الملاحة العالمية في خطر بعد خطف السفينة الإماراتية.. فهل تستغل إيران الحوثيين كورقة في ملفها النووي؟

تم النشر: 2022/01/04 الساعة 15:43 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/01/04 الساعة 15:43 بتوقيت غرينتش
ميناء الحديدة اليمني /رويترز

جاء احتجاز الحوثيين لسفينة إماراتية قبالة سواحل اليمن، لينقل الصراع في البلاد إلى مرحلة جديدة، ويثير تساؤلات حول علاقة إيران بالأمر، وهل تستخدم طهران الحوثيين لتهديد الملاحة في البحر الأحمر للضغط على السعودية والإمارات بل والغرب أيضاً باعتبار أن هذه المنطقة شديدة الأهمية للتجارة العالمية برمتها وخاصة تجارة النفط.

وأعلنت جماعة الحوثي التي تسيطر على معظم شمال اليمن أمس الإثنين احتجازها سفينة إماراتية، مقابل محافظة الحُديدة بغرب اليمن على ساحل البحر الأحمر غربي البلاد.

وزعم المتحدث العسكري باسم الحوثيين، العميد يحيى سريع، سفينة الشحن إماراتية، كانت تحمل معدات وآليات وأجهزة عسكرية تستخدم في الاعتداء على اليمن، وتمارس أعمالاً عدائية منذ أسابيع"، حسب قوله.

تفاصيل عملية احتجاز الحوثيين لسفينة إماراتية

بينما نقلت وكالة الأنباء السعودية (واس) عن العميد تركي المالكي، قوله إن سفينة الشحن (روابي) كانت تقوم بمهمة من جزيرة (سقطرى) إلى ميناء (جازان)، وتحمل على متنها معدات خاصة بمستشفى ميداني سعودي.

واعتبر المالكي الحادث بمثابة "تهديد حقيقي" يمثله الحوثيون على حرية الملاحة البحرية والتجارة العالمية بمضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر.

احتجاز الحوثيين لسفينة إماراتية قبالة سواحل اليمن
صورة للسفينة التي استولى عليها الحوثيون من البحر الأحمر قبالة ساحل اليمن مأخوذة من مقطع فيديو وزعه المركز الإعلامي للحوثيين/رويترز

وطالب المتحدث الحوثيين بإخلاء سبيل السفينة "بصفة فورية"، مهدداً بأن قوات التحالف ستتخذ "كافة الإجراءات والتدابير اللازمة للتعامل مع هذا الانتهاك بما فيها استخدام القوة".

ولم يكن بوسع المالكي تحديد عدد من كانوا على متن السفينة حين تواصلت معه وكالة فرانس برس.

وذكرت فضائية "الإخبارية" السعودية الرسمية، الإثنين، أن الحوثيين يعملون على نقل أسلحة إلى السفينة، للادعاء بأنها تحمل شحنة عسكرية.

إيران تطعن الإمارات رغم صفقتهما السرية

اللافت أن هذا الهجوم استهدف سفينة تابعة للإمارات قبالة مدينة الحديدة التي تركتها أبوظبي تسقط كلقمة سائغة في يد الحوثيين في تصرف غريب أثار تكهنات بأن الإمارات سلمت الميناء الاستراتيجي ضمن صفقة سرية مع إيران.

وكانت حملة عسكرية لعبت فيها الإمارات دوراً رئيسياً، بدعمٍ مباشر من الغرب، قد استطاعت تحقيق نجاح مهم، مكّنها في عام 2018 من الوصول إلى شرق الحديدة، بهدف "قطع شريان الحياة عن صنعاء"، والتحكّم بأهم ميناء مدني يصل الإمدادات لمناطق سيطرة الحوثيين.

ولكن من دون سبب معروف، انسحب عدد من الألوية العسكرية الحليفة للحكومة الشرعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 من ميناء الحديدة.

وهذه القوات تطلق على نفسها "القوات المشتركة" يقودها طارق محمد عبد الله صالح، نجل شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح، المدعومة من الإمارات.

ويعتقد أن مصالح أبوظبي والحوثيين تتلاقى جزئياً في اليمن بسبب العداء المشترك لحزب الإصلاح القريب من جماعة الإخوان المسلمين الذي يدعم الحكومة الشرعية التي تحاول استعادة وحدة البلاد.

