جاء إعلان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مؤخراً التنازل عن دور الجيش السوداني في تشكيل الحكومة للقوى المدنية، ليثير تساؤلات حول هدف هذا القرار، هل هو التمهيد لتنازل العسكريين عن السلطة، أم لتبريد الاحتجاجات المضادة لهم؟
وفيما كان يواصل مئات السودانيين المناهضين للانقلاب العسكري اعتصاماتهم في الخرطوم، أعلن البرهان الإثنين الماضي، في خطاب متلفز، عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في الحوار الوطني برعاية الآلية الثلاثية، الذي انطلق في 8 يونيو/حزيران الماضي، بهدف حل الأزمة السياسية بالبلاد، وسط أنباء عن توقف الحوار جراء ذلك.
ويهدف القرار، حسب البرهان، إلى إفساح المجال للقوى السياسية والثورية لتشكيل حكومة كفاءات من خلال الحوار، دون دور للمؤسسة العسكرية في اختيار رئيس الحكومة وأعضائها.
وأعلن أنه سيتم حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من الجيش والدعم السريع، كما قال إن القوات المسلحة ستبقى حارساً لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، "وتعيد تأكيدها بالوقوف مع التحول الديمقراطي والوصول للانتخابات".
التنازل عن دور الجيش السوداني في تشكيل الحكومة لن يعني انتهاء سلطة البرهان
ولكن البرهان أبقى الحضور الفاعل للقوات المسلحة على الساحة السياسية إلى حين إجراء الانتخابات، عندما قال إن الجيش سيعمل مع جميع مكونات الشعب لتحقيق توافق وطني يكمل مسار الانتقال والتحول الديمقراطي، وصولاً إلى إجراء الانتخابات، وهو دور أصبح محل شكوك كبيرة من كل قوى المعارضة.
وتواصلت الاحتجاجات في البلاد بعد إعلان البرهان، ولكنه قام بخطوة لافتة أمس؛ حيث أعفى خمسة من أعضاء المكون المدني في المجلس السيادي من مناصبهم، فيما جرى تصويره على أنه في إطار التمهيد لتنفيذ تعهداته، ولكن ما كان مثيراً للريبة أنه أبقى على أعضاء المجلس الذين ينتمون للحركات المتمردة، وتم تعيينهم بموجب اتفاق سلام جوبا، هم: مالك عقار (رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان)، والطاهر حجر (رئيس تجمع قوى تحرير السودان)، والهادي إدريس (رئيس حركة تحرير السودان ـ المجلس الانتقالي).
المعارضة ترى أن هدفه تبريد المظاهرات
وقوبل إعلان البرهان التخلي عن دور الجيش في تشكيل الحكومة، بتشكك كبير من قبل المعارضة، حيث اعتبر بيان لائتلاف قوى الحرية والتغيير المعارض الذي انتهت شراكته في السلطة مع العسكريين بعد انقلابهم على حكومة عبد الله حمدوك، أن ما وصفته بـ"قرارات قائد السلطة الانقلابية" هي مناورة مكشوفة، وتراجع تكتيكي.. واجبنا جميعاً الآن هو مواصلة التصعيد الجماهيري بكل طرقه السلمية من اعتصامات، ومواكب مع الإضراب السياسي، وصولاً للعصيان المدني الذي يجبر السلطة الانقلابية على التنحي".
من جهته، وصف القيادي بالحرية والتغيير، طه عثمان، خطاب البرهان بأنه "أكبر خديعة، بل هو أسوأ من انقلاب 25 أكتوبر… وقال إن الأزمة ستنتهي بتنحي سلطة الانقلاب، وبأن تشكل قوى الثورة السلطة المدنية".
وقال مسؤول العلاقات الخارجية في حزب المؤتمر السوداني، فؤاد عثمان، إن "خطاب البرهان لم يحمل أي جديد، بل أكد إصراره على المضي قدماً في مخططه نفسه، الرامي لإجهاض الثورة السودانية"، مشيراً إلى أن تحالف قوى الحرية والتغيير يرى أن الانقلاب مكتمل الأركان ولا بد من إنهائه أولاً.
