إلى أن التقرير سيؤكد إنجاز الجيش لمهامه في المناطق التي دخلها، مع الإقرار بأن الانتشار لا يزال غير مكتمل بفعل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط محددة. غير أن النقاش الحقيقي، وفق المصادر، سيبدأ عند السؤال الجوهري: هل تنتقل الدولة اللبنانية إلى المرحلة 2، في ظل رفض حزب الله أي نقاش حول سلاحه خارج الجنوب؟
وتوضح المصادر أن الحكومة ستكون أمام معادلة دقيقة: المضي تدريجيًا في إجراءات أمنية واحتوائية شمال الليطاني من دون إطلاق حملة شاملة، أو التريّث بانتظار تبلور المشهد الإقليمي، مع ما يحمله ذلك من ضغوط أميركية ودولية إضافية.
وتشير في هذا السياق إلى أن واشنطن ستراقب هذه الجلسة عن كثب، وفق ما أبلغه السفير الأميركي ميشال عيسى للمسؤولين اللبنانيين، ليس فقط من زاوية القرارات الرسمية، بل من زاوية الرسائل السياسية التي ستصدر عنها، ومدى استعداد الدولة اللبنانية للانتقال من إدارة التوازنات إلى اتخاذ قرارات استراتيجية.
مسارات مفتوحة، لكن هامش المناورة يضيق
خلاصة المشهد، وفق مصادر دبلوماسية عربية، أن ضربة فنزويلا لم تكن حدثًا بعيدًا عن لبنان، بل جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لساحات النفوذ الإيرانية. وبينما يراهن حزب الله على أن واشنطن لا تزال تفضّل تسويات مرحلية وتجنّب حرب شاملة، توحي المؤشرات المتراكمة بأن هامش المناورة يضيق، وأن كلفة الانتظار قد تصبح أعلى من كلفة الدخول في تسوية داخلية بشروط أقل قسوة.
وفي ظل هذا التشابك بين كاراكاس وطهران وواشنطن وتل أبيب وبيروت، تبدو جلسة مجلس الوزراء المقبلة أكثر من مجرد استحقاق إداري. إنها حلقة في مسار إقليمي تُكتب فصوله خارج لبنان، لكن تداعياته ستنعكس عليه مباشرة، سياسيًا وأمنيًا، في مرحلة تبدو فيها الخيارات محدودة، والوقت عاملًا ضاغطًا على الجميع.