عندما تكون التكنولوجيا نقمة وليست نعمة.. ما قصة “صيانة” أسلحة الناتو التي تضع أوكرانيا في مأزق؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/12/12 الساعة 07:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/12/12 الساعة 07:45 بتوقيت غرينتش
شحنات صواريخ حرارية تصل إلى أوكرانيا من الناتو، أرشيفية/ رويترز

تواصل الدول الغربية توفير أطنان الأسلحة والمعدات الثقيلة لأوكرانيا كي تواصل التصدي لروسيا، لكن كثيراً من ذلك العتاد يواجه مشكلة "صيانة" غريبة من نوعها، تضيف إلى مشاكل الشتاء، فما القصة؟

كانت القوات الأوكرانية قد تمكنت خلال الأشهر القليلة الماضية، من شن هجوم مضاد تمكنت من خلاله من إجبار القوات الروسية على الانسحاب من خاركيف، ثم انسحبت روسيا أيضاً من خيرسون، المدينة الأوكرانية الوحيدة التي سيطرت عليها منذ بدأت الحرب أواخر فبراير/شباط الماضي.

ومنذ شنت روسيا هجومها على أوكرانيا، الذي تصفه بأنه "عملية عسكرية خاصة" بينما يصفه الغرب بأنه "غزو عدواني غير مبرر"، أرسلت أمريكا مساعداتٍ عسكرية تقدر بعشرات المليارات من الدولار لدعم المجهود الحربي في كييف. وشمل هذا النقل الضخم للأسلحة مجموعة واسعة من الأسلحة، من الصواريخ المضادة للدروع إلى طائرات الهليكوبتر وغير ذلك، فيما يوصف بـ"أكبر عملية نقل أسلحة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية".

ما وضع أسلحة الناتو في أوكرانيا الآن؟

ربما لا تكون عملية نقل الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا بالسهولة التي يتصورها البعض، فروسيا تسيطر بصورة كبيرة على الأجواء الأوكرانية، لكن حتى مع نجاح دخول تلك الأسلحة فإن عملية نقلها إلى خطوط المواجهة الأمامية تعد تحدياً آخر.

وإضافة إلى تلك الصعوبات، تناول تقرير لصحيفة Wall Street Journal الأمريكية عنوانه "الكثير من الأسلحة الغربية في أوكرانيا تنتظر إصلاحاتٍ بعيداً عن خط المواجهة"، ألقى الضوء على جانب آخر أكثر صعوبة من أزمة تسليح أوكرانيا.

إذ كانت بعض أقوى الأسلحة التي قدمها الغرب لأوكرانيا تتنحى بعيداً عن ساحة المعركة لفترات طويلة بسبب إجراءات الصيانة المعقدة، والتي يزداد تعقيدها بسبب المشاحنات بين الحلفاء الأوروبيين.

ويشكل عدم توفر هذه الأسلحة لفترات طويلة تحدياً كبيراً لأوكرانيا، التي كانت تقاتل القوات الروسية التي غزت البلاد في أواخر فبراير/شباط. 

الأكثر تضرراً هو المدفعية الثقيلة التي يقول المسؤولون الأوكرانيون إنها أثبتت أنها حاسمة في هجماتهم الناجحة الأخيرة، ولكن يجب صيانتها بشكل متكرر بسبب الاستخدام المكثف. في بعض الحالات، يعني تعقيد الأسلحة أو السرية المحيطة بها أن هذه الصيانة يجب أن تجري على أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على بعد مئات الأميال من خط المواجهة.

وقال مسؤولو الناتو إنه نظراً لأن أوكرانيا لم تُمنَح سوى عدد محدود من هذه الأنظمة، فإن غيابها عن الجبهة، إلى جانب عوامل أخرى مثل الطقس القارص البرودة، يمكن أن يتسبب في مشاكل جمة للقوات الأوكرانية في هذا التوقيت الصعب من الحرب.

أوكرانيا
قوات تابعة للجيش الأوكراني – رويترز

إذ تواصل روسيا هجماتها الجوية العنيفة، باستخدام الصواريخ والمسيرات، مستهدفة البنية التحتية من محطات توليد الطاقة ومياه الشرب، وهو ما يؤدي إلى إظلام أوكرانيا بصورة شبه كاملة، في أجواء الشتاء قارصة البرودة. وكانت روسيا قد بدأت القصف المكثف لأوكرانيا في أعقاب التفجير الذي وقع في جسر القرم الاستراتيجي، الذي اعتبرته موسكو هجوماً إرهابياً. ولا تزال الهجمات الصاروخية الروسية مستمرة.

