أكثر رجل يعرف بوتين.. رئيس فنلندا يلمح لحل محتمل لأزمة أوكرانيا استنتجه من اتصال مع زعيم الكرملين

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2022/02/01 الساعة 21:13 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/02/01 الساعة 23:30 بتوقيت غرينتش
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الفنلندي سولي نينيستو /رويترز

أكثر زعيم غربي يعرف بوتين هكذا يوصف أحياناً رئيس فنلندا ساولي نينيستو.

وفي ظل تفاقم الأزمة الأوكرانية، لا يتواجد الكثير من زعماء الاتحاد الأوروبي على قائمة الاتصال الرسمية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باستثناء الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تحدث إليه في الأسبوع الماضي، وسبقه المستشار الألماني أولاف شولتز في ديسمبر/كانون الأول فقط.

ولكن الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو يتمتع بواحدةٍ من أكثر العلاقات رسوخاً مع بوتين بين الزعماء الأوروبيين، بعد 10 سنواتٍ قضاها في منصبه. إذ أصبح بمثابةٍ قناة اتصال خلفية هادئة لنقل الصورة إلى الغرب خلال المواجهة مع بوتين، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Washington Post الأمريكية.

لدرجة أن صحيفة Sunday Times البريطانية وصفت نينيستو مؤخراً بأنه "مُروّض بوتين".

رئيس فنلندا يتحدث لبوتين بطلب من البيت الأبيض

قال نينيستو في مقابلةٍ بالفيديو من مكتبه في هلسنكي: "أعتقد أن الحديث هو أفضل من الصمت في جميع الأحوال. وتزداد صحة هذه المقولة حين تكون لدينا مشكلات أو صراعات". وقد تحدث نينيستو إلى الرئيس بايدن بطلبٍ من البيت الأبيض، قبل أيام من مكالمته الأخيرة مع بوتين في الـ21 من يناير/كانون الثاني. وكانت هذه ثاني محادثةٍ بين الزعيمين في غضون شهرٍ أو أزيد قليلاً.

وتعد العلاقات بين فنلندا وروسيا نموذجاً غير متكرر، فهذه الدولة الثرية التي يبلغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة، كانت جزءاً من روسيا القيصرية، بل أذهلت العالم بصمودها أمام الاتحاد السوفييتي في ذروة قوته خلال ما يعرف بحرب الشتاء بين عامي 1939 و1940، ثم احتلت جزءاً من الأراضي السوفييتية في أثناء تحالفها مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

ولكن هذه الدولة قليلة السكان شحيحة الموارد، نجت من الانتقام السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يبتلعها ستالين مثلما ابتلع جمهوريات البلطيق، ولم يضمها حتى قسراً لحلف وارسو التابع لموسكو بعد الحرب العالمية الثانية مثلما فعل مع كل دول أوروبا الشرقية التي يبلغ عدد سكانها مئات الملايين من البشر.

وحافظت فنلندا على حيادها خلال الحرب الباردة وإلى اليوم، حيث حافظت على علاقة وثيقة مع الغرب، إضافة إلى علاقة غريبة مع موسكو.

كيف يمكن التعامل مع بوتين؟

وخلال حديثه عن كيفية التعامل مع بوتين، قال نينيستو إنّ إجابته الوحيدة هي تلك التي قالها للرئيس السابق دونالد ترامب، خلال زيارته إلى هلسنكي عام 2018. حيث قال: "كنت جالساً في نفس هذه الغرفة، وقلت لترامب إن بوتين مقاتل. وهو يقاتل بكل ضراوة، لكنه يُدرك أن رد الفعل سيكون قوياً للغاية. وسيحترمك بوتين إذا بادلته الاحترام".

لكن نينيستو أوضح أنه من الصعب تقدير الكيفية التي سيتطور بها الوضع الراهن: "يبدو أن المخاطر والأخطار تتراكم. لكن يجب على جميع الأطراف أن تُعطي فرصةً للدبلوماسية".

ويمكنك أن تستشعر التوترات بشدة داخل فنلندا، التي تتشارك حدوداً بطول 1.335 كيلومتراً مع روسيا. بالإضافة إلى تاريخٍ عصيب بين فنلندا وجارتها الشرقية، يشمل غزو القوات السوفييتية للبلاد خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية.

وفي الأيام الأخيرة، قالت فنلندا إنها حسّنت جاهزيتها العسكرية. بينما تضمنت مطالب موسكو من الناتو أن يتوقف الحلف الغربي عن التوسع شرقاً، ذلك التوسع الذي قد يتضمن عضوية فنلندا في الحلف. لكن فنلندا تتمتع رغم ذلك بعلاقةٍ وثيقة مع الناتو، وشاركت في الكثير من العمليات التي قادها الحلف في أماكن مثل البلقان، وأفغانستان، والعراق.

بينما يقول نينيستو إنّ موسكو كانت تعلم أنّ الناتو لن يوافق مطلقاً على تقييد توسعه المحتمل. وأوضح: "من البديهي للغاية أن يكون القرار بيدنا فقط، ومن البديهي أن الناتو لن يغلق أبوابه في وجهنا"، على الأقل حين يتعلق الأمر بانضمام فنلندا للحلف.

وفي ردودٍ مكتوبة منفصلة وصلت إلى روسيا الأسبوع الماضي، قالت الولايات المتحدة وحلف الناتو إنّهما لن يساوما على سياسة الباب المفتوح الخاصة بالحلف، رافضين بذلك المطلب الروسي بحظر انضمام أوكرانيا.

