المصائب لا تأتي فرادى.. كورونا وأزمة الغذاء يضربان كوريا الشمالية، فهل يقبل زعيمها المساعدات؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2022/05/18 الساعة 09:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/05/18 الساعة 09:19 بتوقيت غرينتش
زعيم كوريا الشماليةيرتدي الكمامة /Getty Images

على مدى أكثر من عامين ونصف العام لم تعلن كوريا الشمالية عن إصابات بفيروس كورونا، لكن خلال أيام سجلت أكثر من مليون إصابة وظهر الزعيم كيم جونغ أون مرتدياً الكمامة للمرة الأولى، فهل تفشي أوميكرون متزامن مع خطر المجاعة؟

وكوريا الشمالية، الدولة النووية، هي أكثر دولة على وجه الأرض مغلقة تماماً ومن شبه المستحيل معرفة أي شيء يحدث فيها إذا ما قرر زعيمها جونغ أون عدم البوح به، ومنذ تفشي فيروس كورونا أواخر عام 2019 في ووهان بالصين، جارة كوريا الشمالية، أغلقت بيونغ يانغ حدودها تماماً وأعلنت عن سياسة صفر-كوفيد 19، أي سياسة هدفها منع انتشار العدوى تماماً.

وعلى مدى أكثر من عامين ونصف العام بدا أن سياسة صفر إصابات آتت أُكلها في كوريا الشمالية، لكن ذلك الأمر تبخّر فجأة الأسبوع الماضي، مع إعلان كوريا الشمالية عن تسجيل إصابات بمتحور أوميكرون من الوباء.

ونشرت مجلة Foreign Policy الأمريكية تقريراً عنوانه "كوريا الشمالية قد تعلق بين المجاعة والوباء"، رصد المؤشرات المقلقة بأن بيونغ يانغ ربما تكون تواجه بالفعل تفشياً قاتلاً من الوباء، في نفس الوقت الذي تواجه خطر مجاعة حدتها قد تكون غير مسبوقة.

من صفر كورونا إلى مليون إصابة

في يناير/كانون الثاني 2020، نظرت كوريا الشمالية بقلق فيما كان وباء فيروس كورونا المستجد حينها يظهر في الصين. وقالت صحيفة Rodong Sinum، الصحيفة الرسمية لحزب العمال الحاكم في كوريا الشمالية، إنَّ منع انتشار هذا الفيروس خارج حدود الصين هي مسألة "بقاء وطني".

وأبلغت كوريا الشمالية طوال الأشهر الـ28 التالية، وعلى نحو لا يُصدَّق، عن صفر إصابات بكوفيد 19، فيما كان الفيروس يعيث فساداً في بقية العالم. وكما هو الحال بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني في الجوار، اختار حزب العمال الكوري انتهاج استراتيجية "صفر كوفيد" تقوم على إغلاق حدود البلاد، لكن بعكس الصين تضمَّن تطبيق هذه الاستراتيجية أوامر بإطلاق النار بمجرد الرؤية، إلى جانب إجراءات أخرى.

لكنَّ الادعاء بعدم تسجيل أي إصابات انتهى بصورة مؤلمة الأسبوع الماضي، بعدما سجَّلت البلاد أول حالة إصابة بمتحور أوميكرون من فيروس كوفيد 19 داخل حدودها. ولم نسمع أنَّه جرى تطعيم أي مواطن كوري شمالي ضد كوفيد 19، وفي ظل عدم وجود حالات إصابة مؤكدة سابقة بكوفيد 19، من المستبعد أيضاً وجود أي مناعة طبيعية من متحورات فيروس كورونا السابقة.

اعترفت وسائل الإعلام الحكومية في غضون أيام بانتشار أكثر من مليون حالة إصابة بـ"الحمّى" -وهو تعبير للدلالة على الاشتباه في الإصابة بكوفيد 19 بالنظر إلى غياب القدرة على إجراء الاختبارات التشخيصية- في مختلف أنحاء البلاد.

هل ما تواجهه بيونغ يانغ هو المتغيرال جديد من سلالة أوميكرون شديدة العدوى؟/ رويترز

وقد عُزيَت رسمياً 50 حالة وفاة إلى "الحمّى" التي تجتاح البلاد. وتُعَد بيونغ يانغ، العاصمة الوطنية التي شهدت استعراضاً عسكرياً كبيراً في أواخر أبريل/نيسان الماضي، هي بؤرة التفشي. وقد ظهر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مرتدياً الكمامة في وسائل الإعلام الحكومية، وهي المرة الأولى التي يُعتَقَد أنَّه أقدم فيها على فعل ذلك.

