لا تزال التقارير المتضاربة هي السمة الأبرز فيما يخص وباء كورونا منذ ظهوره، وتتعلق هذه السمة الآن بمدى فاعلية اللقاحات، وبخاصة فايزر، في الوقاية من العدوى من سلالة دلتا الأكثر خطورة من الفيروس.
ومنذ أن ظهر فيروس كورونا المستجد في الصين في وقت ما من أواخر عام 2019، ومن ثم تحوله إلى جائحة عالمية، حسب تصنيف منظمة الصحة العالمية له يوم 11 مارس/آذار 2020، أصيب ما يقرب من 186 مليون شخص حول العالم بالعدوى، وفقد منهم أكثر من 4 ملايين شخص حياتهم، حتى الأربعاء 7 يوليو/تموز 2021، بحسب موقع وورلد ميترز كورونا.
ورغم توصل العلماء، في زمن قياسي بلغ أقل من عام واحد، لعدد من اللقاحات، وبدأت دول العالم في حملات تطعيم مواطنيها، منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو ما مثل بارقة أمل في أن الحرب البشرية ضد الوباء القاتل قد أوشكت على نهايتها، فإن ظهور سلالات وتحورات لفيروس كورونا بدأت تلقي أحياناً بالشكوك حول مدى فاعلية بعض تلك اللقاحات في الوقاية من العدوى بتلك السلالات.
لقاح فايزر الأفضل من حيث الفاعلية
ويعتبر لقاح فايزر/بايونتيك، الذي طورته شركة ألمانية وتنتجه شركة فايزر الأمريكية، من أفضل اللقاحات من حيث نسبة فاعليته في الوقاية من عدوى كورونا، وهي نسبة فاقت 95%، مقارنة بباقي اللقاحات، سواء الصينية كسينوفارم وساينوفاك أو الروسية كسبوتنيك أو البريطاني أسترازينيكا أو موديرنا وجونسون آند جونسون الأمريكيين.
أما فيما يتعلق بقصة التحورات أو سلالات كورونا، فقد بدأت تظهر في دول بعينها، ومن ثم تنتقل إلى دول ومناطق أخرى، لذلك باتت تعرف باسم مكان اكتشافها، فسمعنا عن السلالة البريطانية والجنوب إفريقية والبرازيلية والهندية وغيرها.
وكان لقاح أسترازينيكا من أوائل اللقاحات التي ظهرت بشأنها تقارير متضاربة، أرجعها بعض الخبراء إلى عوامل سياسية أكثر منها طبية، على أساس كون اللقاح بريطانياً، وأن أول من بدأ حملات التشكيك في فاعليته وتأثيره على الفئات العمرية الأكثر سناً كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

واللافت هنا أن ميركل بعد ذلك تلقت جرعتها الأولى من لقاح أسترازينيكا، في محاولة منها لتشجيع المواطنين الألمان المتشككين في اللقاح، خصوصاً بعد أن كانت جنوب إفريقيا قد أعلنت وقف تطعيم مواطنيها باللقاح البريطاني، على أساس أبحاث أجرتها محلياً، وأثبتت أنه غير فعال في مواجهة السلالة المنتشرة على أراضيها.
وعلى مدى الأشهر الماضية منذ بدء حملات التطعيم، كان لقاح فايزر الأقل تعرضاً لما يمكن وصفه بتقارير تحذر من أعراضه الجانبية، خصوصاً أنه الأغلى ثمناً بين جميع اللقاحات، والأكثر صعوبة من حيث متطلبات التخزين في درجات حرارة باردة للغاية تبلغ 70 درجة تحت الصفر، واقتصر اللقاح تقريباً على الدول الغنية القادرة على تحمل نفقاته.
أعراض جانبية وتراجع الفاعلية للقاح فايزر
لكن تلك المكانة الفريدة التي انفرد بها لقاح فايزر بدأت تتعرض للاهتزاز بصورة ما مؤخراً، وبالتحديد في مايو/أيار الماضي، عندما أصدرت السلطات الصحية في إسرائيل تقارير تربط بين ظهور "التهاب في عضلة القلب" وبين عدد من مواطنيها تلقوا جرعة من لقاح فايزر.
وقالت منسقة الاستجابة للوباء في إسرائيل وقتها، إن دراسة مبدئية أظهرت وجود "عشرات الحالات" من التهاب عضلة القلب، بعد حصول الشخص على لقاح فايزر، وبصفة خاصة بعد الجرعة الثانية، بحسب تقرير لرويترز.
وفي ذلك الوقت أصدرت فايزر بياناً نفت فيه وجود دليل علمي على الصلة بين حدوث التهابات في عضلة القلب وتلقي اللقاح، مؤكدة أن مثل تلك الحالات إن وُجدت فعددها ضئيل للغاية، ولا يوجد دليل قاطع على ارتباطها بتلقي اللقاح نفسه.
لكن في مايو/أيار الماضي، أصدرت مجموعة استشارية تابعة للمراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض المعدية دراسة أشارت إلى أن بعض من تلقوا جرعات لقاح فايزر، وبصفة خاصة من المراهقين والشباب، قد ظهرت لديهم أعراض التهاب عضلة القلب، وطالبت المجموعة الاستشارية بإجراء مزيد من الدراسات والأبحاث لحسم الصلة بين لقاح فايزر والتهاب عضلة القلب.
والآن، ومن إسرائيل أيضاً، جاءت تقارير تبدو مقلقة بالنسبة للحرب على الوباء، لأنها تشير إلى أن فاعلية لقاح فايزر انخفضت بشكل لافت خلال الأسابيع القليلة الماضية، تزامناً مع انتشار سلالة "دلتا" في إسرائيل. وسلالة دلتا هي الأخطر والأكثر فتكاً من الفيروس، وهي المسؤولة عن التوحش الذي يفتك بالهند منذ أسابيع، ويمثل تفشيها السريع تحدياً خطيراً أمام جميع الدول حالياً.

