تواجه إدارة الرئيس جو بايدن انتقادات عنيفة، داخلياً وخارجياً، بسبب سجل وزارة الخارجية شبه الخالي من أي نجاحات خلال أكثر من عامين، فماذا حققت قمة "الديمقراطية" الثانية لتغيير ذلك؟
كان الرئيس الأمريكي قد استهل "قمة الديمقراطية" الثانية، التي استضافتها الولايات المتحدة "لتجديد الديمقراطية في الداخل ومواجهة الأنظمة الاستبدادية في الخارج"، وعقدت خلال 28 حتى 31 مارس/آذار 2023، بالتعهد بأن تنفق واشنطن 690 مليون دولار لتعزيز برامج الديمقراطية في أنحاء العالم.
وكانت الولايات المتحدة قد استضافت القمة الأولى عام 2021 بمفردها، لكنها ضمت هذه المرة 4 مضيفين مشاركين، هم: كوستاريكا وهولندا وكوريا الجنوبية وزامبيا، بعد أن انتقد سفراء من الصين وروسيا القمة الأولى، واتهموا بايدن بإحداث انقسام عالمي بعقلية الحرب الباردة.
خارجية بايدن.. ماذا حققت؟
كان بايدن قد تعهَّد حين تولى الرئاسة بوضع الدبلوماسية في قلب السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أنه بعد أكثر من عامين بات واضحاً أن "وزارة خارجية بايدن تحتاج لإعادة ضبط"، بحسب تحليل لمجلة Foreign Policy الأمريكية.
إذ تعاني المؤسسات الدبلوماسية الأمريكية -وبالأخص وزارة الخارجية- من عجز في الموارد، وتتضح هذه الحقيقة تحديداً عند مقارنة ميزانية وزارة الخارجية أو وكالة التنمية الدولية مع الأموال المُخصَّصة لوزارة الدفاع أو أجهزة الاستخبارات؛ بل وتظهر هذه الحقيقة أكثر عندما تأخذ في الحسبان الطموحات الأمريكية العالية. والحقيقة البديهية أيضاً أنَّ وقت الرئيس بايدن، وكبار مسؤولي وزارة الخارجية أنتوني بلينكن، هو أندر الموارد على الإطلاق. وإضافة إلى كل تلك العوامل أو بسببها، لم تحقق إدارة بايدن سوى القليل من الإنجازات الدبلوماسية.
وإذا كان هذا هو الحال، فلماذا استقطعت إدارة بايدن من وقتها لعقد قمة ثانية للديمقراطية؟ ولا تقتصر المسألة على الوقت الذي خصصه الرئيس بايدن وبلينكن وغيرهما من المسؤولين الكبار لهذه الجلسات الحوارية فحسب، بل إنَّ تنظيم مثل هذا القمة استهلك مئات الساعات من وقت الموظفين التي كان من الممكن قضاؤه لمعالجة مشكلات أخرى.

المؤكد هنا هو أن حلفاء الولايات المتحدة يشعرون بالراحة أكثر بكثير في التعامل مع بايدن وبلينكن من الرئيس السابق دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، إلى جانب أنهم مستعدون لمسامحة إدارة بايدن على بعض الأخطاء التي ارتكبتها في بدايتها (مثل الإهانة غير الضرورية للفرنسيين أثناء اتفاقية أوكوس للغواصات في 2021). لكن بغض النظر عن هذه النظرة العامة المُحسَّنة، لا يزال سجل الدبلوماسية لإدارة بايدن متواضعاً.
ويتمثل جزء من المشكلة في إطار "الديمقراطية مقابل الأوتوقراطية" الذي تبناه بايدن وشركاه، فهذه الثنائية تسبب مشكلات للدبلوماسية الأمريكية أكثر مما تحلها. وهي لا تساعد الولايات المتحدة على العمل بمزيد من الفاعلية مع الحكومات التي تصفها واشنطن بأنها "استبدادية"، فعدد تلك الحكومات أكبر من تلك التي توصف بأنها "ديمقراطية"، والتي قد تحتاج واشنطن لمساعدتها في ظل اشتداد صراع القوى العظمى.
