كشفت مصادر مصرية متطابقة تعمل في الخارجية المصرية وفي مجلس الوزراء ويتقاطع عملها مع الملف الاقتصادي، أن صندوق النقد الدولي قام بتأجيل اجتماع حول اعتماد الشريحة الجديدة من قرض الصندوق للقاهرة إلى مارس /آذار 2025 المقبل.
وقالت المصادر التي تحدثت إلى "عربي بوست" إنها تمت إخطار السلطات المصرية بترتيبات لاجتماع صندوق النقد الدولي في يناير/ كانون الثاني 2025 من أجل إتمام المراجعة الرابعة لقرض مصر من صندوق النقد الدولي، والسماح للقاهرة بالحصول على ما قيمته 1.2 مليار دولار كقيمة للشريحة الجديدة من قرض صندوق النقد الدولي.
لكن – وحسبما قالت المصادر – فإن صندوق النقد الدولي قام بإبلاغ القاهرة بتأجيل مناقشة المرحلة الرابعة من القرض إلى شهر فبراير/شباط 2025، ثم تم الآن تأجيل الاجتماع لشهر مارس/ آذار، وبناء على ذلك تم تأجيل حصول مصر على 1.2 مليار دولار قيمة الشريحة الجديدة من قرض صندوق النقد الدولي ولم تستلمها حتى الآن.
وألمح مصدر بوزارة الخارجية المصرية إلى أن تأجيل اجتماع المديرين التنفيذيين لصندوق النقد الدولي بشأن مصر يكشف عن حجم الخلافات بين الجانبين حول الشروط المتبقية، التي ترفضها مصر في ظل ضغوط الصندوق على السلطات المصرية.
المراجعة الرابعة
في سياق متصل، يجب الإشارة إلى أن المراجعة الرابعة لبرنامج القرض مع مصر تتناول تفاصيل تمويلات جديدة، بما في ذلك تمويل صندوق الصلابة والاستدامة بقيمة 1.3 مليار دولار. وقد تم التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بين السلطات المصرية والصندوق بشأن المراجعة الرابعة، التي تُعتبر بمثابة نقطة منتصف الطريق من أصل 8 مراجعات في البرنامج الذي يمتد على 46 شهرًا.

تأتي هذه المراجعة في وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز استقرارها الاقتصادي، وذلك بعد الاتفاق مع السلطات المصرية على مستوى الخبراء. ورغم العلاقة الجيدة بين مصر والصندوق، قد يكون لتأجيل اجتماع مجلس المديرين التنفيذيين للصندوق تأثيرات متعددة على الاقتصاد المصري، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وصرف الأموال المقترضة. هذا التأجيل قد يؤدي إلى تأخيرات في صرف الشريحة الرابعة من قرض الصندوق.
التعويم وشركات الجيش
في سياق متصل، قالت مصادر بمجلس الوزراء المصري إن مفاوضات القاهرة مع صندوق النقد الدولي بشأن الشروط الأخيرة الواجب تنفيذها قد شهدت توترًا، حيث يرى الصندوق أن مصر "تحاول التهرب منها". وأشارت المصادر إلى أن الصندوق يمارس ضغوطًا كبيرة على القاهرة لطرح شركات الجيش في البورصة، وهو ما ترفضه الحكومة المصرية.
وأضاف المصدر أن شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2024 شهدا مفاوضات مكثفة بين الجانب المصري وصندوق النقد الدولي حول بندين أساسيين. الأول هو السماح بتعويم جديد للجنيه المصري مقابل الدولار، بحيث تصل قيمة الدولار إلى ما يقارب الـ60 جنيهًا مصريًا، وهو رقم تتخوف الحكومة من الوصول إليه بسبب تأثيره الكبير على الوضع الاقتصادي في مصر.
وأشار المصدر إلى أن الحكومة المصرية بذلت محاولات لضبط الأمور في الأشهر الماضية بسبب ارتفاع الدولار إلى نحو 51 جنيهًا مصريًا، من خلال اتخاذ قرارات مثل رفع الحد الأدنى للأجور إلى 7 آلاف جنيه مصري، مع وعود بحزم اجتماعية لدعم الفقراء. وتعتبر هذه الخطوات محاولات من الحكومة "لمعالجة النزيف الاقتصادي الناتج عن ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه".