ومن الواضح أن المعارضة ترى في القرار، محاولة لتبريد المظاهرات، والاحتجاجات التي تصاعدت مؤخراً، وأن العسكريين يراهنون على أن ترك القوى المدنية تتفاوض حول اختيار رئيس الحكومة وأسمائها من شأنه أن يفجر خلافات فيما بينها، لتظهر بمظهر العاجز أمام الرأي العام.

ويتظاهر السودانيون كل أسبوع تقريباً ضد الحكم العسكري، لكن منذ 30 يونيو/حزيران الذي شهد سقوط أكبر عدد من الضحايا في صفوف المتظاهرين منذ أشهر يواظبون على الاعتصام في منطقة بحري شمال الخرطوم ومدينة أم درمان غرب العاصمة وأمام مستشفى الجودة في وسط الخرطوم.
وسقط تسعة قتلى برصاص قوات الأمن في ذلك اليوم، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية المناهضة للانقلاب، ليكون الأكثر دموية منذ بداية العام.
ويحمل تاريخ 30 يونيو/حزيران في السودان بعداً رمزياً؛ لأنه يُصادف ذكرى انقلاب الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً بمساندة الإسلاميين عام 1989، وكذلك ذكرى التجمّعات الحاشدة عام 2019، التي دفعت الجنرالات إلى إشراك المدنيين في الحكم بعدما أطاح الجيش البشير. لكن انقلاب البرهان أنهى هذه الشراكة.
وفي هذا السياق، يقول فؤاد عثمان إن البرهان يريد من خلال خطابه أن يظهر للرأي العام المحلي والإقليمي والدولي أن المكون العسكري ليس طرفاً في الأزمة السياسية الحالية، وأن المشكلة تتعلق بصراعات وخلافات وعدم توافق بين المكونات المدنية، وهذه محاولة تغاضٍ عن جوهر وأصل المشكلة.
والوقيعة بين فصائل القوى المدنية
وقالت نائبة الأمين العام في حزب الأمة القومي السوداني، حليمة البشير، إن "الخطاب ترك الأشياء على عواهنها، ما يؤكد أن فقدان الثقة والتباعد بين المكونين العسكري والمدني ما زال كبيراً"، "مرر الكرة للقوى المدنية بطريقة مفتوحة من دون مواجهات محددة، ما يجعل اللغط كبيراً، فليس من المعقول أن يعلن أنه المسؤول عن حماية البلد، ولكنه لا يتحمل مسؤولية الطرف الثالث، الذي يقوم بقتل المتظاهرين، بحسب قوله".
فحتى لو تمكنت من تشكيل حكومة، فكما حدث مع حكومة عبد الله حمدوك، فإن الحكومة ستكون بلا صلاحيات حقيقية، وستظل المؤسسة العسكرية بزعامة البرهان وحميدتي هي المسيطرة على أمور البلاد، وعندما تتوفر الظروف الملائمة يمكن لهم الانقلاب عليها مجدداً.
كان البرهان الذي تولى رئاسة البلاد بعد تنحية الرئيس السابق عمر البشير عام 2019، قد نفذ انقلاباً عسكرياً في 25 من أكتوبر/تشرين الأول 2021، أطاح فيه بحكومة عبد الله حمدوك الانتقالية، التي كانت تمثل شراكة بين الجيش وما يوصف بالقوى المدنية.
وأبلغ وزير الخارجية السوداني، علي الصادق، الأربعاء، دبلوماسيين أجانب وممثلي منظمات إقليمية ودولية، بأن الجيش لن ينخرط في أي عملية تفاوض لتشكيل حكومة مدنية بالبلاد.
وقال إن "العملية السياسية ستكون مدنية خالصة، وفقاً للصيغة التي كانت تطالب بها القوى السياسية".
وأردف: "الحكومة المقترَحة ستكون مسؤولة عن صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وبسط واستتباب الأمن وإعادة الاستقرار بالبلاد، ومعالجة الضائقة المعيشية والترتيب للانتخابات".
وعقب خطاب البرهان، أشعل محتجون الإطارات وأغلقوا الشوارع في منطقة بري شرق العاصمة الخرطوم، في تعبير واضح عن عدم اقتناعهم بوعود البرهان الذي يطالب الشارع بالإطاحة به منذ 30 يونيو/حزيران.
