غموض كبير يحيط بقضية الشخص الأذربيجاني الروسي الذي تقول إسرائيل إنه كان يخطط لمهاجمة أهداف إسرائيلية في قبرص، وسط حديث إسرائيلي عن أن هدف العملية هو انتقام إيران من تل أبيب.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، عندما كُشِف عن اعتقال أذربيجاني-روسي يحمل مسدساً في قبرص، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت لوصفه بأنه قاتل أرسلته إيران لقتل إسرائيليين في الجزيرة، فيما سارعت إيران إلى نفي هذا الاتهام.
تكتم قبرصي بشأن قضية القاتل الأذربيجاني الروسي
وتكتمت الشرطة القبرصية بشأن الحادث، ورفض المتحدث باسم الشرطة كريستوس أندريو التعليق على المزاعم الإسرائيلية، وقالت صحيفة فيليليفثيروس القبرصية الرسمية إن المشتبه به لم يتعاون مع الشرطة، حسبما ورد في تقرير لوكالة Reuters.
وفي البداية، قبل إعلان بينيت، زعمت تقارير في قبرص وإسرائيل أنَّ المؤامرة كانت ذات طبيعة "إجرامية"، وهي محاولة اغتيال مُخطَّطة من "المافيا الروسية" ضد الملياردير الإسرائيلي تيدي ساجوي، وهو مواطن إسرائيلي في قبرص صنع ثروته من صناعة القمار وجمع أموالاً هائلة من العقارات، بما في ذلك سوق كامدن في لندن.
هناك تقارير متضاربة حول من قد يكون هدفاً؛ تقول بعض التقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية والقبرصية إن ساغي كان أحد رجال الأعمال الإسرائيليين الذين وردت أسماؤهم على قائمة المستهدفين.
وتشير تقارير إعلامية إسرائيلية أخرى إلى أن المؤامرة قد تكون مرتبطة بنزاعات تجارية تشمل ساجوي، الذي تشمل مشاريعه المقامرة عبر الإنترنت والعقارات، حسبما ورد في تقرير لموقع "BBC" البريطاني.
ولكن إسرائيل أصرت على مسؤولية إيران، حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إنَّ ساجوي لم يكن الهدف على الإطلاق، وإنَّ إيران كانت وراء المؤامرة.
كما نفت مجموعة ساجوي أن يكون رجل الأعمال معروفاً بأنه ضحية محتملة.
وقالت الشركة في بيان: "هذا حادث إرهابي إيراني تم إحباطه. الهدف من الاغتيال ليس تيدي ساجوي ولكن الإسرائيليين في قبرص".
وبدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية المسعورة لعبة التخمين: من الهدف المحتمل؟ كان الافتراض العام هو أنَّ الهدف (الأهداف) إسرائيليون آخرون لديهم خلفية أمنية، لو كان المشتبه به أُرسِل فعلاً بتكليف من المخابرات الإيرانية.
لماذا قبرص؟
في العقد الماضي، أسس مئات الإسرائيليين، وكثيرٍ منهم من كبار الخريجين في مجتمع الاستخبارات والجيش الإسرائيلي، أعمالاً تجارية في قبرص. وسجلوا شركاتهم في الجزيرة لأسباب ضريبية، لكن أيضاً لتعزيز صفقات التصدير العسكرية والأمنية مع العالم العربي، وخاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. وتوافق وزارة الدفاع الإسرائيلية على معظم صفقاتهم، حتى أنَّ الموساد يشجع في بعض الأحيان مثل هذه الأعمال، حسبما ورد في تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني.
لكن في بعض الأحيان، يستخدم الإسرائيليون قبرص بمثابة قاعدةٍ لبيع خبراتهم ومعداتهم في محاولة لإخفاء الصفقات عن السلطات الإسرائيلية.
وقالت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، نقلاً عن شكوك الشرطة القبرصية، إن المشتبه ذهب إلى مدينة لارنكا القبرصية، حيث حاول العثور على رجال أعمال إسرائيليين في منطقة أنغومي التجارية، حيث يعمل معظم الإسرائيليين في الجزيرة.
