التحشيد مستمر من الجانبين.. صراع بين “جيش البرهان” و”دعم حميدتي”، فهل يقع المحظور في السودان؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/04/12 الساعة 15:11 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/04/15 الساعة 18:53 بتوقيت غرينتش
لقاء لأطراف الاتفاق الإطاري في بيت الضيافة في الخرطوم - وكالة أنباء السودان الرسمية "سونا"

لا تزال الأمور عالقة في السودان بعد تأجيل التوقيع على الاتفاق السياسي الجديد، ونقطة الخلاف الرئيسية قائمة بين الجيش، بقيادة البرهان، وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، فهل يقع المحظور؟

ومنذ انقلاب أكتوبر/تشرين الأول عام 2021، الذي أطاح باتفاق المرحلة الانتقالية، يعيش السودان حالة من عدم الاستقرار والاضطرابات والاحتجاجات. لكن القوى المختلفة نجحت مؤخراً في التوصل إلى اتفاق إطاري جديد يحكم المرحلة الانتقالية، ويحظى بدعم المجتمع الدولي ومبعوث الأمم المتحدة.

وقد يؤدي مشروع الاتفاق إلى تهميش المخضرمين من عهد الرئيس المخلوع عمر حسن البشير، الذين استعادوا بعض القوة في أعقاب انقلاب أكتوبر/تشرين الأول، لكن الاتفاق النهائي تأجل مرتين بسبب خلافات داخلية حول خطط إعادة هيكلة الجيش.

الخلافات بين البرهان وحميدتي

يهدف الاتفاق الجديد، الذي ينص على تشكيل حكومة مدنية، ويحظى بدعم قوي من المجتمع الدولي، إلى إنهاء الفراغ السياسي الذي أعقب الانقلاب، لكن التوقيع تأجل للمرة الثانية الأربعاء الماضي، مع مواصلة الجيش وقوات الدعم السريع المفاوضات حول الالتزامات التي سيتعهدان بها، فيما يتعلق بإعادة هيكلة الجيش.

ويواجه الاتفاق السياسي معارضة من "لجان المقاومة" المؤيدة للديمقراطية التي ترفض المفاوضات مع الجيش وقادت احتجاجات مناهضة له منذ الانقلاب الذي عرقل الانتقال السياسي السابق. وخرجت أكبر مظاهرات حاشدة هذا العام في أنحاء السودان، الخميس، 7 أبريل/نيسان؛ إحياء للذكرى الرابعة لاعتصام 2019 الذي أدى إلى الإطاحة بالبشير.

وأفادت مصادر سياسية وعسكرية لرويترز بأن التوترات بين الجيش وقوات الدعم السريع برزت على السطح في الأسابيع الماضية بشأن الجدول الزمني المقترح لدمج تلك القوات في الجيش. وبحسب المصادر، فإن الجيش يريد تحديد المدة بعامين، بينما تقول قوات الدعم السريع إن الأمر يحتاج إلى 10 سنوات، وإن إعادة الهيكلة يجب أن تشمل الإصلاح داخل مؤسسة الجيش.

كما أن القيادة المؤقتة للجيش هي موضع خلاف آخر بين الجانبين، حيث تقترح قوات الدعم السريع ضم الرئيس المدني القادم لمجلس السيادة بموجب الاتفاق إلى مجلس مشترك لقادة الجيش وقوات الدعم السريع.

حكومة السودان
الاتفاق الإطاري بين القوى المدنية والعسكر في السودان / الأناضول

الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، قال إنه ما زال ملتزماً بعملية سياسية تفضي إلى انتخابات، على الرغم من الخلافات القائمة بشأن دمج قوة الدعم السريع في الجيش، وهو الخلاف الذي أدى لتأجيل التوقيع على الاتفاق النهائي مرتين.

وفي بيان بمناسبة ذكرى اعتصام السادس من أبريل/نيسان، قال البرهان إنه لا يزال ملتزماً بالعملية السياسية، وإن التأجيل ضروري "بقصد وضع الأطر المتينة التي تحافظ على زخم الثورة وعنفوانها".

