لماذا تريد كوريا الجنوبية إبعاد أمريكا عن دفة القيادة في الحرب المحتملة مع جارتها “المزعجة”؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2021/12/21 الساعة 09:07 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/12/21 الساعة 09:08 بتوقيت غرينتش
الجيش الكوري الشمالي في عرض عسكري /رويترز

سباق التسلح في شبه الجزيرة الكورية يسير على قدم وساق، وتسعى سيول إلى إقناع واشنطن بالتخلي عن مقعد القيادة في حالة اندلاع الحرب مع بيونغ يانغ، فهل فقدت كوريا الجنوبية الثقة بحليفتها الأكبر؟

موقع Responsible Statecraft الأمريكي تناول تفاصيل القصة وخفايا سباق التسلح في بالجزيرة الكورية في تقرير يلقي الضوء على أبعاد الصراع بين سيول وحليفتها واشنطن من جهة وبيونغ يانغ من جهة أخرى وتداعيات ذلك الصراع على آسيا والعالم بأسره.

إذ شهدت أشهر الخريف شيئاً أشبه باستعراض عسكري من جانب الكوريتين بدا موجهاً للعالم بأسره. وبينما كانتا تستعرضان عضلاتهما –اختبار الصواريخ وعرض القدرات الجديدة- تكهَّن المعلِّقون بحدوث تسارع لسباق التسلُّح، وتساءلوا عما إذا كانت شبه الجزيرة في طريقها ربما نحو لحظة أزمة بعد عدة سنوات من الهدوء النسبي.

كيف أثر ترامب على التوازن بين سيول وبيونغ يانغ؟

منذ أن تبادل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التهكمات اللاذعة في 2017، كانت شبه الجزيرة في حالة هدوء نسبي. لكن في حين لا يمكن استبعاد احتمالية حدوث تصاعد مفاجئ في التوترات بشكل كامل، خصوصاً بالنظر إلى نزوع كوريا الشمالية إلى السلوك غير المتوقع عمداً، فإنَّ النشاط الذي شهدته شبه الجزيرة الكورية في الخريف لا يُنذِر بالضرورة بزيادة في عدم الاستقرار على المدى القريب.

ويبدو أن الجانبين يحضّران نفسيهما لتغيرات كبيرة في شبه الجزيرة الكورية مع اقتراب الانتخابات الوطنية لعام 2022 في كوريا الجنوبية، وتنافس سيول وواشنطن على القيادة العملياتية لقواتهما المشتركة، وتفكير بيونغ يانغ في حملة جديدة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية المُعرقَلة.

جرت معظم عمليات الاستعراض من كلا الجانبين في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين. إذ أجرت كوريا الشمالية اختبارات لصواريخ كروز في 11 و12 سبتمبر/أيلول، ثم اختباراً لصاروخ باليستي قصير المدى من على متن قطار بعد ذلك بثلاثة أيام، ثم ما زعمت كوريا الشمالية أنَّه اختبار لصاروخ فرط صوتي من طراز Hwasong-8 في وقتٍ لاحق من الشهر.

من جانبها، أصبحت كوريا الجنوبية أول دولة غير نووية تختبر صاروخاً باليستياً يُطلَق من غواصة. وفي أكتوبر/تشرين الأول، نُظِّمَت معارض متلاحقة في بيونغ يانغ وسيول تعرض بعض أحدث الأسلحة الموجودة لدى البلدين. فتحدثت وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية عن "الدفاع الذاتي 2021″، وهو احتفال بتكنولوجيا دفاعية جديدة استضافه "معرض الثورات الثلاث" لعدة أيام بدءاً من 11 أكتوبر/تشرين الأول.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره الكوري الشمالي كيم يونغ أون
الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ونظيره الكوري الشمالي كيم يونغ أون/ رويترز

وبعد ذلك بفترة قصيرة، نظَّمت كوريا الجنوبية بدءاً من 19 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول، "المعرض الدولي للفضاء والدفاع" لعام 2021 في مطار سيول، وهو قاعدة عسكرية تُشغِّلها قواتها الجوية. وآنذاك، اتخذت سيول خطوة رمزية للغاية، فأطلقت أول صاروخ فضاء محلي بالكامل، "مركبة الإطلاق الفضائية الكورية 2″، والمعروف أيضاً باسم "Nuri-ho" (نوري – هو).