منطقة شديدة الأهمية للعالم كله

والحديدة هي الميناء الرئيسي لشمال اليمن ويقع على بعد 200 كم من مضيق باب المندب، الذي يتسم بأهمية عسكرية استراتيجية بالغة، يمكن لمن يسيطر عليه تحقيق السيطرة العملياتية العسكرية وإمكانية التحكم والمراقبة المباشرة لخطوط ومواصلات ممر الملاحة البحرية الدولية الرابط لعبور المياه البحرية لخليج عدن والبحر العربي شرقاً، والبحر الأحمر وحتى قناة السويس غرب، حسبما قال رئيس عمليات المنطقة العسكرية الثانية اليمنية سابقاً، العميد ركن ناجي عباس ناجي لصحيفة"الشرق الأوسط" السعودية.

وأكد أن أهمية باب المندب تبقى مرتبطة بحيوية وتطوير قناة السويس المصرية، وكذا مضيق هرمز، وبقاء الاثنين مفتوحين أمام الملاحة الدولية، خصوصاً ناقلات النفط.

احتجاز الحوثيين لسفينة إماراتية قبالة سواحل اليمن
خريطة تظهر قرب الحديدة من مضيق باب المندب الذي يمثل أهمية استراتيجية للملاحة في العالم كله/ويكيبيديا

والممر المائي في مضيق باب المندب، تمر فيه نحو 21 ألف سفينة عملاقة سنوياً، وبواقع 57 سفينة حاملة نفط يومياً، حسب ما ذكرته وزارة التجارة في صنعاء قبل سنوات.

وتقسم جزيرة ميون اليمنية الخاضعة حالياً لسيطرة الإمارات مضيق باب المندب إلى ممرين أو قناتين، وهو ما يسمح لشتى السفن وناقلات النفط بعبور الممر بيسر على محورين متعاكسين متباعدين، حسبما ورد في تقرير لجريدة "الشرق الأوسط" السعودية.

مرحلة جديدة من الصراع

وقال عمر حسن، كاتب صحفي للأناضول، إن "احتجاز الحوثيين لسفينة إماراتية يعني تحول الصراع باتجاه الموانئ والمياه الإقليمية والممرات الدولية وهذا أمر سيكون له عواقب وتبعات خطيرة".

وأوضح أن "هذه العواقب لن تكون على مستوى اليمن والدول المجاورة، ولكن ستشمل حركة الملاحة البحرية والتجارة الدولية، خاصة أنها قريبة جداً من مضيق باب المندب (جنوب البحر الأحمر) وهو من أهم المضايق العالمية، ويمر منه قرابة 5 ملايين برميل نفط يومياً إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا".

وفي مقال بعنوان "هل باتت الملاحة في البحر الأحمر تحت رحمة أنصار الله؟"، ووصف عبد الباري عطوان، في صحيف"رأي اليوم" اللندنية، احتجاز السفينة بأنه "تطور عسكري يُنبيء بأن العام الجديد 2022 سيكون حافلاً بالتصعيد العسكري على جميع الجبهات في الحرب اليمنيّة".

ويقول الكاتب: "امتلاك حركة أنصار الله الحوثية هذه الإمكانيات العسكرية التي تؤهلها للسيطرة على سفن في مياه البحر الأحمر، تطور خطير في الحرب اليمنية المستمرة منذ سبع سنوات، وهذا يعني أن وحداتها الخاصة المزودة بزوارق سريعة، وقدرات عالية على الرصد والمتابعة، يمكن أن تتحكم بالملاحة البحرية في البحر الأحمر، ومضائقه، خاصة باب المندب".

إيران قد تكون وراء العملية

أما عماد هادي، كاتب وسياسي يمني، فاعتبر أن "احتجاز هذه السفينة عمل فوق قدرة الحوثيين".

ورجح هادي، في حديث للأناضول، "أن تكون إيران هي التي قامت بهذا العمل، وطلبت من وكلائها الحوثيين تبني الحادثة".

وإيران تدعم الحوثيين في مواجهة القوات الموالية للحكومة الشرعية، والمسنودة بتحالف عربي تقوده السعودية منذ مارس/آذار 2015.

وحذر من "خطورة انتقال الصراع إلى مشاركة إيران وتحول مسرح الحرب إلى البحر والموانئ اليمنية".

وأردف: "سبق أن قصفت إيران منشآت سعودية وأعلن الحوثيون أنهم هم الذين قصفوها دون أن يكون لهم أي دور سوى الإعلان".

وأدانت كل من اليمن ومصر والأردن والبحرين ومنظمة التعاون الإسلامي (تضم 57 دولة ومقرها في جدة بالسعودية) احتجاز السفينة، ودعت الحوثيين إلى إطلاقها فوراً، بحسب بيانات منفصلة.

ماذا تريد من إيران من هذه العملية؟

بصرف النظر عن محاولة الإيرانيين اصطناع مسافة بينهم وبين الحوثيين، إلا أن عملية بهذا الحجم لا يمكن أن تنفذ دون موافقة طهران وإن لم يكن حتى بتوجيه منها.

