على إثر جلسة نيابية استثنائية للبرلمان التونسي منذ قرار تجميده وحل الحكومة بتاريخ 25 يوليو من العام الماضي، أصدر الرئيس قيس سعيد، خلال اجتماع مجلس الأمن القومي مساء الأربعاء 27 مارس/آذار 2022، قراراً يقضي بحل مجلس نواب الشعب؛ "حفاظاً على الدولة ومؤسساتها وحفاظاً على الشعب التونسي، وذلك بناءً على الفصل 72 من الدستور"، على حد تعبيره.
واعتبر أن ما أقدم عليه نواب الشعب المجمدون "محاولةٌ فاشلة للانقلاب وتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي وسيتم ملاحقتهم جزائياً".
الرئيس يناقض نفسه
وعقد أكثر من 120 نائباً في البرلمان التونسي اجتماعاً افتراضياً عبر الإنترنت في تحدٍّ واضح لرئيس الدولة الذي جمّد أعمالهم وأقال رئيس الحكومة، وصوت 116 نائباً من دون رفض أو تحفظ على مشروع قانون يلغي التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس ويكون ساري المفعول منذ تاريخ التصويت عليه.
ينص الفصل 72 من الدستور التونسي الذي اعتمد عليه رئيس الجمهورية لحل البرلمان وإلغاء قراراته أن "رئيس الدولة هو ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام دستورها".
إلا أن خبراء قانون دستوري اعتبروا أن هذا الفصل من الدستور يعكس التناقضات الداخلية في سياسات الرئيس في علاقة بهذه المسألة؛ لأن هذا البند يأتي تحت الباب الرابع من الدستور المتعلق بالسلطة التنفيذية، في حين أن الأمر الرئاسي 117 الصادر في 22 أيلول/سبتمبر 2021 علق العمل بالدستور وأبقى فقط على التوطئة والبابين الأول والثاني، أي المبادئ العامة والحقوق والحريات".

وسبق لقيس سعيد، حينما ارتفعت أصوات أنصاره ومؤيديه بحل البرلمان إثر القرارات التي اتخذها أن رفض حل البرلمان على اعتبار أن الدستور التونسي لا يسمح له بذلك إلا في حالة توفر شروط تنفيذ الفصل 89 من الدستور، غير أنه تراجع عن موقفه.
وعلى نفس الشاكلة التي أوّل بها سعيّد الفصل 80 من الدستور الذي يقر اتخاذ تدابير استثنائية في حالة وجود خطر داهم يهدد استقرار الدولة، أوّل كذلك الفصل 72 على طريقته الخاصة لحل البرلمان رغم أن هذا الفصل ينظم فقط السلطات الترتيبية للسلطة التنفيذية ولا توجد فيه إشارة لا من قريب ولا من بعيد للسلطة التشريعية أو لمسوغات حل البرلمان.
وأوضحت أستاذة القانون الدستوري المختصة بالشأن البرلماني، منى كريم الدريدي، أن الدستور التونسي ينص على أنه يمكن لرئيس الدولة أن يحل البرلمان في حالتين: الحالة الأولى اعتماداً على الفصل 89 من الدستور الذي ينص على أنه إذا مرَّت أربعة أشهر على تكليف شخصية لتشكيل الحكومة، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة لها، فإن لرئيس الجمهورية الحق في حلّ مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه 45 يوماً وأقصاه 90 يوماً".
للتذكير، ينص الفصل 99 من الدستور على أنه "في حال طلب رئيس الجمهورية من مجلس نواب الشعب التصويت على الثقة بمواصلة الحكومة نشاطها، فإن لم يجدد المجلس الثقة بالحكومة اعتبرت مستقيلة، وعندئذ يكلف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين حكومة في أجل أقصاه 30 يوماً طبقاً للفقرات الأولى والخامسة والسادسة من الفصل 89. وعند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في أجل أدناه 45 يوماً وأقصاه 90 يوماً"، بحسب ما جاء في حديثها لصحيفة "العربي الجديد".
بالمقابل، يرى الصادق شعبان، وزير التعليم العالي السابق في عهد الرئيس المخلوع، في تدوينة على صفحته بفيسبوك، أن حل البرلمان مجرد تدبير استثنائي، لحماية البلاد، اتخذه رئيس الجمهورية طبقاً للفصل 72 باعتباره الراعي لاستمرارية الدولة والمحافظ على وحدتها، وهي أهم صلاحيات رئيس الجمهورية عند تأزم الأمور.
ويرى متابعون للشأن السياسي التونسي أن الرئيس قيس سعيّد، ومنذ الإعلان عن قراراته في 25 يوليو التي اعتبرها معارضوه انقلاباً متكامل الأركان، لم يتوقف عن التعامل مع دستور 2014 تعاملاً انتقائياً حسب تأويلاته الشخصية وعلى مقاسه.
سوء تقدير للموقف
يوجد تقريباً شبه إجماع من المراقبين على أن الرئيس التونسي ضيّع على نفسه العديد من الفرص التي كان بمقدوره أن يحسم من خلالها الصراع مع خصومه من أحزاب سياسية معارضة، وعلى رأسهم حزب حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وغيرهم من الديمقراطيين والحداثيين المستائين من سلوكه السياسي، وبدل ذلك قدّم في العديد من المناسبات زخات أوكسجين لخصومه من أجل العودة من بعيد والمبادرة بالفعل بعد أن كانوا يتحركون في منطقة رد الفعل.
وقد جاء اجتماع مجلس نواب الشعب على الفضاء الافتراضي بدعوة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي ومصادقة أغلبية نوابه على مشروع قانون يقضي بإبطال التدابير الاستثنائية والمراسيم الرئاسية، بمثابة الضربة الموجعة في معركة كسر العظام التي لم تتوقف أطوارها منذ قرابة سبعة أشهر ونيف بين رئيس الدولة من جهة ورئيس حركة النهضة وحلفائه من جهة أخرى.

