قانون الحشد الشعبي يشعل صراع النفوذ بين واشنطن وطهران في العراق مصادر: الأمريكيون هددوا بعقوبات على النفط واغتيال قادة الفصائل الشيعية

عربي بوست
تم النشر: 2025/08/31 الساعة 09:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2025/08/31 الساعة 09:27 بتوقيت غرينتش
مسيرة مهاجر-6 الهجومية التي يستخدمها الحشد الشعبي في العراق المدعوم من قبل إيران - أرشيفية Getty

يتصاعد الجدل في العراق حول مشروع قانون الحشد الشعبي ليخرج من إطاره التشريعي ويتحوّل إلى معركة نفوذ مكشوفة بين واشنطن وطهران، هذه الأخيرة التي ترفض بشكل قاطع أي مساس بسلاح الفصائل الموالية لها.

وكشفت مصادر حكومية وسياسية لـ"عربي بوست" أن الإدارة الأمريكية لوّحت بفرض عقوبات على قطاع النفط العراقي، ووقف التعاون الأمني، وحتى استهداف قادة فصائل شيعية بالاغتيال في حال لم يتم المصادقة على مشروع القانون وفق الصيغة التي قدمتها أمريكا.

ومنذ أكثر من ست سنوات يعود الجدل في العراق حول مستقبل هيئة الحشد الشعبي وقانونها الصادر عام 2016، لكن التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة جعلت الملف أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. 

ولم ينته الجدال بخصوص القانون إلى الآن بل اتسعت رقعة الجدل إلى ربط إقرار القانون بهيبة واستقلال الدولة العراقية، حيث اتهم مؤيدو تمرير القانون بأن التهديدات الأمريكية التي تعارض إقرار قانون الحشد الشعبي تُعتبر انتهاك صريح للسيادة العراقية.

في المقابل، يُحاول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كسب الوقت عبر تأجيل التصويت على مشروع القانون إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، حتى يستطيع الموازنة بين حسابات الداخل وضغوط الخارج.

ما هو قانون الحشد الشعبي

منذ ست سنوات يتجدد الحديث داخل الساحة السياسية العراقية حول تعديلات قانون الحشد الشعبي الصادر عام 2016، في مسعى لإعادة تموضع هذه الهيئة شبه العسكرية داخل مؤسسات الدولة، لكن كل تلك المحاولات انتهت إلى الفشل، فيما واصل الحشد الشعبي توسعه ليصبح مؤسسة قائمة بذاتها بميزانية سنوية من خزينة الدولة، من دون أن يخضع لأي رقابة حكومية تُذكر. 

ومع تصاعد المتغيرات الإقليمية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واشتداد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، عاد ملف إعادة هيكلة الحشد إلى الواجهة، هذه المرة في سياق ضغوط مباشرة على بغداد لنزع سلاحه أو دمجه في القوات المسلحة الرسمية.

وتشكّل الحشد الشعبي من عشرات الفصائل المسلحة ذات الغالبية الشيعية والمقرّبة من إيران، والتي برزت مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم جرى تأطيرها قانونياً عام 2016. 

لكن منذ البداية، ظل الجدل حول مستقبل هذه القوة قائماً: هل تندمج في المؤسسة العسكرية الرسمية أم تبقى كياناً موازياً له استقلاليته السياسية والأمنية؟

وطرحت الحكومة العراقية، تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشروع قانون لإعادة هيكلة الحشد الشعبي وتحديد سن تقاعد قادته، وهو المشروع الذي حظي بدعم شخصيات بارزة في الإطار التنسيقي الشيعي مثل نوري المالكي وقيس الخزعلي.

ورألا هؤلاء القادة في مشروع القانون فرصة لإزاحة فالح الفياض من رئاسة الهيئة، ولتعزيز نفوذهم داخلها، غير أن المشروع اصطدم برفض شديد من فصائل الحشد وطهران، ما دفع الحكومة إلى سحبه، فيما كثفت واشنطن ضغوطها على بغداد للحد من نفوذ الحشد.

