يبدو أن تغيير مفهوم قضاء العطلة في أحد المنتجعات السياحية الشهيرة على الأرض سيصبح قريباً من الماضي، مع قرب افتتاح أول فندق في الفضاء بإطلالة على النظام الشمسي، فما تكلفة قضاء ليلة هناك؟ ومتى يصبح السفر إلى الفضاء بغرض السياحة حقيقة وليس خيالاً؟
منذ نجاح الروس والأمريكيين في الوصول إلى القمر قبل أكثر من 6 عقود، لا يتوقف سعي البشر لاكتشاف أسرار الكون العميقة، وإن اختلفت الغايات والأهداف بطبيعة الحال، فهناك من يسعون للأبحاث العلمية لإيجاد حلول لتغير المناخ أو كواكب صالحة لعيش البشر، وهناك من يستخدمون الفضاء لإجراء تجارب على أسلحة جديدة (عسكرة الفضاء)، وهناك من يبنون فنادق بغرض قضاء العطلة والاستجمام.
ويبدو أن السياحة وقضاء العطلات على وشك أن تشهد إضافة فضائية قريباً، مع إعلان شركة الفضاء "Orbital Assembly" التي تتّخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، عن معلومات ومفاهيم جديدة لفكرتها حول افتتاح أول فندق في الفضاء، وهي الفكرة التي يدور الحديث عنها منذ سنوات.
متى سيتم افتتاح أول فندق في الفضاء؟
الإعلان عن أول فندق في الفضاء ليس جديداً، إذ كانت شركة "أوريون سبان" الأمريكية، مقرها تكساس، قد كشفت عام 2018 عن أنه يجري بالفعل بناء أول فندق فخم في الفضاء، واسمه "محطة أوروا"، يتيح لضيوفه تجربة العيش والسياحة خارج كوكب الأرض.
وكان من المفترض أن تنطلق أول رحلة سياحية هذا العام (2022)، لكن شركة أخرى هي شركة "جيتواي فاونديشن" ومقرّها ولاية كاليفورنيا، عرضت هذا المفهوم عام 2019 وأطلقت عليه اسم محطة "فون براون"، وقوامه وحدات عدة تصل بينها أعمدة المصاعد حتى تشكل عجلة تدور حول الأرض.
ويُشرف على تنفيذ هذا المشروع حالياً شركة "أوربيتال أسيمبلي كوربوريشن" أي شركة الإنشاءات الفضائية التي قطعت صلتها بشركة "Gateway". وتسعى إلى إطلاق محطتين فضائيتين لإقامة السياح: محطة "Voyager"، وهو الاسم الذي أعطي حديثاً للتصميم الأساسي، وتبلغ قدرتها الاستيعابية 400 شخص، ومقرّر افتتاحها عام 2027، فيما يرتقب أن تجهز محطة "Pioneer" الجديدة، التي تتّسع لـ28 شخصاً، بعد ثلاث سنوات فقط، أي عام 2025، بحسب تقرير لشبكة CNN الأمريكية.

ويعتبر هذا الفندق، أو المحطة الفضائية السياحية، تطوراً هائلاً من الفكرة الأولية، التي كانت تتسع فقط لـ6 ضيوف يحصلون على إقامة لمدة 12 يوماً لمرة واحدة في العمر.
وتشير هذه التقديرات الجديدة إلى أن السياحة الفضائية باتت تبدو أقرب إلى التحقيق من أي وقت مضى. وخلال العام الماضي، انطلق الملياردير ريتشارد برانسون، مؤسس شركة فيرجن إلى الفضاء شبه المداري مع شركته "فيرجين جالاكتيك"، بينما حقق ممثل السلسلة التلفزيونية "Star Trek" ويليم شاتنر حلمه بزيارة الفضاء فعلياً بفضل رحلة قصيرة قام بها مع شركة "بلو أوريغن".
كم تبلغ تكلفة قضاء ليلة في فندق الفضاء؟
وبحسب ما تم الكشف عنه سابقاً من جانب شركة "أوريون سبان" ومديرها التنفيذي فرانك بنجر، كانت تكلفة الرحلة والإقامة في الفندق تبلغ 9.5 مليون دولار للضيف الواحد، لكن تلك الأسعار التقديرية ترجع لأكثر من 4 أعوام مضت.
لكن الأسعار المرتبطة بأي رحلة فضائية لا تزال مرتفعة بصورة من الصعب تصديقها أو استيعابها، وهو ما يصعّب على الكثيرين التفكير بتمضية الإجازة السنوية خارج الكوكب.
لكن تيم ألاتوري، كبير مسؤولي العمليات في "أوربيتال أسيمبلي" يعتقد أن الحاجز المتعلق بالتكلفة الخرافية ستتم إزالته مع انطلاق السياحة الفضائية. وقال لشبكة CNN، إنه "لطالما كان الهدف تمكين أعداد كبيرة من الناس على العيش والعمل والازدهار في الفضاء".
وفي الإطار نفسه، أوضحت شركة "أوربيتال أسيمبلي" أنّ الهدف من المشروع هو إدارة "مجمع أعمال" فضائي يضم المكاتب والسيّاح على حدٍّ سواء.
ماذا عن انعدام الجاذبية في الفضاء؟
ألاتوري أوضح، في حديثه للشبكة الأمريكية، أنّ جاذبية المفهوم الجديد لمحطة "بايونير" تكمن في أن حجمها الأصغر يجعلها قابلة للتحقيق في أسرع وقت، وأضاف أنّ "هذا الأمر يتيح لنا فرصة لجعل الناس يبدأون اختبار الفضاء على نطاق أوسع، وعلى نحو أسرع".