كما بدأ الأطباء الثلاثاء الماضي إضراباً لثلاثة أيام، حسب ما أعلنت نقابتهم.
البرهان قد يستخدم الحركات المسلحة السابقة ضد المعارضة
وبينما يبدو واضحاً أن هناك رفضاً كاملاً من قوى المعارضة لتحرك البرهان، تجدر الملاحظة أنه ترك لغماً في الإعلان، وهو الحركات المسلحة التي تحالفت مع الجيش، وبالفعل فإنه لم يقل ممثليها من مجلس السيادة، وسط تساؤلات هل تقبل هذه الحركات بحل مجلس السيادة، الذي تشارك فيه وما يعنيه ذلك من انهيار بنود اتفاق سلام جوبا التي أضحت ضمن الوثيقة الدستورية وتقضي بتمثيل القوى المسلحة في هياكل السلطة بما فيها مجلس السيادة.
وأظهرت مواقف عدة خلال الفترة الماضية، أن الحركات المسلحة المتمردة تفضل الشراكة مع الجيش السوداني، بل تتحالف معهم ضد القوى المدنية، حيث كانوا أحد الذرائع التي استخدمها البرهان للانقلاب ضد حكومة حمدوك، ومن الواضح أن الحركات التي تمردت يوماً على الدولة السودانية بسبب ما تقول إنه قمع عسكري من قبل الجيش والإسلاميين، وهضم حقوق الأقليات الثقافية، هي الآن الأداة المفضلة للعسكريين، لقمع المعارضة المدنية.
يعني ذلك أن أزمة السودان مهدَّدة بالتحول إلى أزمة ثلاثية الأطراف، وليست بين الجيش السوداني والقوى المدنية فقط.
وفي بلد كبير ومتنوع مثل السودان، سوف تظهر أطراف أخرى، سواء بتوجيه من العسكريين، أو بشكل عفوي، طمعاً في نيل نصيبهم من كعكة السلطة.
الكل يتعمَّد تغييب الصندوق
والمشكلة أن إصرار القوى المدنية السودانية منذ الإطاحة بالبشير على عدم إجراء انتخابات خوفاً من فوز الإسلاميين، وتوجهها للتحالف مع العسكريين والاعتماد على الشارع، يعني أن ليس هناك سلطة دستورية، وأن كل طرف قد يلجأ لأدوات قواته، ويدعي أنه يتحدث باسم الشعب.
البرهان وحميدتي قد يتحركان عبر القوة العسكرية والمؤامرات والقوى المدنية عبر الشارع في المدن الكبرى، والقوى المتمردة السابقة عبر مسلحيها في المناطق المضطربة، وهناك أيضاً قوى عشائرية ومناطقية عديدة تستطيع التحرك عبر الشارع أو بالسلاح، مثلما حدث من قبل في شرق السودان خلال أزمة حكومة حمدوك.
وفي ظل احتمال تورط البرهان، وبالأكثر نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، في انتهاكات كبيرة، خاصة مذبحة القيادة العامة عام 2019، فإنه من غير المتوقع أن يكونا على استعداد حقاً لتسليم السلطة، وخاصة حميدتي الذي يعد من أقوى وأغنى الرجال في السودان حالياً.
ولذلك فقد يلجأ الرجلان لمناورات عدة للبقاء في السلطة، وكما حدث سابقاً، من خلال تحميل مسؤولة السلطة التنفيذية للقوى المدنية، والتي سرعان ما سوف تواجه تحديات أو اضطرابات عمدية أو عفوية، تتيح للعسكريين الإطاحة بهم.
وفي المقابل، فإن إصرار القوى المدنية على عزل السلطة العسكرية خيار له مخاطره أيضاً، لأنه من سيعزلها قد يكون عسكرياً آخر يدخل بدوره إلى المعادلة، أما إذ كانت القوى المدنية تفترض أن المؤسسة العسكرية سوف تنهار أمام ضغوط الشارع، فهذا سيناريو خطير أيضاً، كما أن ممثلي الحركات المسلحة لن يقبلوا أن ينزع منهم مكاسب اتفاق جوبا.
الحل في السودان يجب أن يكون بالعودة من النزاع بين سلطة الشارع وسلطة السلاح العسكري، أو المتمرد، إلى سلطة الشعب بأكمله عبر صناديق الاقتراع.