كما تجعل هذه المعادلة الصفرية الولايات المتحدة أكثر عُرضة لاتهامات النفاق، ولا يبدو أنه يُحفز كثيراً حلفاء واشنطن الديمقراطيين. ومثال على ذلك أنَّ القادة الأوروبيين يستمرون في السفر إلى بكين لحماية مصالحهم الاقتصادية مع الصين (الأوتوقراطية)، ويتعارض سلوكهم بشدة مع نموذج الديمقراطية مقابل الاستبداد.
بايدن والفشل في أغلب الملفات
في الوقت نفسه لا تزال البنود الأخرى على أجندة إدارة بايدن غير مُحقَّقة. تولى بايدن منصبه قائلاً إنه سيعيد الانضمام إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي انسحب منه سلفه ترامب، لكن بايدن تذبذب وتأخر، وفي المقابل تشدد موقف إيران، وصار واضحاً الآن أنه لا يوجد اتفاق نووي جديد وشيك. والنتائج؟ اقتربت إيران أكثر من أي وقت مضى من القدرة على صنع الأسلحة النووية؛ مما يزيد من خطر اندلاع حرب في الشرق الأوسط لا تحتاجه الإدارة الأمريكية ولا العالم في الوقت الحالي.
وفي الوقت نفسه، فشل بايدن في تحقيق أغلب أهدافه في الشرق الأوسط، فحكومة إسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو تتحدى الولايات المتحدة وتواصل سياساتها الاستفزازية التي تهدد بانفجار الأوضاع في المنطقة.
وصحيح أنَّ بايدن وبلينكن ليسا مسؤولين مسؤولية مباشرة عن الأزمة الحالية في العلاقات الأمريكية مع إسرائيل -إذ إنَّ "الإصلاح القضائي" المُقترَح من نتنياهو يستحق معظم اللوم على ذلك- لكن موقفهما المتساهل تجاه إسرائيل ربما جعل نتنياهو يعتقد أنه يمكن أن يفلت بذلك.
فمنذ البداية، أغدق بايدن وبلينكن إسرائيل بالحب: فلم يتراجعا عن قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وفشلا في الوفاء بالوعود المتكررة بإعادة فتح قنصلية للفلسطينيين، ولم يقدما سوى التعبيرات المعتادة عن "القلق" ضد جهود إسرائيل المستمرة لاستعمار الضفة الغربية.

وبدلاً من أن تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن سلوكيات إسرائيل التي تزداد إثارة للقلق، استمر بايدن وبلينكن في تكرار العبارات المبتذلة المعتادة حول التزام الولايات المتحدة "الصارم" والتعبير عن إيمانهما المستمر بمخلوق أسطوري؛ وهو حل الدولتين. ولا عجب أنَّ نتنياهو اعتقد أنه يستطيع المضي قدماً في هجومه المثير للجدل على الديمقراطية الإسرائيلية دون تعريض الدعم الأمريكي للخطر.
وفي الوقت نفسه، تواصل الصين تحقيق نجاحات مبهرة على حساب الولايات المتحدة، وتتمتع علاقات الرياض وبكين بصعود صاروخي، ففي الأسبوع الحالي وحده، أعلنت شركة أرامكو السعودية عن صفقتين استثماريتين جديدتين متصلتين بالنفط مع الصين (بما في ذلك بناء مصفاة تكرير هناك).
وكانت الصين -وليست الولايات المتحدة- هي التي ساعدت في التوسط في الانفراجة الأخيرة بين المملكة العربية السعودية وإيران، ولا يمكن إلقاء اللوم على الصينيين ولا السعوديين على التصرف وفق مصالحهم الخاصة بطبيعة الحال، لكن من الصعب رؤية أي من هذا على أنه انتصار للدبلوماسية الأمريكية.
ماذا حققت قمة الديمقراطية الثانية إذاً؟
كما يبدو أنَّ الولايات المتحدة تتخلى عن دورها كصانع سلام عالمي، فبعدما كانت الدولة التي جعلت من الحد من التسلح أولوية قصوى وتوسطت في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وإنهاء حروب البلقان، صارت الآن أكثر اهتماماً بمساعدة الجانب المفضل لديها على الفوز على حساب إنهاء الصراعات، حتى عندما تكون النتيجة النهائية هي المزيد من الموت والدمار واستمرار خطر التصعيد.