بالنسبة لكيم، الذي احتفل بإكماله عشر سنوات في سدة حكم البلاد قبل أشهر قليلة فقط، يمثل وصول متحور أوميكرون والمتحورات الفرعية منه إلى كوريا الشمالية تهديداً خطيراً.

ومع ذلك، فإنَّ كوفيد 19 ليس التحدي الوحيد الذي تواجهه البلاد في الوقت الراهن، فربما تكون كوريا الشمالية على حافة المجاعة من جديد، وقد أدلى كيم في يوم رأس السنة، هذا العام، بتصريحات لم تؤكِّد على الأسلحة والصواريخ النووية، بل على الناتج الزراعي. ونقص الغذاء ليس غريباً على كوريا الشمالية، لكنَّ مزيج الانتشار الواسع لانعدام الأمن الغذائي وفيروس تنفّسي مميت هو تحدٍّ جديد ومخيف.

كوريا الشمالية وخطر المجاعة

في حين لا يزال الوضع في حالة سيولة يبدو أنَّ هذه المجموعة من التحديات المتوازية تُشكِّل معضلة جوهرية للنظام بشأن كيفية التعامل مع انتشار الفيروس.

قبل أيام من إعلان وسائل الإعلام الحكومية تأكيد وصول متحور أوميكرون إلى البلاد، دخلت بيونغ يانغ في حالة إغلاق، أشارت بقوة إلى حدوث تفشٍّ لكوفيد 19. واجتمع المكتب السياسي لحزب العمال بعد الاعتراف بوجود كوفيد 19 في كوريا الشمالية كي يناقش "حالة أزمة الوقاية من الوباء".

وتقول مراسلة بي بي سي في كوريا الجنوبية، جين مكنزي، إن هذه التطورات الأخيرة قد تكون مؤشراً على أن بيونغ يانغ قررت تغيير سياستها بشأن التعامل مع الوباء، وتضيف: "قد تكون حقيقة أن كوريا الشمالية بدأت بالإعلان عن عدد الإصابات والوفيات اليومية فيها إشارة إلى أنها تحتاج العون الخارجي وتريده".

وقد يكون منظر الزعيم كيم جونغ أون وهو يرتدي قناعاً للمرة الأولى منذ اندلاع الوباء إشارة أخرى إلى ذلك. ووفقاً لوسائل الإعلام الحكومية في كوريا الشمالية دعا كيم "كل المدن والمقاطعات في كامل البلاد لإغلاق مناطقها تماماً، وتنظيم العمل والإنتاج، بعد إغلاق كل وحدة عمل، ووحدة إنتاج، ووحدة معيشة مع بعضها البعض، لسدّ نافذة انتشار الفيروس الخبيث بصورة مثالية لا تشوبها شائبة".

وترقى هذه إلى كونها دعوة للإغلاق على مستوى البلاد، وينبغي أن يكون نظام كوريا الشمالية الصارم، والذي تصدر فيه الأوامر من قمة هرم السلطة ليتم تنفيذها دون مناقشة، قادراً على فعل ذلك بسرعة. لكنَّ كل الإشارات تفيد بأنَّ البلاد لم تدخل في حالة إغلاق شامل بعد، ولو أنَّ بيونغ يانغ ومدناً أخرى قد دخلت.

ويستمر الصحفيون الموجودون في كوريا الجنوبية يرصدون الوضع عبر المنطقة الحدودية بين الكوريتين، باستخدام التلسكوبات في رؤية إشارات على نشاط زراعي طبيعي في المزارع الواقعة جنوب كوريا الشمالية، وهو ما يشير إلى إمكانية وجود تفاوت ريفي- حضري في كيفية تطبيق الإغلاقات.

كيم يو جونغ شقيقة زعيم كوريا الشمالية/ وكالة يونهاب

ويبدو أنَّ تفسير هذا يتمثل في الحقيقة التي لا مفر منها لما قد يعنيه الإغلاق الحقيقي: مجاعة كارثية ومؤكدة، إذ يصادف أنَّ شهر مايو/أيار هو بداية موسم زراعة الأرز في كوريا الشمالية، والذي يستمر حتى أكتوبر/تشرين الأول. ويُعَد إنتاج الأرز، بصفته الغذاء الوطني الرئيسي، ضرورياً لمنع حالات النقص الكبير في الغذاء.