فقد سجلت إسرائيل، الإثنين 5 يوليو/تموز، تراجعاً في فاعلية لقاح فايزر/بيونتيك المضاد لكوفيد-19، في منع حالات الإصابة والمرض المصحوب بالأعراض، لكن اللقاح ما زال فعالاً بدرجة كبيرة في منع تفاقم المرض. وتزامن نقص الفاعلية مع انتشار سلالة دلتا من الفيروس، ورفع قيود التباعد الاجتماعي في إسرائيل، بحسب تقرير لرويترز.
وقالت وزارة الصحة الإسرائيلية إن فاعلية اللقاح في منع كل من الإصابة والمرض المصحوب بالأعراض انخفضت إلى 64%، منذ السادس من يونيو/حزيران، لكن اللقاح لا يزال فعالاً بنسبة 93% في منع دخول المرضى المستشفى أو تفاقم الإصابة بالفيروس.
ولم يورِد البيان الذي أصدرته الوزارة ما كان عليه المستوى السابق، كما لم يتضمن أي تفاصيل أخرى. ومع ذلك نشر المسؤولون في الوزارة تقريراً في مايو/أيار، تضمّن أن اللقاح وفّر وقايةً من الإصابة، ومن تلقي العلاج في المستشفى والأعراض الحادة بنسبة 95%.
ورفض متحدث باسم فايزر التعليق على المعلومات الإسرائيلية، لكنه أشار إلى أن أبحاثاً أخرى تثبت أن الأجسام المضادة التي تتكون من اللقاح ما زالت قادرة على تحييد جميع السلالات المكتشفة في الفحوص، ومن بينها "دلتا"، وإن كان بقوة أقل.
ماذا يعني ذلك للحرب على الوباء؟
من المهم هنا أن نذكر أن إسرائيل هي الدولة الأولى عالمياً في تطعيم مواطنيها، إذ تلقى نحو 60% من سكانها البالغ عددهم 9.3 مليون نسمة جرعة واحدة على الأقل من اللقاح. وتستخدم إسرائيل لقاح فايزر، وأدت تلك الحملة من التطعيم بالفعل إلى انخفاض عدد الإصابات من مستوى أكثر من 10 آلاف إصابة يومياً، في يناير/كانون الثاني الماضي، إلى مستوى أقل من 10 حالات يومياً خلال يونيو/حزيران.
وأدى ذلك إلى أن تقوم إسرائيل بإلغاء جميع قواعد التباعد الاجتماعي تقريباً، وكذلك إلزام ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، لكن الأيام القليلة الماضية شهدت خطوة إلى الوراء، حيث أعيد فرض ارتداء الكمامات بصورة جزئية مرة أخرى.
والسبب في تلك الخطوة إلى الوراء هو أن حالات الإصابة بالوباء التي يتم تسجيلها في إسرائيل بدأت تشهد ارتفاعات كبيرة، وصلت الأحد 4 يوليو/تموز، إلى 343 إصابة، كما ارتفع عدد الإصابات الخطيرة من 21 إلى 35. وتشير السجلات إلى أن حالات الإصابة الجديدة بالوباء ترجع إلى سلالة دلتا، التي انتشرت في إسرائيل.
ورفضت فايزر التعليق على البيانات الإسرائيلية، على أساس عدم وجود بيانات تفصيلية تؤيد تلك الاستنتاجات التي أعلنتها إسرائيل. وقال الدكتور أشيش جا عميد كلية الصحة العامة في جامعة براون الأمريكية لشبكة CNN، إنه من المهم جداً عدم التسرع في الإعلان عن أي نتائج قد تؤدي إلى التشكيك في فاعلية اللقاحات.

"أفضل البيانات المتاحة حالياً تظهر بوضوح أن جميع اللقاحات توفر درجة عالية من الحماية ضد العدوى، وحماية ممتازة جداً ضد الأعراض الحادة للمرض، فدعونا ننتظر مزيداً من البيانات (قبل القفز إلى أي نتائج). لكن حالياً الشخص الذي يتلقى اللقاح ليس عليه أن يقلق".
ويمكن القول إن أغلب المسؤولين عن الصحة حول العالم يتفقون مع الدكتور أشيش جا في أن التطعيم -بغض النظر عن نوع اللقاح أو جنسيته- هو السلاح الوحيد المتاح حالياً للوقاية من العدوى بالوباء، بغض النظر عن السلالة، سواء كانت "ألفا" أو "دلتا"، كما أن تجارب الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في توفير اللقاحات لمواطنيها تشير إلى نفس النتيجة، رغم عودة الإصابات المسجلة للارتفاع أحياناً، لكن تلك الارتفاعات لا تقارن بما كانت عليه الأرقام قبل التطعيم، وهو ما تؤكده الأرقام في إسرائيل نفسها.