ويمكن إلى حدٍّ ما النظر إلى عروض القوة المتوازية هذه باعتبارها جزءاً من التنافس على السيادة العسكرية على شبه الجزيرة. ففي ظل مواصلة بيونغ يانغ تطوير قدراتها وصواريخها النووية، وإظهار سيول قفزاتها التكنولوجية، يملك كلا الجانبين ما يدعو إلى الرغبة في مواكبة الآخر. لكنَّهما كانتا أيضاً مدفوعتين بأجنداتٍ أوسع.

فبالنسبة لسيول، توجد جماهير متعددة مُستهدَفة بعروض براعتها التكنولوجية. فعلى الصعيد الاقتصادي، تُولِّد الشركات الكورية الجنوبية عائدات كبيرة من مبيعات السلاح للمشترين الأجانب في جنوب شرقي آسيا وكذلك في أوروبا فضلاً عن أستراليا، التي وقَّعت معها اتفاقاً بقيمة 700 مليون دولار في 13 ديسمبر/كانون الأول.

ولطالما تطلَّع الزبائن الإقليميون إلى كوريا الجنوبية للحصول على المركبات المدرعة وطائرات التدريب ذات الأسعار التنافسية. وفيما يتعلَّق بالتداعيات الاستراتيجية للتباهي بالأسلحة الجديدة، تمثل هذه طريقة كي تُظهِر للمراقبين المحليين والدوليين أنَّ المؤسستين الدفاعية والسياسية لكوريا الجنوبية تعملان على تطوير قدرات عسكرية ستجعل البلاد أقل اعتماداً على الولايات المتحدة.

تراجع ثقة كوريا الجنوبية بالالتزام الأمريكي

وهذا جزئياً نتيجة التراجع في العلاقات مع واشنطن خلال إدارة ترامب، التي دفعت كوريا الجنوبية لدفع مبالغ أكبر بكثير للقوات الأمريكية المتمركزة هناك. ومنذ تولى الرئيس بايدن المنصب في يناير/كانون الثاني الماضي، بات التحالف الأمريكي-الكوري الجنوبي أكثر استقراراً بكثير، مثلما اتضح في مارس/آذار بعد الإبرام السلس لاتفاق جديد بشأن كيفية تقسيم فاتورة تكاليف الحامية الأمريكية الموجودة في كوريا الجنوبية.

مع ذلك، يعرف صانعو السياسات الكوريون الجنوبيون أنَّ السياسة الاستقطابية في الولايات المتحدة تجعل الأخيرة أقل موثوقية تماماً. وعند تخطيطهم للمستقبل، عليهم أن يحسبوا حساباً لاحتمالية أن يعيد الناخبون الأمريكيون انتخاب رئيس يتخذ نهجاً مصلحياً مشابهاً لترامب في هذا التحالف.

وتظل لدى الحزب الديمقراطي الذي يميل إلى اليسار في كوريا الجنوبية، بقيادة الرئيس مون جاي-إن، أسباب أخرى للرغبة في أن يُظهِر للولايات المتحدة براعة البلاد العسكرية المتنامية. فبموجب الاتفاقيات الحالية بين الجيشين الكوري الجنوبي والأمريكي، تتولى الولايات المتحدة قيادة كلٍّ من القوات الأمريكية والكورية الجنوبية في حال نشوب حرب مع كوريا الشمالية.

الرئيس الأمريكي جو بايدن/رويترز

وتسعى سيول منذ زمن طويل، ولو بصورة متقطعة، للحصول على موافقة واشنطن لنقل القيادة العملياتية وقت الحرب إلى كوريا الجنوبية، مُعتَبِرَةً تلك السلطة مسألة سيادة وطنية. وقد جعل مون وحزبه هذه مسألة ذات أولوية خاصة. وإذا ما نجحت مساعيهما، فستؤول قيادة الجيش الكوري الجنوبي إلى يد سيول، حتى لو بدأ القتال، لأول مرة منذ يوليو/تموز 1950.

اتخذت إدارة بايدن خطوة نحو السماح باستقلالية أكبر لسيول فيما يخص دفاعاتها في مايو/أيار الماضي، حين أنهى الجانبان سراً القيود التي فُرِضَت لأول مرة على مدى الصواريخ الكورية الجنوبية عام 1979 ضمن صفقة منحت كوريا الجنوبية إمكانية الحصول على تكنولوجيا الصواريخ الأمريكية لكنَّها لم تعد ذات جدوى في مواجهة التطوير السريع للصواريخ من جانب كوريا الشمالية.