وفي محاولة للموازنة بين الضغوط الأمريكية وحساسية الفصائل الموالية لإيران، عادت الحكومة العراقية بمشروع قانون جديد لإعادة هيكلة الهيئة، لكن هذا المشروع، الذي لم يتمكن البرلمان من تمريره رغم طرحه أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة، زاد من حدة الجدل بعدما تضمّن بنوداً اعتُبرت تكريساً لاستقلالية الحشد أكثر من تقييده.

فالمشروع الجديد يمنح الحشد وضعاً قانونياً مستقلاً في إدارة شؤونه المالية والإدارية والعسكرية، ويمنح رئيس الهيئة رتبة وزير ومقعداً في المجلس الوزاري للأمن الوطني مع صلاحيات واسعة في التعيين والإقالة وإصدار الأوامر العسكرية، من دون العودة لرئيس الوزراء.

كما يسمح مشروع القانون بإنشاء أكاديمية عسكرية خاصة، ومديرية للتوجيه العقائدي شبيهة بما هو معمول به في الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى تقنين الذراع الاقتصادي للحشد عبر شركة "المهندس" التي يُقارنها كثيرون بمؤسسة "خاتم الأنبياء" الاقتصادية التابعة للحرس الثوري.

هذه البنود، التي يصفها مؤيدوها بأنها خطوة لإضفاء الشرعية على مؤسسة قاتلت "داعش" وحمت الدولة العراقية، تراها واشنطن محاولة لتكريس "دولة داخل الدولة"، وتعتبرها تهديداً مباشراً لمساعي تقليص النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة. 

تهديدات أمريكية

لم تكتفِ إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بممارسة الضغوط على حكومة محمد شياع السوداني لدفعها نحو دمج الحشد الشعبي في المؤسسات العسكرية الرسمية وإخضاعه للرقابة، بل صعّدت لهجتها لتتحول الضغوط إلى تهديدات صريحة.

يقول مصدر حكومي مقرّب من رئيس الوزراء العراقي تحدث لـ"عربي بوست": "أبلغت واشنطن السوداني أنها ستفرض عقوبات على قطاع النفط العراقي إذا جرى تمرير قانون الحشد الشعبي بصورته الحالية، بعد أن كانت تهدد في وقت سابق بفرض عقوبات اقتصادية على بعض البنوك.

وأضاف المصدر نفسه أن وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، وفي مكالمة هاتفية مع السوداني، لوّح بخيارات أكثر خطورة، من بينها اغتيال قادة الفصائل الشيعية المقرّبة من إيران – سواء عبر عمليات أمريكية مباشرة أو بترك إسرائيل تنفذها.

كما هددت أمريكا، حسب المصدر ذاته، بفرض عقوبات على شخصيات سياسية شيعية، ووقف التعاون الأمني والاستخباراتي مع بغداد، بما في ذلك المساعدات المقدمة للجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية، بالإضافة إلى التهديد الأكبر بإزاحة حكم الأغلبية الشيعية في العراق.

من جهته يرى قيادي في الإطار التنسيقي الشيعي في حديثه مع "عربي بوست" أن واشنطن تعي جيداً قلق القوى الشيعية من خسارة نفوذها في ظل التطورات في سوريا وإيران، ولذلك تلجأ إلى هذه الورقة للضغط على السوداني.

وفي محاولة لامتصاص التوتر، طلب رئيس الوزراء العراقي من واشنطن تأجيل الخوض في مشروع قانون الحشد الشعبي إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وهو ما وافقت عليه الإدارة الأمريكية بشكل مبدئي، لكنها اشترطت ضبط الفصائل الشيعية الموالية لإيران التي استهدفت مؤخراً منشآت نفطية في إقليم كردستان.

وبحسب مسؤول حكومي عراقي مقرب من الإطار التنسيقي، فإن الأمريكيين أرسلوا إلى السوداني نتائج تحقيقاتهم بشأن تلك الهجمات التي نُفذت بطائرات مسيّرة واستهدفت حقول نفط وغاز تديرها شركات أمريكية وأوروبية في الإقليم بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وطالبوه بإعلان الجهة المسؤولة عنها، غير أن السوداني رفض ذلك مدركاً تبعاته السياسية والأمنية، الأمر الذي زاد من غضب واشنطن.