في حين أوضح نينيستو أنّ فنلندا تلقت تأكيدات من الناتو على أنّ سياسة الباب المفتوح لا تزال قائمة، حيث قال: "لقد سمعنا هذا التأكيد، حتى أثناء النقاشات حول الصراع الراهن".

ومع ذلك، ليست هناك مؤشرات من فنلندا على أنها ستسعى للحصول على عضوية الناتو مطلقاً. رغم أن الأزمة الراهنة أحيت النقاش حول القضية داخل فنلندا. إذ يدعم 28% من الفنلنديين الآن قرار العضوية، وفقاً لاستطلاعٍ أجرته مؤسسة غالوب بالتعاون مع صحيفة Helsingin Sanomat الفنلندية.

وهذا الرقم أعلى بـ8% من الرقم المسجل في استطلاعٍ أُجري قبل عامين. لكن 42% من الفنلنديين لا يزالون معارضين للفكرة بحسب الاستطلاع الجديد.

وإذا أرادت فنلندا في يومٍ الحصول على عضوية الناتو، فسوف تحتاج لموافقة أغلبية البرلمان بحسب نينيستو. كما سيجري قياس رأي السكان من خلال استفتاءٍ غير مُلزم لإضفاء أكبر قدرٍ من الشرعية على العملية.

بينما أجرت رئيسة وزراء فنلندا سانا مارين مقابلةً مع وكالة Reuters البريطانية الشهر الماضي، يناير/كانون الثاني، وقالت خلالها إنّه من "المستبعد للغاية" أن تتقدم فنلندا بطلبٍ للحصول على عضوية الناتو خلال فترتها في المنصب.

حل مُحتمل للأزمة الأوكرانية

من ناحيةٍ أخرى، قال نينيستو إنه لا يستطيع الخوض في تفاصيل مكالماته المنفصلة مع بايدن وبوتين، لكنه أجرى "نقاشاً طويلاً ومطوّلاً بعض الشيء" مع الرئيس الروسي في الـ21 من يناير/كانون الثاني "وتطرقا خلاله إلى التوترات الراهنة فقط".

وخلال المكالمة، أثار بوتين مسألة اتفاقية مينسك التي سعت لإنهاء الصراع بين القوات الأوكرانية وبين الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا عام 2015.

وقال نينيستو إنّه اعتبر إشارة بوتين لاتفاقية مينسك بمثابة موضوعٍ هامشي أثناء المناقشة، لكن المسألة تم إبرازها بشكلٍ كبير في نص المكالمة الرسمي الذي نشرته روسيا. وقراءة نينيستو للموقف تقول إنّ اتفاق مينسك قد يكون "محور المشكلات الآن"، كما أن التحرك لفك هذا الجمود السياسي "سيأخذنا إلى الأمام بطريقةٍ إيجابية".

رئيس فنلندا
الرئيس الأمريكي جو بايدن مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي/رويترز

عاد الحديث مجدداً خلال الأيام الماضية حول ضرورة تنفيذ أوكرانيا "اتفاقيات مينسك" عام 2014 مع روسيا، كخيار سياسي لإنهاء التوتر والدخول في التهدئة.

ووقع اتفاقية مينسك عام 2014 ممثلون عن حكومتي روسيا وأوكرانيا، وعن القوات الانفصالية في دونتسك ولوغانسك ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بهدف إنهاء الحرب بمنطقة دونباس شرق أوكرانيا. غير أن الاتفاقية لم تصمد أمام تبادل إطلاق النار والتوترات السياسية التي تهدد بمواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا.

وتتضمن تلك الاتفاقية خريطة طريق مفصلة لحل النزاع في أوكرانيا، عبر خطة تحتوي على 13 بنداً؛ تبدأ بوقف إطلاق النار وتسليم الانفصاليين الأسلحة الثقيلة من الخطوط الأمامية، وتبادل الأسرى، والتمهيد لانتخابات محلية مع العفو عن العسكريين والمقاتلين الانفصاليين.

وحينها تعهدت أوكرانيا بتنفيذ تغييرات دستورية تنص على "اللامركزية"؛ مقابل سحب جميع القوات الروسية لاستعادة النظام بالبلاد.

انقسامات أوروبية

وقد عانى الاتحاد الأوروبي خلال الأسابيع الأخيرة لتكوين موقفٍ متحد حول كيفية التحرك في مواجهة ردود الفعل الروسية، التي تهدد بالحرب حين يتعلق الحديث بالعقوبات وتسليمات الأسلحة المحتملة.

حيث برزت ألمانيا لتغرد خارج السرب في ظل إحجامها الأولي عن استغلال خط الغاز نورد ستريم 2 كوسيلة ضغط.

لكن نينيستو قال: "نحن نتواصل الآن، ويجري بناء الرأي الأوروبي طوال الوقت"، ومع ذلك ما يزال هناك "درسٌ مستفاد".

كما أوضح نينيستو أنّه لا يستطيع الحديث عن نوايا بوتين، لكنه أشار إلى أهمية "الحكمة" الفنلندية المبنية على تجارب التعامل مع موسكو. إذ قال: "تعلّم الفنلنديون الحكمة القائلة إنّ القوزاق، أو الجنود الروس، يضعون أيديهم على كل ما هو سائب. ولهذا يجب أن تكون واضحاً للغاية معهم حول خطوطك الحمراء".

تحميل المزيد