وكما أشارت تريتا بارسي، من معهد كوينسي، الأسبوع الماضي، "يبدو أنَّ أمريكا تخلت عن فضائل صنع السلام الصادق… واليوم، يتوسط قادتنا لمساعدة جانبنا في النزاع على تعزيز موقفنا بدلاً من إقامة سلام دائم".
وتفشل الدبلوماسية الأمريكية أيضاً في التعامل مع الصين، فشعار الإدارة تجاه الصين، كما عبّر عنه بلينكن في عام 2021، هو أنَّ الولايات المتحدة "ستكون قادرة على المنافسة عندما ينبغي أن تكون، ومتعاونة عندما يكون ذلك ممكناً، وعدائية عند وجوب ذلك".
لكنّ العنصرين الأول والثالث احتلا مركز الصدارة، ولم تُبذَل إلا جهود نادرة لإيجاد أرضية مشتركة وإدارة تنافس أمني متصاعد. فقد سارت جهود الولايات المتحدة لتقوية العلاقات مع الشركاء الآسيويين الحاليين مثل اليابان وأستراليا على نحو جيد، وساعدها في ذلك كثيراً إصرار الصين على إظهار نفوذها.
بيَّد أنَّ الجهد الأوسع لإدارة بايدن لإضعاف الصين من خلال فرض ضوابط على صادرات الرقائق الإلكترونية المتقدمة ودعم الصناعات الرقمية الأمريكية فرض أيضاً تكاليف كبيرة على هؤلاء الشركاء أنفسهم، مع زيادة المخاوف الآسيوية بشأن صدام مستقبلي في جوارهم. كما لم يتمكن فريق بايدن من صياغة مقاومة فعّالة لتأثير الصين الاقتصادي المتنامي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ماذا عن الدور الحاسم الذي اضطلعت به الدبلوماسية الأمريكية في تنظيم الرد الغربي على الهجوم الروسي على أوكرانيا، ناهيك عن الأصوات غير المتوازنة في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تدين تصرفات موسكو؟ ألا يثبت ذلك عودة أمريكا ودبلوماسييها لأداء عملهم بمهارة بارعة؟
الإجابة نعم ولا. فمن ناحية، قاد بايدن وفريقه رد فعل غربي منسق على الهجوم، الذي تصفه روسيا بأنه "عملية عسكرية خاصة" بينما يصفه الغرب بأنه "غزو عدواني غير مبرر"، وهذا لم يكن دائماً سهلاً. لكن النتيجة النهائية لهذا الجهد غير مؤكدة. والحقيقة القاسية هي أنَّ انتهاء الحرب التي طال أمدها بسيطرة روسيا على بعض مناطق دونباس أو جميعها، وإخلاء أوكرانيا من سكانها وتضررها بشدة، لن تبدو بمثابة إنجاز كبير للسياسة الخارجية.
الخلاصة هنا هي أن الأداء مخيب الآمال لدبلوماسيي الولايات المتحدة يرجع بالأساس إلى كون طموحات أمريكا العالمية واسعة جداً، فكلما كانت أهداف واشنطن أكبر وأوسع، كان من الصعب التوفيق بينها والحفاظ على مجموعة أولويات واضحة ومتسقة.
وهنا يأتي السؤال بشأن جدوى قمة الديمقراطية الثانية، إذ عجزت القمة الأولى عن عكس الاتجاهات الهبوطية التي كانت جارية منذ ما يقرب من عقدين؛ مما يجعل المرء يتساءل عمّا يستطيع لقاءً ثانياً تحقيقه. فمستقبل الديمقراطية لن يساعده عقد المزيد من الجلسات الحوارية؛ بل سيعتمد ذلك على ما إذا كانت ديمقراطيات العالم يمكنها تحقيق نتائج أفضل لمواطنيها في الداخل والخارج. وسيتطلب النجاح الكثير من العمل، فحتى أغنى الديمقراطيات لا تتمتع بوقت وموارد مطلقين؛ فهل تكون القمة الثانية للديمقراطية هي الأخيرة؟