المسؤول نفسه أشار إلى أن التحقيقات الأمريكية حمّلت كتائب حزب الله وحركة النجباء مسؤولية هذه الهجمات، في إطار سعيهما لمعاقبة إقليم كردستان على توقيعه عقوداً مع شركات أمريكية لإدارة الحقول النفطية بعيداً عن سلطة الحكومة المركزية في بغداد.

حيرة الإطار التنسيقي ومعركة نفوذ

رغم تأجيل التصويت على قانون الحشد الشعبي، تعيش قوى الإطار التنسيقي الشيعي في العراق حالة من الحيرة بين ضغط واشنطن التي أرسلت تهديدات بإزاحتها، ورفض طهران القاطع لأي مساس بسلاح الحشد. 

يقول سياسي شيعي مقرّب من نوري المالكي لـ"عربي بوست": "الأمريكان يطالبون بحل الحشد بشكل كامل، لا مجرد دمجه أو تقليص استقلاليته، وهذا أمر شبه مستحيل، حتى القوى داخل الإطار التي ترى أن نفوذ الحشد لم يعد في مصلحة العراق، لا تذهب إلى حد القبول بحلّه نهائياً".

وأضاف المصدر ذاته أن أغلب قوى الإطار تعتبر الحشد "الضامن الرئيسي لمكاسب الشيعة في العراق"، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تؤدي المواجهة المباشرة مع واشنطن إلى خسارة هذه المكاسب، لذلك تراهن على المناورة وكسب الوقت على أمل أن تنشغل الإدارة الأمريكية بملفات أخرى بعيداً عن العراق.

ويرى السياسي ذاته أن المخرج الأكثر واقعية يتمثل في إبداء بعض المرونة من جانب الحشد، وخاصة الفصائل المقرّبة من إيران، لتفادي التهديدات الأمريكية قائلاً: "إذا نجح السوداني في تأجيل التصويت لما بعد الانتخابات البرلمانية، سيحاول قادة الإطار إقناع الفصائل بالتنازل عن بعض المكاسب لمجاراة العاصفة، وأعتقد أن طهران قد تتجاوب مع هذا الحل أيضاً".

يرى كثيرون في العراق أن معركة تمرير قانون الحشد الشعبي لم تعد مسألة تنظيمية داخلية بقدر ما أصبحت صراع نفوذ مفتوحاً بين واشنطن وطهران، بينما يخشى القادة العراقيون من ارتدادات هذا الصراع على الاستقرار السياسي في البلاد.

ويقول الباحث السياسي العراقي سجاد أحمد لـ"عربي بوست": "اختار السوداني مسار الترحيل وانتظار الدورة البرلمانية الجديدة، فنتائج الانتخابات المقبلة قد تغيّر الخريطة السياسية وتفتح باباً لحل الأزمة".

 لكنه يشير في الوقت نفسه إلى مسار آخر تدعمه غالبية قوى الإطار التنسيقي، يقوم على إدخال تعديلات جدية تراعي حسابات مختلف الأطراف، وخصوصاً واشنطن، ولو بشكل مؤقت، بهدف تهدئة إدارة ترامب.

ويحذّر أحمد من أن العراق يقف أمام مرحلة سياسية بالغة الخطورة، إذ تتزامن الأزمة مع احتمالات اندلاع جولة جديدة من الصراع بين إيران وإسرائيل، وضغوط أمريكية متزايدة، إلى جانب خشية الحكومة العراقية من انخراط الفصائل المسلحة في أي مواجهة إقليمية مقبلة. 

ويضيف: "العراق على مفترق طرق. القوى الشيعية لا تستطيع التخلي عن الحشد أو فك ارتباطها بإيران بسهولة، لكن التهديدات الأمريكية هذه المرة أكثر جدية، خاصة وأن إدارة ترامب لا تضع استقرار العراق في أولوياتها، بل تركّز على تقليص النفوذ الإيراني، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة أزمات بطريقة مختلفة، وبناء توافقات سياسية أوسع".

تحميل المزيد