وقد عمل رئيس البرلمان خلال تلك الفترة على تقوية شبكة علاقاته النيابية والسياسية وانتظر الوقت المناسب ليقدم على ضربته السياسية والاتصالية بعقد المجلس في هذا الظرف بالذات الذي يجمع فيه رئيس الدولة جميع السلطات، وتسجيل نقاط سياسية ثمينة تخوّل له مجالاً مهماً للتفاوض والحوار.
ويرى متابعون أن النواب المجمّدين من حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة ربحوا مساحات على حساب الرئيس سعيّد، لأن هذا الأخير مطّط كثيراً في الفترة الانتقالية وعزل نفسه عن جميع المكونات السياسية والنقابية في البلاد وأساء تقدير الأمور بالرغم من امتلاكه سلطات تنفيذية واسعة لا ينافسه فيها أحد.
حتى أن زهير المغزاوي، أحد أكبر مساندي الرئيس وأمين عام حزب حركة الشعب، انتقد سياسات الرئيس سعيّد وطريقته في إدارة المرحلة الانتقالية، وقال: "نحن نساند 25 يوليو ولكن إدارة الرئيس بعد قرارات 25 يوليو كانت سيئة والدليل على ذلك أننا كنا ندور في نفس الحلقة المفرغة طيلة 7 أشهر.. كان بإمكاننا حينها إنجاز إصلاحات والمرور إلى الانتخابات".
مستقبل الأزمة السياسية
على إثر قرار الرئيس قيس سعيد حل البرلمان، طلبت وزيرة العدل التونسية من وكيل الدولة بمحكمة الاستئناف فتح تحقيق ضد نواب في البرلمان المعلّق مهامه بتهمة "التآمر على أمن الدولة وتكوين وفاق إجرامي" كرد فعل على عقدهم جلسة عبر الإنترنت اليوم الأربعاء، بحسب تقارير إعلامية.
وفي لقاء جمعه بكل من رئيس الحكومة ووزراء الداخلية والدفاع والعدل، طالب الرئيس سعيّد القضاء بالتحرك لتحقيق العدالة؛ "لأن ما حدث يوم أمس كان محاولة انقلابية فاشلة وتآمراً على أمن الدولة الداخلي والخارجي ومحاولة يائسة للمسّ بوحدة الدولة واستقلاليتها، بحسب ما جاء في صفحة رئاسة الجمهورية على فيسبوك.
وتحال القضايا المتعلقة بأمن الدولة الداخلي والخارجي عادة إلى القضاء العسكري لينظر فيها، وهو ما يعني أن النواب الذين اجتمعوا يوم الأربعاء في البرلمان تنتظرهم أحكام سجن ثقيلة وإجراءات قضائية موجعة، ومن غير المؤكد حتى الآن ما إذا كان رئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي دعا لهذا الاجتماع من بين النواب الذين ستصدر في حقهم بطاقات تتبع قضائي أم لا.

إلى ذلك، اعتبر حزب العمال (أقصى اليسار) أن الخطوة التي قام بها البرلمان المجمدة أعماله وردة فعل رئيس الجمهورية قيس سعيد ستغرق البلاد في طور جديد من التنازع على السلطة في بلادنا.
وبين الحزب، في بيان نشره بتاريخ 30 آذار/مارس، أن الدخول في طور جديد من النزاع مع قيس سعيد مرشح ليكون أخطر من سابقه، وقد يؤدي إلى "انقسامات مريعة وربما إلى احتراب داخلي تغذّيه قوى خارجية تقف وراء مختلف الأطراف المتنازعة منذ مدة غير قصيرة".
ومن المتوقع أن يخوض معارضو الرئيس من نواب وأحزاب وشخصيات سياسية تحركات احتجاجية في المرحلة القادمة؛ للمطالبة بعودة المسار الديمقراطي ورفض قرارات حل البرلمان وإحالتهم على محكمة أمن الدولة من أجل ممارسة النشاط البرلماني الذي سبق وأن تم تجميده بمرسوم رئاسي.
وفي حين يطالب غالبية مكونات المشهد السياسي التونسي بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة إثر قرار حل البرلمان، فإنه من المتوقع أن يستمسك الرئيس وأنصاره بالأجندة السياسية القائمة على إنجاز استفتاء على تغيير الدستور والقانون الانتخابي في شهر يوليو القادم وإنجاز الانتخابات التشريعية في 17 ديسمبر/كانون الأول المقبل.
الثابت في هذا السياق أن الأيام القادمة ستشهد تصعيداً سياسياً خطيراً، من غير المعلوم ما إذا كان سيؤدي لانفراجة وحوار مثلما يطالب به الداخل والخارج، أم مزيداً من الصراعات واستنزاف الوقت والجهد في عمل غير مثمر سياسياً ووطنياً.