تحولت قوات البيشمركة الكردية إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف في ملف حصر السلاح بيد الدولة العراقية، بعدما اشترطت فصائل مسلحة شيعية نزع سلاحها ضمن أي تفاهم بشأن تسليم أسلحتها، بالتزامن مع ضغوط سياسية داخل الإطار التنسيقي تطالب بإخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
تضع هذه المطالب حكومة إقليم كردستان أمام اختبار حساس، في ظل غياب نص دستوري عراقي واضح ينظم وضع البيشمركة وصلاحياتها، واستمرار الانقسام العسكري بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم الإعلان رسمياً عن توحيد قواتهما تحت قيادة وزارة البيشمركة.
وبين مخاوف أربيل من استهداف خصوصية الإقليم الأمنية، وضغوط بغداد لحصر السلاح بيد الدولة، يبرز مستقبل البيشمركة بوصفه أحد الملفات المعقدة أمام رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الذي يجد نفسه أمام معادلة تجمع بين مطالب الفصائل الشيعية، وحسابات القوى السياسية، والخلافات الكردية الداخلية.
نزع سلاح قوات البيشمركة الكردية
فور توليه منصبه في مايو/ أيار 2026، أعلن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أن حكومته تعتزم نزع سلاح الفصائل المسلحة وإنهاء أي وجود للسلاح خارج إطار الدولة، إلى جانب إخضاع جميع التشكيلات القتالية والأمنية في العراق لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
وحدد رئيس الوزراء العراقي نهاية سبتمبر/ أيلول 2026 موعداً نهائياً لنزع سلاح الفصائل المسلحة العراقية، قبل أن تقرر الحكومة، وسط الخلافات والجدل المحيطين بالملف، تأجيل المهلة إلى يونيو/ حزيران 2027.
تتركز خطة حصر السلاح بيد الدولة أساساً على الفصائل المسلحة الشيعية الموالية لإيران، والمنضوية تحت مظلة ما يُعرف باسم “المقاومة الإسلامية في العراق”، والتي تضم كتائب حزب الله، وكتائب حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وحركة أنصار الله الأوفياء.
لكن هذه الفصائل وضعت شروطاً لتسليم سلاحها، من بينها نزع سلاح قوات البيشمركة الكردية، وهو ما نقل النقاش من ملف الفصائل المسلحة إلى طبيعة القوات التابعة لإقليم كردستان ووضعها القانوني والعسكري.
وقال قيادي في الإطار التنسيقي الشيعي لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، إن المطالبة بنزع سلاح قوات البيشمركة الكردية لا تقتصر على شروط الفصائل المسلحة، بل تجد صداها أيضاً لدى قوى سياسية داخل الإطار التنسيقي تسعى إلى الضغط على حكومة الزيدي.
وأوضح المصدر أن هذه القوى تستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل، وتعتبر أن حصر السلاح بيد الدولة ينبغي أن يشمل جميع التشكيلات، وأضاف أن بعض الأطراف تحاول استغلال هذه الفرصة لإضعاف إقليم كردستان، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي الحاد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
أزمة الوضع الدستوري
يستند إقليم كردستان في شرعية قوات البيشمركة الكردية إلى القانون رقم 19 لسنة 2007 الخاص بوزارة البيشمركة، والصادر عن برلمان الإقليم، والذي يعتبرها سلطة نظامية شرعية تابعة للوزارة، تتولى حماية الإقليم والدفاع عنه، إلى جانب مساعدة الحكومة الاتحادية في بغداد على حماية أمن العراق وسيادته.
لكن القوى السياسية الشيعية في بغداد تنظر إلى هذه القوات من زاوية مختلفة، إذ تعتبرها تشكيلات حزبية أكثر من كونها قوة عسكرية موحدة تابعة لمؤسسة رسمية. فعملياً، يحتفظ كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقوات بيشمركة خاصة به، ويتولى إدارة شؤونها والإشراف عليها.
من هذا المنطلق، تطالب بعض قوى الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة الشيعية بإخضاع البيشمركة لعملية حصر السلاح بيد الدولة، أسوة ببقية التشكيلات المسلحة.
وقال مسؤول في وزارة البيشمركة الكردية لـ”عربي بوست” إن القادة الأكراد يشعرون بقلق متزايد إزاء دعوات نزع سلاح القوات، مشيراً إلى أن عدم حسم وضعها الدستوري في العراق يفاقم هذه المخاوف.
بحسب المصدر، لا يتضمن الدستور العراقي فقرة مخصصة لوجود قوات البيشمركة الكردية أو طبيعة عملها وصلاحياتها، وهو ما يترك وضعها القانوني عرضة للتجاذبات السياسية بين بغداد وأربيل.
وانتقد المسؤول الكردي الحزبين الرئيسيين في الإقليم، معتبراً أنهما قصّرا في معالجة هذه الإشكالية، رغم تمسكهما باعتبار البيشمركة جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية، وعدم أحقية أي جهة في المطالبة بنزع سلاحها.
وقال المصدر إن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أهملا العمل على تسوية الوضع الدستوري للبيشمركة مع الحكومة الاتحادية، بسبب التنافس السياسي بينهما، ما أدى إلى عدم ضمان وضعها وحقوقها ضمن الدستور العراقي منذ تأسيسها وحتى الآن.
في السياق نفسه، أشار المحلل السياسي الكردي أحمد مسرور إلى أن عدم تسوية الإشكالية الدستورية لقوات البيشمركة مع بغداد يضع حكومة الإقليم في موقف صعب، محذراً من احتمال ظهور دعوات برلمانية خلال الفترة المقبلة لإخضاعها لسلطة القائد العام للقوات المسلحة أو حلها.
توحيد شكلي للقوات
تعود جذور الانقسام العسكري بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى معارك داخلية اندلعت بينهما في منتصف التسعينيات، وأدت إلى انقسام الإقليم إلى منطقتين، تدير كل واحدة منهما سلطة حزبية وقوة أمنية خاصة بها.
في عام 1998، وقّع الحزبان اتفاق سلام أفضى إلى تشكيل حكومة موحدة وتوحيد المؤسسات الإدارية المحلية، لكن هذا التفاهم لم ينهِ الانقسام داخل قوات البيشمركة، التي ظلت موزعة عملياً بين الحزبين، رغم إخضاعها رسمياً لوزارة البيشمركة التابعة لحكومة الإقليم.
وقال المحلل السياسي الكردي أحمد مسرور إن القوى الغربية الصديقة لإقليم كردستان حاولت توحيد قوات البيشمركة الكردية، كما رعت الولايات المتحدة اتفاقاً استراتيجياً لمعالجة الخلافات الحزبية وتوحيدها، لكن هذه الجهود لم تحقق النتائج المرجوة.
وأضاف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يتمسكان بالاحتفاظ بقوة أمنية خاصة لكل منهما، خشية أن يؤدي التخلي عنها إلى سيطرة الطرف الآخر أو فرض نفوذه بالقوة.
على مستوى مناطق النفوذ، يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني على جزء كبير من محافظة أربيل، إضافة إلى محافظة دهوك، بينما يسيطر الاتحاد الوطني الكردستاني على محافظة السليمانية بالكامل، وأجزاء من أربيل وكركوك، إلى جانب حلبجة.
مع تصاعد الدعوات الصادرة من بغداد لحل قوات البيشمركة الكردية أو إعادة دمجها ضمن القوات الأمنية الاتحادية، اتجه الحزبان إلى الإعلان عن خطوات جديدة لتوحيدها، وصفتها مصادر كردية تحدثت إلى “عربي بوست” بأنها شكلية.
ففي نهاية سبتمبر/ أيلول 2026، أعلنت حكومة إقليم كردستان استكمال خطوات توحيد قوات البيشمركة تحت قيادة وزارة البيشمركة، في خطوة قالت إنها تستهدف إنهاء الانقسام العسكري بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
وشمل الإعلان قوات الوحدة 70 المرتبطة بالاتحاد الوطني الكردستاني، وقوات الوحدة 80 التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، مع الإشارة إلى أن القوات باتت تعمل تحت قيادة وسيطرة واحدة، موزعة على 11 فرقة عسكرية.
لكن أحمد مسرور اعتبر أن الإعلان لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الحزبي على قوات البيشمركة، رغم ترحيب الأكراد بالخطوة وتطلعهم إلى أن تكون توحيداً فعلياً وليس مجرد إجراء إداري. وقال إن من الصعب تصديق انتهاء الانقسام بمجرد صدور إعلان رسمي، في ظل استمرار التنافس السياسي بين الحزبين.
من جهته، وصف المسؤول في وزارة البيشمركة الخطوة بأنها “توحيد شكلي”، معتبراً أن توحيد قوات البيشمركة الكردية تحت قيادة واحدة يظل أمراً صعباً ما دام الصراع السياسي بين الحزبين مستمراً.
وأشار المصدر إلى أن الإعلان لم يحسم عدداً من المسائل الأساسية، من بينها مصير القادة والوحدات التي تعمل بصورة مباشرة مع الحزبين، وهي إحدى أبرز العقبات أمام نقل السيطرة الفعلية إلى وزارة البيشمركة.
ورأى المسؤول أن الإعلان يمثل مناورة لمواجهة الدعوات الصادرة من بغداد والمطالبة بإخضاع البيشمركة لسلطة الدولة الاتحادية، كما يهدف إلى إظهار وحدة الموقف الكردي خلال التفاوض بشأن رواتب القوات وتسليحها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية مع انتهاء الدعم المالي واللوجستي الذي كانت الولايات المتحدة تقدمه لقوات البيشمركة، إذ أوقفت واشنطن هذا الدعم في نهاية سبتمبر/ أيلول، في إطار توجه يهدف إلى ربط القوات الكردية وتمويلها بالمنظومة الأمنية العراقية.
موقف الزيدي يحسم المسار
ترى المصادر الكردية التي تحدثت إلى “عربي بوست” أن مستقبل قوات البيشمركة الكردية يتوقف بدرجة كبيرة على موقف رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، في ظل الضغوط التي تمارسها قوى داخل الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة الشيعية.
وقال المسؤول في وزارة البيشمركة إن الحزبين الكرديين يتحملان مسؤولية عدم إدراج وضع القوات في الدستور العراقي، لكنهما يعوّلان حالياً على اتخاذ الزيدي موقفاً إيجابياً تجاه الإقليم وقواته.
وأضاف أن رئيس الوزراء لم يبلغ حتى الآن القادة الأكراد بأي توجه من بغداد لحل قوات البيشمركة الكردية أو دمجها ضمن القوات الأمنية العراقية الرسمية.
لكن المصدر أشار إلى وجود مخاوف من أن يضغط الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة الشيعية على الزيدي لتوسيع نطاق خطة حصر السلاح لتشمل البيشمركة أيضاً، خصوصاً أن استهداف سلاح الفصائل الشيعية دون غيرها قد يضع الحكومة أمام اتهامات بعدم تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل.
بذلك، لا يرتبط مستقبل قوات البيشمركة الكردية فقط بقرار حكومي بشأن نزع السلاح أو إعادة الهيكلة، بل يتداخل مع أزمة دستورية لم تُحسم منذ سنوات، وانقسام حزبي لم تنجح الاتفاقات السابقة في إنهائه، فضلاً عن حسابات القوى السياسية في بغداد وأربيل.