يمثل الحوثيون بالنسبة لإيران أثمن أوراقهم في المواجهة مع دول الخليج والغرب، فبالنظر إلى طبيعة العلاقة المركبة والغامضة بينهم وبين الحوثيين، يستطيع الإيرانيون الادعاء بأن الحوثيين لا يتلقون منهم الأوامر، وبالتالي يستطيعون التبرؤ من ممارستهم أكثر من الحشد الشعبي وحزب الله، كما أن موقع اليمن الاستراتيجي يجعله ورقة شديدة الفاعلية في يد إيران لمساومة الغرب وليس السعودية والإمارات فقط.

فمن بين كل مناطق نفوذ إيران في الشرق الأوسط التي تشمل اليمن والعراق وسوريا لبنان، أو الإمبراطورية الفارسية الجديدة كما يحلو للإيرانيين التباهي أحياناً، فهناك مكانين فقط، يمكن أن يتسببا في أزمة في الملاحة العالمية هما مضيق هرمز ومعه الساحل الإيراني على الخليج العربي وخليج عمان والمكان الثاني هو اليمن.

وبينما أي هجوم في مضيق هرمز وخليج عمان والخليج العربي، تتحمل إيران مسؤوليته المباشرة أمام العالم، فإنه على العكس في اليمن تستطيع إيران إدعاء البراءة.

ومن هنا فإن هذا العمل قد يكون في الأغلب رسالة ليس فقط من الحوثيين بل من إيران.

هذه الرسالة استهدفت بالأساس الإمارات، لأن السفينة إماراتية وسعودية، لأنها تحمل معدات للسعودية، كما أن السعودية قائدة التحالف العربي في اليمن.

ولكن الرسالة الأكبر هي في الأغلب للغرب، فهي رسالة بإمكانية استهداف الحوثيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وقد يكون الأمر ليس بالاختطاف فقط، بل هجمات صاروخية أو هجمات طائرات مسيّرة مثلما فعلت إيران في خليج عمان، عندما هاجمت بطائرة مسيَّرة سفينة تابعة لشركة إسرائيلية مما أدى إلى مقتل بحار بريطاني وآخر روماني.

اللافت أن هذا التطور يحدث في ظل سعي الإمارات للتهدئة بل تدفئة العلاقات مع إيران والذي بدا واضحاً في زيارة مستشار الأمن القومي الإيراني طحنون بن زايد الشهر الماضي لطهران، ولقائه بالمسؤولين الإيرانيين.

وقد تكون عملية احتجاز الحوثيين بداية النهاية لاتفاق هدنة سري غير مكتوب بين حكومتي صنعاء وأبوظبي، جنب الإمارات أي هجمات صاروخية حوثية طوال السنوات السبع الماضية، حسب وصف الكاتب الصحفي عبد الباري عطوان.

 كما تأتي العملية بعد مفاوضات يفترض أنها ستفضي للتهدئة بين السعودية وإيران، ولكن العملية تزامنت مع هجوم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على السعودية، والذي يبدو هجوماً لا مبرر له لبنانياً في وقت تسعى فيه حكومة نجيب ميقاتي المدعومة من حزب الله لتهدئة التوترات مع السعودية والغرب، أملاً في انسياب المساعدات لإنقاذ اقتصاد البلاد المنهار.

ولكن كل ذلك يؤشر إلى قرار إيراني بالتصعيد ضد السعودية والإمارات، رغم نزوع البلدين مؤخراً للتهدئة.

وقد يفسر ذلك أن إيران لا تريد الضغط على البلدين فقط في الملفات العلاقة معهما، ولكنَّ جزءاً من الأمر رسالة للبلدين فيما يتعلق بالملف الكبير ملف إيران النووي، الذي يواجه صعوبات وتصاعد التهديدات الإسرائيلية والتلويحات الأمريكية بوأده عسكرياً إذا فشلت مفاوضات فيينا.

ولكن قدرة إيران على الرد على إسرائيل محدودة، وعلى أمريكا شبه معدومة، فإن العملية الأخيرة هي رسالة مزوجة رسالة للإماراتيين، والسعوديين بأن تعاون منهما في شن هجوم عسكري على إيران سوف يجابه برد في خاصرة السعودية الحساسة، مضيق باب المندب، ورسالة لأمريكا والغرب بأن أي عمل عسكري أو دعم لعمل عسكري إسرائيلي، قد يعني استخدام إيران للحوثيين لوقف الملاحة بالبحر الأحمر واستهداف حلفاء الغرب بالمنطقة، وصولاً إلى رسالة أكبر بأن أمن ممرات الملاحة في البحر الأحمر والخليج في يد إيران.

تحميل المزيد