وفي بيان منفصل، قال قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، إنه ملتزم أيضاً بالتوصل إلى اتفاق نهائي. وكتب في تغريدة على تويتر "نحن ملتزمون بالوعد الذي قطعناه لشعبنا بأن نمضي في الاتفاق السياسي إلى نهاياته، بما يحقق طموحات شباب وشابات الثورة في وطن مستقر آمن متقدم ومزدهر".

حشد القوات في الخرطوم

وفقاً للجدول الزمني المتوافق عليه، كان من المفترض الإعلان عن رئيس وزراء جديد ومناصب أخرى، الثلاثاء، 11 أبريل/نيسان، إلا أن الموعد النهائي قد انقضى بعد أن فشل الطرفان في التوقيع على الاتفاق الإطاري، وشهدت الأسابيع الماضية انقسامات بين حميدتي والبرهان، مما أثار مخاوف من وقوع مواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتداولت وسائل إعلام سودانية أن قوات الدعم السريع قامت بنقل مركبات من مناطق حدودية إلى العاصمة الخرطوم، وأظهرت تغريدات لصحفيين سودانيين صوراً لآليات عسكرية وهي تُنقل.

ونقلت صحيفة سودان تريبيون عن مسؤول في قوات الدعم السريع، لم تسمه، أن المركبات كانت متمركزة في محلية الزُرق، على الحدود مع ليبيا، وكانت في طريقها إلى الخرطوم "كجزء من خطط قوات الدعم السريع لنشر قواتها في المدينة".

وقال مسؤول في قوات الدّعم السريع، إن قائد القوات حميدتي قرر نقل مدرعات حربية من ولاية شمال دارفور إلى الخرطوم؛ تحسباً لأي طارئ. وحشد الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الأسابيع الأخيرة قواتهما في العاصمة الخرطوم، بحسب تقرير لموقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC.

وقال رئيس تحرير صحيفة التيار السوداني، عثمان ميرغني، إن اللجنتين الفنيتين للجيش والدعم السريع، لم تتفقا على شيء حتى مساء الإثنين، وأكد في حديثه لـ"بي بي سي"، أن عدم الاتفاق بين المكونين العسكريين، أدى إلى تعطل كامل العملية السياسية.

دقلو
محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس السيادي السوداني/رويترز

ويعد تعثر الاتفاق على دمج قوات الدعم السريع والمدى الزمني أبرز نقاط الخلاف بين الجيش والدعم السريع، إذ يطالب الجيش بمدى زمني محدد لا يتجاوز فترة الانتقال لعملية الدمج وفق جداول زمنية واضحة، في حين تطالب قوات الدعم السريع بفترة زمنية للانتقال تصل إلى 10 سنوات.

وتوجد قضايا خلافية أخرى، مثل وضعية قيادة القوات والتجنيد لقوات الدعم السريع، وأيضاً إصلاح الجيش وإبعاد أنصار النظام السابق عنه، ولم يكن مفاجئاً عدم توافق الشركاء العسكريين في الجيش والدعم السريع، خاصة بعد زيادة حدة التوتر والتصريحات المتبادلة بين قادة الجيش وقادة الدعم السريع خلال الشهرين الماضيين.

وأوضح ميرغني لـ"بي بي سي" أن الخلافات بين فئات المكون المدني، نُقلت إلى المكون العسكري، وأثرت سلباً على مواقفه الموحدة، وتشهد المؤسسة العسكرية في السودان حالة من "استقطاب المواقف"، إذ تسعى القوتان العسكريتان إلى "دعم بعض الأطراف في المكون المدني التي تتفق معها سياسياً".

وأوضح ميرغني أن قضية الدمج كانت هي النقطة الرئيسة في الخلاف، إلا أنها فجرت نقاطاً خلافية أخرى بين العسكريين، واستدرك بالقول إن الخلاف بين العسكريين بات خلافاً على التقديرات السياسية. وقال ميرغني: "الجيش السوداني يريد توسيع قاعدة الموقعين على الصيغة النهائية للاتفاق الإطاري بدعم من الكتلة الديمقراطية، وهو ما ترفضه قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي بدعم من قوات الدعم السريع".