إذ أعلن وزير الزراعة الأوكراني ميكولا سولسكي، الأحد 11 ديسمبر/كانون الأول، أن ميناء أوديسا توقف عن العمل بعد الهجوم الروسي الأحدث على شبكة الطاقة بالمنطقة، بينما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في خطاب بالفيديو في ساعة متأخرة من مساء السبت، إن أكثر من 1.5 مليون شخص في منطقة أوديسا جنوب البلاد انقطعت عنهم الكهرباء بعد قصف مسيرات روسية لمنشأتين للطاقة.

وقالت السلطات المحلية في أوديسا إن الكهرباء ستعود لسكان المدينة "في الأيام المقبلة"، في حين أن الإصلاح الكامل للشبكات قد يستغرق من شهرين إلى ثلاثة أشهر، بحسب رويترز.

ما مشاكل صيانة أسلحة الغرب في أوكرانيا؟

في حالات فشل الإطلاق، يجب صيانة مدافع الهاوتزر القوية مثل Panzerhaubitze 2000 الألمانية، و M777 البريطانية الصنع و Caesar الفرنسية خارج أوكرانيا في حوالي 90% من الحالات، حسبما قال ضباط أوكرانيون ومسؤولون غربيون لصحيفة وول ستريت جورنال. ويعاني نظام هيمارس للصواريخ متعددة الإطلاق الأمريكي الصنع من بعض المشكلات حتى الآن، ولكن في حالة حدوث ذلك، فإن نظام الأسلحة هذا سيخرج أيضاً من البلاد ليجري إصلاحه، وفقاً لأشخاصٍ مُطلعين على الأمر.

أقل من 50% من مدافع Panzerhaubitze ذاتية الدفع -وهي فئة من مدافع ساحة المعركة المتنقلة ذات الماسورة الطويلة والمعروفة رسمياً باسم مدافع الهاوتزر PzH2000 والتي تعتبر على نطاق واسع من بين أفضل الأسلحة أداءً من نوعها- موجودة في ساحة المعركة في أي وقت.

وقال مسؤولون ألمان كبار إنه يجب نقل هذه المدافع إلى ليتوانيا من أجل الإصلاح، على بعد 900 ميل تقريباً من جبهة خيرسون في جنوب أوكرانيا. وسلمت ألمانيا حتى الآن 14 سلاحاً من هذا النوع، فيما سلمت هولندا خمسة أنظمة أخرى منها.

وقال مارك كانسيان، كبير المستشارين في برنامج الأمن الدولي التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث أمني أمريكي، إن الأوكرانيين لديهم نظام صيانة من ثلاثة مستويات تحاول فيه القوات الأوكرانية المدربة في الخارج أولاً إصلاح السلاح، قبل التحدث -إذا لزم الأمر- إلى خبراء غربيين يوجهونهم خلال الصيانة على الهاتف أو عبر الإنترنت في الوقت الفعلي.

وأضاف كانسيان، وهو ضابط مدفعية سابق في مشاة البحرية الأمريكية يُطلَع على هذه الممارسة من قبل المتخصصين العسكريين في الناتو والخبراء المدنيين: "أخيراً، المعدات التي تحتاج إلى صيانة مكثفة أو أدوات خاصة تُشحَن فعلياً إلى خارج البلاد".

الناتو السويد فنلندا روسيا
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ – Getty Images

حلفاء آخرون، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، يقدمون الأسلحة التي تبرعوا بها لأوكرانيا في بولندا، بالقرب من الحدود الأوكرانية. لكن وارسو رفضت السماح لبرلين بإنشاء مركز خدمة في بولندا، وطلبت بدلاً من ذلك أن يقدم المصنعون الألمان معلومات تقنية سرية من أجل شركة بولندية تسيطر عليها الدولة للقيام بهذا العمل، وفقاً لمسؤولين ألمان مشاركين في المحادثات. ولم يرد متحدث باسم وزارة الدفاع البولندية على طلب للتعليق على الأمر قدمته الصحيفة الأمريكية.