وبعد أيام، ألقت الشرطة القبرصية القبض عليه من وحدة مكافحة الإرهاب مع مسدس وكاتم للصوت، قيل إنه حصل عليه أثناء وجوده في قبرص.
استخدام وكلاء شيعية غير إيرانيين يتماشى مع الطريقة الإيرانية
صرّح مسؤولون أمنيون إسرائيليون لموقع Middle East Eye بأنَّ الحادث الذي وقع في قبرص يتماشى مع أسلوب العمل الإيراني. وقالوا إنَّ وزارة المخابرات الإيرانية وفيلق القدس التابع للحرس الثوري يجمعان منذ عقدين معلومات عن أهداف إسرائيلية محتملة في الخارج، سواء كانت سفارات أو شركات أو أفراداً. وقال المسؤولون إنَّ البيانات المتراكمة مُخزّنة في ملفات إيران وعندما يحين الوقت تُستخدَم لتنفيذ عمليات ضد الأهداف.
ووفقاً للمصادر، نفذ عملاء إيرانيون، بهذه الطريقة، اغتيالات وكشفوا عن أهداف إسرائيلية في أذربيجان وتايلاند وقبرص والهند وجورجيا ودول أمريكا الجنوبية في السنوات الأخيرة، رغم فشل المحاولات الإيرانية في معظم الحالات.
ومن التكتيكات الإيرانية المهمة والنموذجية الأخرى، استخدام وكلاء ومرتزقة شيعة غير إيرانيين لإنشاء جدار بين إيران والعملية، جدار من المفترض ألا يترك بصمات إيرانية. ويقولون إنَّ الحادث الأخير في قبرص يتفق مع هذا النمط، إذ ذكرت وسائل إعلام محلية أن المشتبه به -قيل إنه أذربيجاني يبلغ من العمر 38 عامًا ويستخدم جواز سفر روسياً، ومن المعروف أن أغلبية سكان أذربيجان من الشيعة.
وتقول التقارير إنه وصل من روسيا منذ حوالي ثلاثة أسابيع وكان تحت مراقبة الشرطة. وقالت وسائل إعلام قبرصية إن سيارته كانت تحمل مسدساَ كاتماَ للصوت عندما ألقي القبض عليه، رغم أن الشرطة لم تؤكد تفاصيل القضية.
وقال مصدر إسرائيلي: "الإيرانيون حذرون ويحاولون إخفاء تورطهم. لكن استخباراتنا حتى الآن لها اليد العليا في فضح الإيرانيين وكشف خططهم"، حسبما ورد في الموقع البريطاني.
ما هي دوافع إيران لهذه العملية؟
ويقول الموقع إنَّ الدافع الإيراني متجذر في رغبة طهران في الانتقام لمقتل علماء إيرانيين على أيدي عملاء الموساد – وكان الضحية الأخيرة كبير العلماء النوويين الإيرانيين، الدكتور محسن فخري زاده.
وتريد إيران أيضاً مواصلة الرد على الهجمات الإلكترونية الإسرائيلية على حواسيبها النووية والبحرية، والانتقام من حملة التخريب التي تشنها إسرائيل على الناقلات الإيرانية التي تنقل النفط إلى سوريا.
وبحسب إذاعة "كان" الإسرائيلية العامة، فإن محاولة الهجوم الأخيرة جاءت رداً على اغتيال إسرائيل العام الماضي لمحسن فخري زاده ، رئيس برنامج طهران النووي.
ووفقاً لأخبار القناة 13، من الممكن أن يكون ذلك بمثابة رد فعل على عملية الموساد الأخيرة لجمع المعلومات حول مصير الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي أسر في لبنان عام 1986، وسمع عنه آخر مرة في عام 1988.