إلى أين تتجه الأمور في السودان؟

في سياق متصل، عبرت الأمم المتحدة، الثلاثاء، 11 أبريل/نيسان، عن قلقها بشأن طلب فتوى تبيح اغتيال مبعوثها الخاص في السودان مع تصعيد أنصار البشير معارضتهم لمشروع الاتفاق السياسي الجديد. وفي مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي، شوهد رجل قال إن اسمه عبد المنعم، وهو يتحدث في اجتماع في الخرطوم ضم سياسيين موالين للبشير. وقال الرجل متحدثاً عن فولكر بيرتيس، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان، "أنا والله أتبرع باغتيال فولكر، وأطلب فتوى لإراقة دمه ولإهدار دمه".

وقالت مصادر حكومية إنها دشنت تحقيقاً في الأمر، بينما قال مكتب الأمم المتحدة في السودان في بيان "لغة التحريض والعنف لن تؤدي إلا إلى تفاقم الانقسامات على الأرض لكنها لن تمنع البعثة من الاضطلاع بواجباتها".

وقال قيادي من حزب المؤتمر الوطني المنحل لرويترز، طالباً عدم نشر اسمه، "ارتفعت وتيرة عملنا الجماهيري في الفترة الماضية لحماية السيادة الوطنية من التدخل الخارجي وفرض إملاءات خارجية".

وفي وقت متأخر من مساء الإثنين، هاجمت مجموعات متعاطفة مع حكومة البشير محتجين مؤيدين للديمقراطية في حي كوبر، الذي كان يقيم فيه البشير ذات يوم، بحسب لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي وبيان صادر عن نشطاء محليين. ووقع الحادث بالقرب من سجن كوبر الذي ينتظر فيه البشير محاكمته، فيما يتعلق بانقلاب 1989 الذي صعد به إلى السلطة. وطالب مهاجمو المحتجين بالإفراج عن البشير، وهتفوا قائلين "سير سير يا البشير ونحن معاك يا أسد".

السودان
عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني / رويترز

على الجانب الآخر، ردد متظاهرون هتاف "مافي ميليشيا بتحكم دولة" في وسط الخرطوم، في إشارة إلى قوات الدعم السريع، وأغلقت حشود غفيرة الطرق الرئيسية وخرجت في مسيرات في عدة مدن، في مواجهة الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الأمن بكثافة. وشوهد كثيرون يتناولون إفطارهم في الشارع بعد الصيام، بحسب مراسلي رويترز.

وقال الناشط جعفر خضير لرويترز "لا تفاوض ولا شراكة ولا شرعية… ما يسمى بالعملية السياسية الشغالة في الفترة اللي فاتت والعترات إللي قاعدين يخطوها الانقلابيين… رغبتهم أن يستأثروا بالسلطة المطلقة.. كل الشغل اللي بيقولوه هو في العملية السياسية دي تكتيكات".

أما على المستوى الدولي، فقد تلقى البرهان، الثلاثاء، اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وبحسب بيان للمكتب الإعلامي للبرهان، أكد بلينكن دعم الولايات المتحدة للعملية السياسية في السودان، ووعد بمساعدة بلاده في تذليل العقبات التي تقف في طريقها.

وتربط البرهان وحميدتي علاقات قوية مع الجارة الشمالية مصر، إلا أن "الآمال بالضغط عليهما تبدو ضعيفة"، وبرر ميرغني ذلك بأن القضايا الخلافية بين العسكريين، أصبحت "خارج قدرة" أي وساطة لحلها.

وقال ميرغني لبي بي سي إن الوساطات المصرية والمجموعة الربُاعية الدولية والاتحاد الأوروبي "لم تتوقف يوما واحداً في الكواليس"، مؤكداً أن "هناك لقاءات للقادة العسكريين والمدنيين مع سفراء دول مؤثرة في السودان".

الخلاصة هنا هي أن مفترق الطرق، الذي يمر به السودان منذ انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، لا يزال قائماً بل ازدادت حدته، في ظل وصول الخلافات بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي إلى طريق مسدود، فهل يقع المحظور، ويتحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية في الخرطوم؟

تحميل المزيد