لم يكترث معظم الإسرائيليين بالسهر حتى وقت متأخر من الليل لمتابعة نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، فقد "أُتخموا" بكل ما يخص الانتخابات الخاصة بهم بعد أن زاروا مراكز الاقتراع خمس مرات منذ عام 2019، ولم يعد لديهم رغبة في مراقبة انتخابات من أي نوع، كما تقول صحيفة Haaretz الإسرائيلية. لكن أحد الإسرائيليين أمضى الليل على الأغلب وهو يتابع التحديثات الواردة من أخبار الانتخابات في فلوريدا وبنسلفانيا ونيوهامبشاير: إنه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق والمقبل بنيامين نتنياهو.
لماذا يعد نتنياهو أحد أبرز الخاسرين من نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية؟
جاءت نتائج الانتخابات الأمريكية على خلاف ما كان يطمع فيه زعيم الليكود الإسرائيلي، فرئيس وزراء الإسرائيلي الجديد على وشك تشكيل أشد الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل، معتمداً فيها على مساندة أنصار الصهيونية الدينية واليمين المتشدد.
وعلى الرغم مما أعرب عنه بعض المعارضين الإسرائيليين والأمريكيين من أمنيات بتجنب اللجوء إلى هذا التيار، فإن نتنياهو ليس لديه بديل عن إشراكهم في هذا الائتلاف الحاكم، فهو بحاجة إلى مساندة اليمين المتطرف لإخضاع النظام القانوني في إسرائيل وإنقاذ نفسه من المحاكمة بتهم الرشوة والفساد.
تقول هآرتس إن "حلفاء نتنياهو من المتطرفين وأنصار الصهيونية الدينية يدركون تمام الإدراك شدة حاجته إليهم، ويرون في ذلك فرصة تاريخية قد لا تأتيهم مرة أخرى لتحويل إسرائيل تحت حكمه إلى دولة دينية وأبعد من الديمقراطية. لكن الطريق إلى ذلك كانت أسهل بكثير لو تلقى الديمقراطيون هزيمة كاسحة في الانتخابات النصفية يوم الثلاثاء 8 نوفمبر/تشرين الثاني".
رياح الانتخابات النصفية الأمريكية جاءت على عكس ما يشتهي اليمين المتطرف في إسرائيل
كان انتهاء الانتخابات الأمريكية بأغلبية كبيرة للحزب الجمهوري في مجلس النواب وتفوق مريح على منافسه الديمقراطي في مجلس الشيوخ سيجعل جو بايدن رئيساً شديد الضعف، وكانت وسائل الإعلام الأمريكية ستبدأ العد التنازلي لعودة دونالد ترامب. وكان نتنياهو وحلفاؤه سيتجاسرون حينها على التصدي لأي احتجاجات من البيت الأبيض ولم تكن تحذيرات الحزب الديمقراطي ونوابه لتلقى منهم سوى التجاهل.
مهما كانت الفوارق النهائية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس بعد إتمام عد الأصوات -أي سواء احتفظ الديمقراطيون بأغلبية مجلس الشيوخ أم فقدوها بفارق طفيف، وسواء كانت أغلبية الجمهوريين في مجلس النواب بعشرة مقاعد أم أكثر من ذلك بقليل- فإن المآل العام للانتخابات الأمريكية الآن يفرض على نتنياهو التأني الشديد والنظر في عواقب خطواته المقبلة قبل الإقدام عليها.
وفاجأ الديمقراطيون الأمريكيون معارضيهم وخالفوا استطلاعات الرأي بعد أن تمكنوا من الاحتفاظ بمقاعدهم في كثير من دوائر المعارك الانتخابية المحتدمة بالبلاد، فقد فازوا بالسباق المهم على مقعد مجلس الشيوخ في ولاية بنسلفانيا وفي ولاية نيوهامبشاير، وهم في طريقهم إلى فوز ثالث في ولاية أريزونا، والمنافسة لا تزال مستعرة في ولاية نيفادا، وتتجه جورجيا إلى جولة إعادة في ديسمبر/كانون الأول.
كانت الولاية الوحيدة التي خيَّبت آمال الديمقراطيين حقاً هي ولاية فلوريدا، فقد أخذت الولاية تتفلت من سابق الهيمنة الديمقراطية فيها قبل عقد، حتى آلت إلى الانتصار الكاسح لحاكمها الجمهوري رون دي سانتس في هذه الانتخابات. لكن الديمقراطيين تمكنوا من الفوز في ولايات متأرجحة مهمة، وبلغوا مكاسب غير مسبوقة في المجالس المحلية بولايات ميشيغان ومينيسوتا وأماكن أخرى.
بايدن لا يزال "صامداً" وهذا يزعج نتنياهو وقد يدفعه لخيارات لا يحبها
لم تنصرف عن الولايات المتحدة ظلال الانقسام الشديد بين مواطنيها بنهاية الانتخابات، لكن بايدن لا يزال صامداً لم توقعه هذه النتائج، ولم يتعرض لهزيمة منكرة، ولا حتى خسارة قريبة من تلك التي تعرض لها ترامب في منتصف مدته الرئاسية بخسارة 40 مقعداً في انتخابات عام 2018، ولا الكارثة التي لحقت بالرئيس الأسبق باراك أوباما بخسارة 63 مقعداً في عام 2010.
السؤال الآن في دوائر السياسة الإسرائيلية: هل تصطدم توجهات حكومة إسرائيل القادمة بتوجهات بايدن وحزبه بعد هذه الانتخابات ونتائجها؟ هل يتردد بايدن في الرد على تحركات نتنياهو التي يراها خطيرة؟ هل تصير القلة الجمهورية المعتدلة في الكونغرس أكثر قوة بسبب تقارب النتائج بين الحزبين؟ وهل تقدم تلك القلة مساندة عمياء لحكومة إسرائيلية عنصرية متشددة وذات نزوع إلى منافسها داخل الحزب الجمهوري ترامب؟
تقول صحيفة Haaretz إن الإجابات عن هذه الأسئلة واضحة، فقد تؤدي المخاوف الأمريكية من صعود اليمين المتطرف إلى توترات بين نتنياهو وحلفائه في الصهيونية الدينية المتشددة. وسيضطر نتنياهو إلى حسم اختياره بين إما الاستجابة لأوهام اليمين وإما الحفاظ على العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تحت قيادة بايدن، والتعامل مع الحزب الديمقراطي الذي صار أضعف من ذي قبل لكنه لا يزال صامداً ومتمسكاً بنفوذه.
وسيتعين على نتنياهو أيضاً أن يحفظ التوازن مع اليهود الأمريكيين، فقد كان انتصار جوش شابيرو -حاكم ولاية بنسلفانيا القادم- الديمقراطي على دوغ ماستريانو، اليميني المتطرف شديد الولاء لترامب، ذورةَ انتصاراتهم في هذه الانتخابات، لكن على النقيض من ذلك، فإن معظم أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلي المقبل من اليمين المتطرف لو كان لهم حق التصويت في ولاية بنسلفانيا، لصوَّتوا للجمهوري اليميني المتشدد ماستريانو.