وكشف بينيت مؤخراً أن عملاء الموساد نفذوا عملية واسعة النطاق للحصول على معلومات حول مصير ومكان الضابط الإسرائيلي رون أراد، حيث اعتقلت أجهزة إسرائيلية جنرالاً إيرانياً في سوريا واستجوبته في جنوب إفريقيا للحصول على معلومات عن ضابط مفقود.
وقالت قناة كان، التي لم تذكر أي مصدر في تغطيتها، إنه من غير الواضح ما إذا تم اختيار الأهداف الإسرائيلية لمجرد أنها إسرائيلية، أو لأنه يعتقد أن لها صلة بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وأضافت "كان" أنه وفقاً للتقديرات الإسرائيلية، حاولت طهران أيضاً استهداف سيارة دبلوماسي إسرائيلي في العاصمة الأذربيجانية باكو وكذلك السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بالهند.
وتشهد الحرب السرية بين إسرائيل وإيران وجود جميع الأنظمة في حالة تأهب وعلى كل الجبهات: جواً وبراً في سوريا والعراق ولبنان، وفي الفضاء السيبراني وفي البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وفي الأسابيع الأخيرة، أعلن بينيت ووزير دفاعه بيني غانتس، وهما خصمان على المستويين الشخصي والسياسي، أسماء قادة إيرانيين وكشفا عن تفاصيل قدرات الطائرات بدون طيار الإيرانية في المنطقة.
انتقادات إسرائيلية داخلية
بيد أنَّ بعض المسؤولين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين مستاوون من خطابي بينيت وغانتس، حسب موقع Middle East Eye، متهمين بينيت وغانتس بتكرار لغة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو، الذي استخدم الهجمات على إيران لكسب النفوذ السياسي وتعبئة قاعدته.
ويفضل هؤلاء المسؤولون أن تقلل إسرائيل من لفت الأنظار وتُوقِف الثرثرة. وبحسب قولهم، لا يسفر موقف إسرائيل "العدائي" إلا إلى استفزاز إيران، ويقوي موقفها ويحثها على الانتقام.
وتعتقد الأصوات المعارضة في المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أنَّ على بينيت بدلاً من ذلك إعطاء الأولوية للحد من قدرات إيران النووية.
هذا الأسبوع، أجرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، بقيادة مستشار الأمن القومي لبينيت الدكتور إيال حولاتا، محادثات مكثفة مع نظرائهم الأمريكيين. وحاولوا خلالها إقناع الأمريكيين بأنَّ إيران تزيد من تعزيز برنامجها النووي، وأنَّ المزيد من العقوبات الاقتصادية المُعوِّقة هي العلاج الوحيد.
ويشعر المسؤولون الإسرائيليون أنَّ أية فرصة للعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي تخلت عنه إدارة ترامب في عام 2018، قد ولَّت الآن. وهم يضغطون على الولايات المتحدة لفرض عقوبات جديدة، وتنفيذ العقوبات القديمة ضد الشركات التي يملكها ويديرها الحرس الثوري، الذي يسيطر على إمبراطورية صناعية قوية في إيران. عندها فقط يمكن صياغة اتفاق نووي جديد، على حد قولهم.
لكن حتى الوقت الحالي، يبدو أنَّ الاقتراح الإسرائيلي لم يلقَ آذاناً مصغية.
اتهمت إسرائيل إيران بالتخطيط لقتل إسرائيليين في قبرص بعد أن ألقت الشرطة هناك القبض على رجل يشتبه في أنه تم توظيفه لتنفيذ الهجمات.
وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن "عملاَ إرهابياً دبرته إيران ضد رجال أعمال إسرائيليين" يعيشون في الجزيرة.
ونفى مكتبه تقارير إعلامية بأن المستهدف هو الملياردير الإسرائيلي تيدي ساجوي.
ونفت إيران -العدو اللدود لإسرائيل- مزاعم إسرائيل.
وقالت السفارة الإيرانية في العاصمة القبرصية نيقوسيا في بيان لوكالة رويترز للأنباء: "هذا النظام يوجه دائماً مثل هذه الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة ضد جمهورية إيران الإسلامية".