وشدد المصدر على أن وصول الدولار إلى 60 جنيهًا مصريًا سيتطلب اتخاذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية الصعبة التي "لن يتحملها الشارع المصري"، وهو ما يولد الخوف لدى الحكومة من اتخاذ هذه الخطوة.
أما البند الثاني الذي شهد خلافًا كبيرًا بين السلطات المصرية وصندوق النقد الدولي فهو ملف بيع شركات الجيش المصري في البورصة والسماح بدخول مستثمرين مدنيين وأجانب للاستثمار فيها. وقال المصدر إن صندوق النقد الدولي يطرح هذا الملف في كل اجتماع مع الجانب المصري، مؤكدًا على ضرورة طرح شركات الجيش في البورصة لمستثمرين عرب وأجانب. وأشار المصدر إلى أن الصندوق أبلغ الحكومة المصرية أنه من الممكن التفاوض حول البنود العالقة بشأن القرض، ولكن بعد "حسم ملف تدخل الجيش في الاقتصاد".
في المقابل، وحسب المصدر ، فإن السلطات المصرية أبلغت صندوق النقد الدولي في اجتماعات ديسمبر/كانون الأول 2024 أنها قد تذهب إلى طرح "بعض الشركات التي ليس لها تأثير كبير في اقتصاد الجيش"، لكن الشركات الكبرى لن يتم طرحها في البورصة.
وأشارت المصادر إلى أن صندوق النقد الدولي يضع القاهرة أمام خيارات ضيقة للحصول على الشريحة الجديدة من القرض في ظل تأزم الوضع الاقتصادي.
موقف صندوق النقد
وفي متابعة لمؤشرات سابقة لصندوق النقد الدولي بشأن المراجعة الرابعة، قالت جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات بصندوق النقد الدولي، رداً على سؤال حول التفاوض مع مصر بخصوص الدفعة الجديدة من القرض، إن موظفي صندوق النقد الدولي والسلطات المصرية توصلوا إلى اتفاق على مستوى الموظفين بشأن المراجعة الرابعة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد.
وأوضحت كوزاك أنه في ضوء الظروف الخارجية والبيئة المحلية الصعبة، تم الاتفاق على خفض التضخم، والحفاظ على مرونة سعر الصرف، وتحرير الوصول إلى النقد الأجنبي، بالإضافة إلى تعزيز الإيرادات المحلية وتحسين بيئة الأعمال وتسريع جذب الاستثمارات. كما تم التأكيد على أهمية تسوية المنافسة بين الشركات المملوكة للدولة والقطاع الخاص. ويهدف البرنامج أيضًا إلى تعزيز الحوكمة والشفافية.
وقد أصدر صندوق النقد الدولي بيانًا في ديسمبر/كانون الأول 2024 ذكر فيه أن موظفي الصندوق والسلطات المصرية توصلوا إلى اتفاق على مستوى الموظفين بشأن المراجعة الرابعة بموجب اتفاق تسهيل الصندوق الممدد. ورهنًا بموافقة المجلس التنفيذي، ستتمكن مصر من الحصول على نحو 1.2 مليار دولار أمريكي.
ضغوط إقليمية وتهيئة مجتمعية
وفيما يتعلق بمصير التفاوض مع الصندوق واحتمالية تأجيل اجتماع مديري الصندوق التنفيذيين مرة أخرى، قالت المصادر المصرية إن القاهرة تعول على أن أطرافًا إقليمية ستضغط على صندوق النقد لإنجاز المراجعة الجديدة دون الحاجة إلى بيع شركات الجيش في البورصة أو تعويم الجنيه مجددًا أمام الدولار.
كما أوضحت المصادر أن القاهرة سعت في الأيام الماضية، بعد علمها بأن الصندوق سيؤجل الاجتماع الجديد، إلى تهيئة الداخل المصري بأن "ثمة ضغوط اقتصادية ربما تواجهها القاهرة"، داعية المواطنين لدعم السلطة. وهو الخطاب الذي تكرره العديد من وسائل الإعلام المؤيدة للنظام، مثل أحمد موسى وآخرين.