في مرحلة ما، طلبت الحكومة الألمانية من كييف الاعتماد على وارسو للسماح للشركة الألمانية بإنشاء مركز إصلاح في بولندا، ولكن دون جدوى، حسبما قال أشخاص مطلعون.

ما تفاصيل سوء الاستخدام للأسلحة الغربية في أوكرانيا؟

في المقابل، لجأت برلين إلى سلوفاكيا، التي وافقت على استضافة مركز خدمة ألماني من المقرر افتتاحه بحلول نهاية العام، وفقاً لمسؤولين سلوفاكيين وألمان. وقال مسؤولون ألمان إن أسلحة أخرى تم التبرع بها لأوكرانيا ستتم صيانتها في سلوفاكيا، ربما بما في ذلك نظام الدفاع الجوي Iris-T SLM، الذي يقول مسؤولون أوكرانيون إنه عزز دفاعاتهم بشكل كبير ضد الهجمات الصاروخية الروسية.

في معظم الحالات، يلزم إجراء صيانة وإصلاحات متكررة بسبب الاستخدام المكثف للأسلحة. ويقول المسؤولون الألمان إن القوات الأوكرانية تطلق قذائف مدفعية PzH2000 بشكل متكرر -عدة مرات الحد الموصى به وهو حوالي 100 طلقة في اليوم- بحيث يمكن أن ترتفع درجة حرارة الأسطوانات الفولاذية وتشوهها.

ألمانيا نفسها لديها أقل من 100 من PzH2000s قيد الاستخدام. تكافح برلين الآن لشراء ما يكفي من قطع الغيار والذخيرة لقواتها المتعثرة وكذلك لمساعدة أوكرانيا.

لم يتعرض نظام هيمارس للصواريخ متعددة الإطلاق بعد لانهيار خطير، من خلال تجربة أحد مشغليها الأوكرانيين، حيث قال المشغل لصحيفة وول ستريت جورنال إنه عانى من بعض المشكلات الأقل في هيكله الذي يمكن إصلاحه في أوكرانيا.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي/رويترز

وقال أحد أفراد طاقم المدفعية الأوكراني إنه من واقع خبرته، فإن المعدات الروسية أسهل في الإصلاح، لأنها تفتقر إلى مستوى الإلكترونيات والتكنولوجيا الذكية التي تجعل المدفعية الغربية أكثر فاعلية. وأضاف: "كانت لدي بطارية ومصابيح كهربائية على أجهزتي الإلكترونية السوفييتية. لكن كل شيء هنا متصل بنظام الكمبيوتر".

وقال فرد طاقم المدفعية الأوكراني إنه لاحظ أن الوحدات العسكرية قادرة على إصلاح ما يقدر بـ10% إلى 15% فقط من الأعطال التي تحدث في المدفعية الأجنبية. تفتقر أوكرانيا أيضاً إلى قطع الغيار ومساحة المستودعات لتخزين المعدات الضخمة.

وقال رجل المدفعية إن المشاكل تحدث في بعض الأحيان بسبب عدم كفاية التدريب بين الطاقم الأوكراني. على سبيل المثال، من المفترض أن يقوم الطاقم بإخراج وتنظيف أجزاء معينة من نوع واحد من مدافع الهاوتزر الأجنبية كل يومين أثناء تشغيلها. لكنه قال إن هذا لم يكن يحدث دائماً، مما يؤدي أحياناً إلى تآكل الأجزاء على نحو يتعذر إصلاحه.

وقال رجل المدفعية ومسؤول ألماني إن ضباط المدفعية سيُرسَلون إلى ألمانيا للتدريب على أجهزة محاكاة. لكن هؤلاء الأشخاص قالوا إنه بينما سيجري تدريب الأطقم الألمانية لمدة أربعة أشهر، فقد قُلِّصَ تدريب الضباط الأوكرانيين إلى 40 يوماً.

وقد أنشأت ألمانيا أيضاً دعماً عبر الإنترنت لأطقم المدفعية، التي يمكنها التواصل مع خبراء من الجيش ومصنعي الأسلحة لاستكشاف المشكلات الفنية في ساحة المعركة.

تحميل المزيد