وشهدت كوريا الشمالية بالفعل تراجع مخزوناتها الغذائية في ظل تراجع حصيلة مواسم الحصاد خلال فترة العزلة التي فرضتها على نفسها طوال 28 شهراً. وقد ينقذ فرض إغلاق شامل الأرواح من "الحمّى" التي تنتشر في أنحاء البلاد، لكنَّها قد تأتي على حساب الأرواح التي ستُفقَد لاحقاً نتيجة المجاعة وسوء التغذية.

ماذا قد تكون خطوة الزعيم الكوري الشمالي المقبلة؟

ليس واضحاً ما الخطوات التي قد تتخذها القيادة إذا ما وقع الأسوأ وثبُت استحالة احتواء متحور أوميكرون. أفادت صحيفة Rodong Sinmun بأنَّ كيم أبلغ السلطات الكورية الشمالية بدراسة "سياسات ونجاحات وخبرات" الصين، إلى جانب بلدان أخرى، و"اتباع نهجها بصورة نشطة". وقد يؤشِّر ذلك على الميل لتفضيل فرض حالة إغلاق على المستوى الوطني لاحتواء الجائحة، حتى لو كان ذلك يزيد بصورة كبيرة احتمالات حدوث مجاعة على مستوى البلاد.

ولا تزال بيونغ يانغ بشكل كبير غير مهتمة بالسعي للحصول على مساعدة الخارج. إذ أفادت تقارير بأنَّ بيونغ يانغ رفضت اللقاحات المُخصَّصة لشعبها من آلية "كوفاكس". وابتعدت كوريا الشمالية طوال حالة الإغلاق التي فرضتها على نفسها، واستمرت 28 شهراً قبل وصول متحور أوميكرون، عن الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.  

كيم جونغ أون كوريا الشمالية صواريخ باليستية أمريكا
هل يضطر الزعيم لقبول المسعدات من أعدائه؟/ رويترز

ومع دخول كوريا الشمالية الآن بالكامل في مخاض تفشي كوفيد 19، قد يكون احتمال قبول كيم للمساعدة الخارجية أكثر ترجيحاً. فعلى الرغم من شعارات كوريا الشمالية التي تؤكِّد "الاعتماد على الذات" تلقَّت البلاد مراراً عروضاً للمساعدة الخارجية، بما في ذلك من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، خلال فترات المصاعب الاقتصادية السابقة. في الواقع، قد يكون جزء من سبب رفض مسؤولي كوريا الشمالية قبول لقاحات "أسترازينيكا" التي خصَّصتها لها آلية كوفاكس هو تفضيلهم للقاحات أمريكية الصنع، المُعتمِدة على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA).

وقال رئيس كوريا الجنوبية الجديد، يون سوك يول، إنَّه سيكون مستعداً لتقديم المساعدة الخاصة بفيروس كورونا لكوريا الشمالية عند الضرورة. وحثَّت إدارة بايدن أيضاً كوريا الشمالية على فتح حدودها لتسهيل حملة التطعيم. وفي حين أنَّ كوريا الشمالية قد تكون رأت سابقاً وجاهة في رفض تلك العروض في ظل التصورات بوجود دوافع خفية وراء تقديمها، فإنَّ هذا الوضع قد يتغيَّر مع تدهور الأزمة.

وستكون هنالك فرصة في وقتٍ سابق من هذا الشهر، مايو/أيار، حين يلتقي الرئيس يون نظيره الأمريكي جو بايدن، لإرسال رسالة أحادية الجانب بوجود استعداد لمساعدة كوريا الشمالية دون شروط. وفيما يترقَّب العالم تجربة نووية كورية شمالية سابعة، واستمرار التجارب الصاروخية، يجب أن تتخذ واشنطن وسول خطواتٍ للانخراط مع بيونغ يانغ بشأن المساعدة المرتبطة بالجائحة.

ويجب أن يكون المبدأ الأول الذي تستهدي به واشنطن وسول في تعاملهما مع بيونغ يانغ، في الوقت الذي تمر فيه بفترة الأزمة هذه، هو ضمان الحد من معاناة مواطني كوريا الشمالية الأبرياء نتيجة الجائحة. ويمكن لنجاح المسعى الرامي لتحقيق هذا الهدف أن يعيد خطوط التواصل ويعزز الثقة ويُهيِّئ الأوضاع التي يمكن أن تسمح بالعودة إلى المباحثات، حتى دون أي ربط صريح بين المسائل النووية والصاروخية والجائحة.

تحميل المزيد