السنة | مصدر القرض | قيمة القرض | ملاحظات |
---|---|---|---|
2016 | صندوق النقد الدولي | 12 مليار دولار | دعم برنامج الإصلاح الاقتصادي |
2022 | صندوق النقد الدولي | 8 مليارات دولار | تمويل على أربع سنوات |
2022 | صندوق النقد الدولي | 3 مليارات دولار | تمويل على أربع سنوات (قرض إضافي) |
2024 | البنك الدولي | 6 مليارات دولار | دعم نمو القطاع الخاص وتوفير فرص العمل |
2024 | البنك الدولي | 700 مليون دولار | دعم الموازنة المصرية وتحسين الصمود الاقتصادي |
حتى 2027 | الاتحاد الأوروبي | 7.4 مليار يورو (حوالي 8 مليار دولار) | قروض واستثمارات لدعم التنمية الاقتصادية |
– | الاستثمارات في منطقة رأس الحكمة | 35 مليار دولار | اتفاقية استثمار مع الجانب الإماراتي |
وأضاف المصدر أن النظام يعلم جيدًا أن "خطاب التضامن" الذي يحاول إعلاميوه تبنيه لن يجدي نفعًا في الشارع بسبب حالة "الإحباط والتذمر" من الواقع الاقتصادي، وهو ما يتم توثيقه في العديد من التقارير الدولية التي تتناول الوضع الاقتصادي في مصر. ومع ذلك، تعول الحكومة على الدعم الإقليمي من حلفائها للوصول إلى تسوية مع صندوق النقد في أقرب فرصة ممكنة.
مفاوضات صندوق النقد في عهد السيسي
شهدت مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي عدة فترات تفاوضية مع صندوق النقد الدولي، أسفرت عن الحصول على قروض ومساعدات مالية كبيرة تهدف إلى معالجة التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
فترة التفاوض الأولى (2016 – 2017)
بدأت أولى فترات التفاوض مع صندوق النقد الدولي في عام 2016، حيث حصلت مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. تم إقرار هذا القرض في نوفمبر/كانون الأول 2016، وكان جزءًا من برنامج إصلاح اقتصادي شامل تضمن مجموعة من الإجراءات الجذرية التي كانت تهدف إلى تحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد.
من أبرز أهداف البرنامج كان تحرير سعر الصرف، وهو ما تم بالفعل في نوفمبر/كانون الأول 2016 من خلال تعويم الجنيه المصري بالكامل. كما تضمن البرنامج تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي عبر تحسين بيئة الأعمال وزيادة الشفافية. إضافة إلى ذلك، شمل البرنامج إصلاح منظومة الدعم التي كانت تشكل عبئًا على الموازنة العامة، بالإضافة إلى السعي لخفض معدلات التضخم المرتفعة.
فترة التفاوض الثانية (2021 – 2022)
بين عامي 2021 و2022، دخلت مصر في جولة تفاوضية جديدة مع صندوق النقد الدولي، حيث حصلت على قرضين منفصلين في إطار مواجهة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تراجع موارد النقد الأجنبي. في عام 2021، تم الاتفاق على قرض قيمته 5.4 مليار دولار، تلاه في عام 2022 قرض آخر بقيمة 3 مليارات دولار.
تزامنت هذه القروض مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أسفرت عن خروج استثمارات أجنبية غير مباشرة من مصر بنحو 20 مليار دولار، مما زاد من ضغوط السيولة النقدية. كما ساهمت هذه القروض في التخفيف من تأثير ارتفاع معدلات التضخم العالمية على الاقتصاد المصري.
فترة التفاوض الثالثة (2022 – حتى الآن)
في الفترة الأخيرة، تم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي في مايو 2022، أسفر عن حزمة تمويلية جديدة. تم صرف الشريحة الثالثة من هذه الحزمة في مايو/أيار 2023، والتي بلغت قيمتها 820 مليون دولار.
وفي مارس/آذار 2024، تمت زيادة قيمة البرنامج المالي إلى 8 مليارات دولار، مما يعكس استمرار الدعم المقدم من الصندوق لمصر في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وتضمنت الإصلاحات الاقتصادية في هذه الفترة تطبيق نظام سعر صرف مرن، مما أتاح للجنيه المصري التكيف مع التغيرات في الأسواق العالمية. كما شملت الإصلاحات خفض الإنفاق على مشروعات البنية التحتية غير الضرورية وتحفيز القطاع الخاص ليكون محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي.