الشارع يغلي ويضغط على الدولة.. كيف يؤثر العدوان على غزة في العلاقات التطبيعية بين الأردن وإسرائيل؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/11/21 الساعة 09:07 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/11/21 الساعة 09:07 بتوقيت غرينتش
احتجاجات أردنية بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان/ تويتر

يتزايد تأثير الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في الأردن. حيث تقول كيلي بيتيلو، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لوكالة Deutsche Welle الألمانية "إن الأردن منخرط ويتأثر بشكل كبير في الحرب الجارية بالقرب من حدوده والشارع لديه يغلي، لا سيما أن أكثر من نصف سكان الأردن من أصول فلسطينية، والملكة رانيا نفسها لها جذور فلسطينية، وقضية الدولة الفلسطينية تحظى بتأييد كبير من الناس والدولة".

وفي هذا السياق، زاد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من حدة انتقاده لإسرائيل منذ بداية الحرب. وخلال قمة القاهرة للسلام التي انعقدت في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، وصف الملك الحصار الذي ضربته إسرائيل على غزة وغاراتها الجوية المتواصلة بأنها جريمة حرب، وقامت حكومته باستدعاء السفير من تل أبيب ووقف العمل باتفاقية الماء مقابل الكهرباء مع إسرائيل.

كيف تؤثر الحرب على غزة في العلاقات التطبيعية بين الأردن وإسرائيل؟

وقع الأردن وإسرائيل معاهدة سلام في عام 1994 ويجمعهما تعاون متعدد في مشروعات خاصة بالاقتصاد والطاقة والأمن، إلا أن هذه الحرب دفعت العلاقات بينهما إلى مسار غير معهود طوال العقود الماضية، فقد استدعى كل بلد سفيره لدى الآخر، في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، وقال العاهل الأردني في مقال رأي نشرته صحيفة The Washington Post الأمريكية هذا الأسبوع إنه "لا انتصار لأحد في المذبحة التي تجري وقائعها" في غزة.

ومع ذلك، حث العاهل الأردني في الوقت ذاته على العودة إلى مسار "حل الدولتين" الذي يتضمن إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية. وتقدم الأردن كذلك بمشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، ووافقت عليه الجمعية العامة بالأمم المتحدة، في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

وكتب العاهل الأردني في مقاله بصحيفة "واشنطن بوست"، أنه "لن ينتصر أحد ما لم يحصل الفلسطينيون على حقوقهم ودولتهم. بل إن هذا وحده سيكون الانتصار الحقيقي للسلام، للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. وهذا السبيل، أكثر من أي شيء آخر، سيكون انتصاراً لإنسانيتنا المشتركة".

تهجير الفلسطينيين خط أحمر

والأردن ثابت على رأيه في رفض تهجير الفلسطينيين سواء من غزة لسيناء أو من الضفة الغربية المحتلة إلى الأردن، ومعه مصر كذلك. وأكد العاهل الأردني مراراً وتكراراً منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، أنه لن يسمح بتهجير المزيد من الفلسطينيين إلى الأردن، وأعلن أن هذا خط أحمر لبلاده لا يجوز انتهاكه.

وفي معرض الحديث عن أسباب الموقف الأردني، قالت كيلي، الباحثة بمجلس العلاقات الخارجية، لشبكة DW: "يعاني الأردن عجزاً في موارده المحلية، فضلاً عن أن قبول اللاجئين الفلسطينيين يعني التواطؤ على قتل القضية الفلسطينية وتصفيتها".

ويؤيد هذا الرأي إدموند راتكا، رئيس مكتب مؤسسة كونراد أديناور الألمانية في الأردن. وقال راتكا لشبكة DW: "لطالما كان الكابوس الاستراتيجي للأردن على مدى عقود أن يواجه موجة أخرى من الفلسطينيين المهجَّرين عبر نهر الأردن إلى أراضيه، والجميع في الأردن يريد تجنب ذلك بأي سبيل ممكن"، وحتى الأردنيون من أصل فلسطيني يتخذون هذا الرأي، لأنهم يريدون للفلسطينيين أن يعيشوا في الأراضي التي قرروا مصيرهم بالبقاء فيها، أي غرب نهر الأردن، وعدم إضاعة حق العودة للاجئين.

ويرى راتكا أن القبائل العربية في شرق الأردن لا تريد أيضاً هجرة فلسطينية إلى أراضيها، "لأنهم يخشون اختلال التوازن الديمُغرافي بين سكان المنطقة، ومن ثم اضطراب التوازن بين القوى السياسية في البلاد، إذ إن ذلك قد يفضي بالعشائر القديمة ذات التركيبات المختلطة شرق الأردن إلى التحول إلى أقلية ديمُغرافية".

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان الأردن في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام قد بلغ 11,355,133 نسمة.

وتذهب مصادر مختلفة إلى أن نحو نصف السكان في الأردن ينحدرون من أصل فلسطيني، فالأردن هو البلد العربي الوحيد الذي منح الجنسية للفلسطينيين الذين حلوا به في أعقاب النكبة عام 1948، ومن جاءوا إليه بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية في عام 1967.

ومع ذلك، تشير بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وتشغيلهم "الأونروا" إلى أن الأردن لا يزال به أكثر من مليوني شخص يندرجون تحت تصنيف "لاجئين فلسطينيين".

تفاقم الغضب الداخلي في الأردن يضغط على الدولة

ولم تقتصر أسباب الغضب الأردني على معارضة التهجير الإسرائيلي للفلسطينيين، بل زاد عليه التأثر بما يتعرض له الفلسطينيون، وما جعل التضامن مع الفلسطينيين عموماً وسكان غزة خصوصاً يبلغ مبلغاً غير مسبوق. وقال راتكا الذي يعيش في عمان: "تشهد البلاد مظاهرات يومية غاضبة، وحالة حداد عام، ووقفات احتجاجية. وتكاد تنتشر في جميع المقاهي الملصقات التي تعلن التضامن مع فلسطين، والأعلام الفلسطينية، والأوشحة الفلسطينية".

وقال راتكا: الأردنيون غاضبون مما يحدث، ولكنهم عاجزون عن التصرف لأسباب مختلفة، والمقاطعة إحدى الوسائل التي يستخدمونها للإعلان عن غضبهم. فعلى سبيل المثال، صارت مقاهي "ستاربكس" ومطاعم "ماكدونالدز" الأمريكية الموالية لإسرائيل فارغة من روادها. وهذا يظهر المقدار الكبير من التعبئة التي تعتمل في المجتمع".

وفي وسط مشاعر الغضب العامة، يتزايد الدعم لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية جماهيرياً بشكل كبير.  وشرعت الحكومة الأردنية خلال الأسبوعين الماضيين في حملة اعتقال لعشرات من المتظاهرين المؤيدين لفلسطين. وقال راتكا: "تشهد البلاد تصعيداً يتوافق مع اشتداد الصراع وتزايد معاناة المدنيين الفلسطينيين في غزة".

الضغط لإلغاء جميع اتفاقيات التطبيع مع دولة الاحتلال

علاوة على ذلك، يضغط المتظاهرون يومياً لإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل. ومع ذلك، قالت كيلي بيتيلو من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "لا أظن أن الاتفاقية قد تنهار بسهولة، لا سيما أن علاقة الأردن وثيقة بالولايات المتحدة".

تشير بيانات وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن الولايات المتحدة أكبر مقدِّم للمساعدات إلى الأردن، فقد قدمت واشنطن أكثر من 1.65 مليار دولار في عام 2021، إضافة إلى نحو 1.7 مليار دولار من المساعدات الإنسانية لدعم اللاجئين السوريين في الأردن. ويتمركز ما لا يقل عن 3 آلاف جندي أمريكي في الأردن.

لكن على الرغم من أن إلغاء معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل يبدو أمراً مستبعداً في الوقت الحالي، يرى إدموند راتكا أن مشروعات التعاون الأخرى سينالها الضرر بسبب التوتر الجاري في العلاقات. و"أبرز مثال على هذه المشروعات هو مشروع اتفاق المياه مقابل الطاقة الذي اتفق عليه الطرفان في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، ومعهم الإمارات العربية المتحدة".

يقتضي هذا الاتفاق الثلاثي أن توفر محطة الطاقة الشمسية في الأردن الكهرباء الخضراء لمحطة تحلية المياه الإسرائيلية، التي توفر -في المقابل- المياه المحلاة للأردن الذي يعاني نقصاً شديداً في إمدادات المياه. قال راتكا: "لا يزال هذا المشروع في مرحلة التخطيط، لكن إقناع الجمهور به صار أمراً بعيد المنال بعد الآن". وقد أعلن وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، الخميس 16 نوفمبر/تشرين الثاني، أن بلاده قد أوقفت الصفقة حتى إشعار آخر.

تحميل المزيد