كما ستكون هناك إمكانية لتأجير مساحات مكتبية، ومرافق بحثية في كل من محطتي "بايونير" و"فوياجير"، واعتبر ألاتوري أن هذا الأمر مربح من كل الجوانب لشركة "أوربيتال أسيمبلي"، التي يعتمد الكثير من تحقيق أهدافها في المدى القريب على التمويل.
ووضعت الشركة المدارية تصوّراً للمحطتين أشبه بعجلة دوارة حول الأرض. وكان ألاتوري، في مقابلة سابقة مع CNN عام 2019، قد أوضح أن فيزياء "محطة فوياجير" تعمل على غرار دوران دلو من الماء.
وقال حينها: "تدور المحطة، وتدفع محتوياتها إلى الحد الخارجي، وهي أشبه بشكل كبير بالطريقة التي تدير فيها دلو مياه، فيندفع السائل إلى الحافة، ويبقى في مكانه". وكلما اقتربت من مركز المحطة ستنعدم الجاذبية الاصطناعية، لكن كلما تحركت نحو الأسفل باتجاه خارج المحطة، يزداد الشعور بالجاذبية.
وأشار ألاتوري منذ فترة قصيرة إلى أنّ الفيزياء لم تتغير، لكنه أوضح أنه نظراً لأنّ محطة "بايونير" أصغر حجماً، فإن مستوى جاذبيتها سيكون مختلفاً. سيظل هناك ما سمّاه "وسائل الراحة" الناجمة عن الجاذبية الاصطناعية، مثل الاستحمام، والقدرة على تناول الطعام والشراب جلوساً، لكن المساحات ذات الجاذبية الأقل ستسمح بمرح إضافي ومراوغات فضائية.

أما التصاميم الداخلية الخاصة بالمحطتين فيبدو أنها لا تختلف عمّا تقع عليه داخل فندق فخم على الأرض، يُضاف إليها فقط بعض المناظر الإضافية من خارج هذا العالم.
ولفت ألاتوري، الذي لديه خلفية في الهندسة المعمارية، في وقت سابق، إلى أنّ جمالية الفندق أتت استجابة مباشرة لفيلم ستانلي كوبريك "2001: A Space Odyssey"، الذي وصفه بأنه "مخطط تقريباً لما يفترض تفاديه".
وأوضح ألاتوري أنه يعتقد "أن هدف ستانلي كوبريك كان تسليط الضوء على الفجوة بين التكنولوجيا والإنسانية، لذلك، عن قصد، جعل المحطات والسفن معقمة للغاية، ونظيفة، وغريبة".
أما محطة فون براون، فكانت الاسم الأساسي الذي أطلق على فندق الفضاء، لأن مفهومها استُوحي من تصاميم لويرنهير فون براون مهندس طيران رائد في تكنولوجيا الصواريخ، أولاً في ألمانيا، ثم لاحقاً في الولايات المتحدة، قبل 60 عاماً.
انتقادات للسياحة الفضائية
السياحة في الفضاء ليست مفهوماً جديداً تماماً، إذ بدأت محطة الفضاء الدولية قبل أكثر من 20 عاماً استقبال سائحين، وكان أولهم الملياردير الأمريكي دينيس تيتو عام 2001، لكن المفهوم كان مختلفاً للغاية، فمحطة الفضاء الدولية هي بالأساس مكان مصمم للعمل وإجراء الأبحاث وليس للسياحة والاستجمام. وكان الهدف من فتح الباب أمام استقبال سائحين مرتبطاً بفكرة المساهمة في توفير تمويل لاستمرار المحطة.
لكن الفندق الفضائي الذي من المفترض أن يستقبل نزلاءه عام 2025 مختلف تماماً من حيث المفهوم، وهذا ما أشار إليه ألاتوري بقوله إن فندق الفضاء التابع لشركة "أوربيتال أسيمبلي" يلبي حاجات فئة مختلفة.
ألاتوري أوضح أيضاً أنّ الأمر "لن يكون كما لو كنت متجهاً إلى مصنع أو منشأة بحثية"، بل سيشعر السائح أنه يعيش "حلم خيال علمي"، وأضاف: "لا وجود لأسلاك في كل مكان، إنها مساحة مريحة تشعر فيها وكأنك في بيتك".
وفيما تضخ مليارات الأموال في الفضاء، هناك أيضاً ردود فعل عنيفة متزايدة مناهضة للسياحة الفضائية، مفادها أنه يمكن إنفاق الأموال بشكل أفضل على الأرض.
ورداً على هذا النقد، قال ألاتوري للشبكة الأمريكية إنّ "الكثير من التقنيات التي غيرت مجرى الحياة" تنبع من استكشاف الفضاء، مثل نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
كما افترض ألاتوري أن العيش في الفضاء سيتضمن إنشاء "مجتمعات مستدامة". ورغم حقيقة أن تكلفة تذكرة السفر إلى الفضاء باهظة حالياً، فإن ألاتوري أكدّ أنّ السياحة الفضائية لن تقتصر على فاحشي الثراء. وقال: "نحن نبذل قصارى جهدنا لجعل زيارة الفضاء بمتناول الجميع، وليس حكراً على الأثرياء فقط".