نظر الرئيس مون إلى هذه الخطوة باعتبارها علامة زخم، ويعتقد (وهو الذي لا يمكنه السعي للحصول على ولاية ثانية في المنصب) أنَّ خليفته -الذي سيُنتَخَب حين يذهب الكوريون الجنوبيون إلى مراكز الاقتراع في مارس/آذار 2022- سيكون في موضع يُخوِّله التوصل إلى اتفاق لنقل القيادة العملياتية.

وفي 2 ديسمبر/كانون الأول، حين زار وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن كوريا الجنوبية لحضور "اللقاء التشاوري الأمني السنوي بين الولايات المتحدة وجمهورية كوريا"، طرحت إدارة مون فكرة تسريع تقييم يُجرَى لقياس جاهزية كوريا الجنوبية لعملية النقل هذه. وبالتالي، كانت سيول، من خلال عرضها قدرات تكنولوجية جديدة في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، تُظهِر لواشنطن أنَّ كوريا الجنوبية لا تملك الإرادة السياسية وحسب، بل أيضاً القدرة التكنولوجية للدفاع عن نفسها، وهو مُتطلَّب أساسي مسبق لنقل هذه السلطة.

ماذا يريد زعيم كوريا الشمالية؟

في غضون ذلك، وإلى الشمال من المنطقة منزوعة السلاح، يبدو أنَّ بيونغ يانغ تعيد استخدام استراتيجية مألوفة تثير بها التوترات تدريجياً مع سيول وواشنطن للحصول على ورقة ضغط دبلوماسية. وقد يكون الهدف من عودة كوريا الشمالية إلى الاستعراض العسكري هو البدء في عملية إعادة ترسيخ لمكانة الوضع الكوري باعتباره مسألة دولية مركزية.

وقد توصلت إلى هذا الوضع خلال فترة انخراط كوريا الشمالية دبلوماسياً مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بدءاً من يناير/كانون الثاني 2018. وقد فترت مظاهر العلاقات الشخصية الدافئة بين ترامب وكيم بعض الشيء بعد انهيار قمتهما في هانوي في فبراير/شباط 2019، دون حدوث اختراق بشأن هدفي بيونغ يانغ المزدوجين المتمثلين في رفع عقوبات الأمم المتحدة وتقليص ما ترى أنَّه التهديد الأمريكي على شبه الجزيرة الكورية، لكن في غضون ذلك، أقدمت واشنطن وبيونغ يانغ على تنحية أو تجنُّب أو تقليص الأنشطة التي كان الآخر يجدها مستفزة بدرجة كبيرة، وضمن ذلك مناورات معينة من جانب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واختبارات نووية وصاروخية تتجاوز مدى معيناً من جانب كوريا الشمالية.

رئيسا الصين كوريا الشمالية في بيونغ يانغ 2019/ رويترز

ويبدو أنَّ الرئيس بايدن يأمل أن تبقى الأمور على هذا النحو. فمنذ توليه السلطة، أشارت إدارة بايدن إلى أنَّ كوريا الشمالية ليست أولوية عليا في السياسة الخارجية الأمريكية. وعلى هذه الخلفية، لربما كان من الأفضل النظر إلى موجة اختبارات الصواريخ التي أجرتها بيونغ يانغ في الخريف باعتبارها خطوة محسوبة لإعادة وضع نفسها على الخريطة الدبلوماسية دون إثارة رد فعل دولي جاد، من خلال البقاء دون مستوى الاستفزاز الذي من شأنه أن يثير رد فعلٍ كهذا. يمكن أيضاً النظر إلى عمليات إطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية في 15 سبتمبر/أيلول الماضي، على أنَّها صورة من الاحتجاج على زيارة وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى سيول في الوقت نفسه تقريباً.

ماذا يعني ذلك للأوضاع إذاً؟

ومن المرجح أن يعتمد رفع بيونغ يانغ حرارة الأوضاع أكثر من عدمه على التطورات في كلتا الكوريتين. فبالنظر إلى كوريا الجنوبية، اختار الحزب الديمقراطي، في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مرشحه لخلافة الرئيس مون. والمرشح، لي جاي ميونغ، هو عمدة إحدى المدن التابعة لسيول. وكان قد أعلن في أغسطس/آب الماضي، أنَّه في حالة انتخابه سيسعى للحصول على إعفاءات من العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية في الأمم المتحدة من أجل السماح بإعادة افتتاح مجمع كايسونغ الصناعي، وهي منطقة صناعية مشتركة بين الشمال والجنوب تقع إلى الشمال مباشرةً من الحدود المغلقة منذ فبراير/شباط 2016.

وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني، اختار "حزب سلطة الشعب" المحافظ أيضاً مرشحه الرئاسي: يون سوك يول. وعكس لي، يميل يون إلى احتواء كوريا الشمالية وتجديد تأكيد نزع سلاحها النووي، الأمر الذي من المرجح أن يؤدي إلى تزايد التوترات بين الكوريتين.

وفي حال انتخابه، من شبه المؤكد أن يُظهِر يون تأييداً للانخراط السياسي مع كوريا الشمالية، بما يعزز فكرة سياسة الانخراط المبدئي التي يؤكد الخطاب المحافظ أنَّها يمكن أن تدفع بيونغ يانغ نحو الإصلاح والانفتاح الاقتصادي. لكن من المستبعد أن يحاول تفكيك الحواجز القائمة أمام التعاون الاقتصادي. ولهذا السبب، قد تكون كوريا الشمالية أكثر ميلاً لمنح لي فرصة قبل تصعيد التوترات بصورة كبيرة، وأقل ميلاً لفعل الشيء نفسه مع يون.

تسعى كوريا الشمالية لتطوير مزيد من الغواصات/ رويترز

علاوة على ذلك، تواجه كوريا الشمالية أيضاً قيوداً تحد من خياراتها الفورية. إذ منع نظام إغلاق الحدود الصارم، الذي يهدف إلى وقف انتشار كوفيد 19، دخول كل الناس ومعظم البضائع منذ نهاية يناير/كانون الثاني 2020، مما دفع كوريا الشمالية إلى أزمة اقتصادية ستؤثر إلى حدٍّ ما على قدرتها على بدء دورة استفزازية.

وفي حين تجعل التحديات التي تعترض إمكانية الوصول إلى معلومات موثوقة، وهو الأمر الذي يفاقمه تضاؤل الوجود الأجنبي في بيونغ يانغ، عملية تقدير المدى الزمني لاستمرار الانكماش أمراً أصعب من أي وقتٍ مضى، فمن الواضح أنَّ التوقعات في المدى القريب ليست جيدة. وبالمثل، من المستبعد حدوث أي تصعيد جدي خلال الأشهر القليلة المقبلة، لأنَّ الصين ترغب في أن تمضي الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2022 بسلاسة.

وعلى هذه الخلفية، لا يوجد تقريباً ما يدعو للاعتقاد بأنَّ المسار الحالي يشير إلى العودة إلى فترة "النار والغضب" التي شهدها عام 2017، حين منحت الحرب الكلامية بين ترامب وكيم الانطباع بأنَّ الصراع على شبه الجزيرة يمكن أن يكون وشيكاً. لكن تبقى هناك مخاطر تتهدد النظام الإقليمي الذي دعَّم استقرار شبه الجزيرة الكورية. فكوريا الجنوبية لا تشعر بأنَّ لديها وضوحاً تاماً بشأن التزامات التحالف الأمريكي. وتخشى كوريا الشمالية اعتمادها الاقتصادي والسياسي المتزايد باستمرار على الصين. والأسوأ من ذلك، تشعر كوريا الشمالية بأنَّها لم تحصد أي مكافأة مقابل تواصلها الدبلوماسي مع الأمريكيين في 2018 و2019.

ومع أنَّ خطواتها التالية دوماً غير قابلة للتنبؤ، وأنَّ الجائحة لم تسهم إلا في زيادة هذا الاتجاه، فمن المرجح أن تميل بيونغ يانغ لسلوك مسار مختلف إذا ما فشلت في جذب الانخراط الدولي الذي ترغبه حين تكون مستعدة للتحدث. وسيكون هذا الميل أكبر ما يكون إذا ما فاز اليمين بانتخابات الرئاسة الكورية الجنوبية، وانتهت الألعاب الأولمبية، وبمجرد أن تصبح الجائحة تحت قدر من السيطرة.

وفي حين لا توجد ضمانة بأنَّ الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ستستطيعان إحباط هذا الناتج مقدماً من خلال القيام بدفعة دبلوماسية في الوقت المناسب، يجب أن تكون إدارة بايدن والمتنافسون على رئاسة كوريا الجنوبية في طور الاستعداد لمحاولة عمل ذلك.

تحميل المزيد