تواصلت الاحتجاجات على مدار الأسبوعين الماضيين في الضفة الغربية ضد السلطة الفلسطينية. احتشد المئات من المتظاهرين الفلسطينيين في رام الله، مُجدِّدين الدعوات ضد رحيل السلطة وزعيمها محمود عباس. وفي مسيرة يوم السبت، 3 يوليو/تموز، لم يواجه المتظاهرون تلك الأشكال من التحرُّشات والعنف التي قابلتهم بها قوات الأمن الفلسطينية في الأسابيع الماضية، لكن في الأيام التالية اعتُقِلَ عددٌ كبير من النشطاء والمحامين والأكاديميين من قِبَلِ قوات الأمن الفلسطينية والإسرائيلية، اللتين لطالما عملا معاً بتنسيقٍ أمني وثيق، كما يقول تقرير لصحيفة Washington Post الأمريكية.
اشتعلت الاضطرابات على خلفية القتل الجليّ للناشط الفلسطيني البارز نزار بنات. ووفقاً لشهود، احتُجِزَ بنات واعتُدِيَ عليه بالضرب العنيف بواسطة قوات الأمن الفلسطينية في مداهمةٍ قبيل فجر يوم 24 يونيو/حزيران، وبعد ساعاتٍ قليلة علمت عائلته أنه تُوفِّيَ في مكان احتجازه، أشعلت ظروف وفاته الغضب الشعبي، ما دفع الآلاف إلى النزول إلى شوارع الضفة الغربية. قوبِلَ غضبهم بالقمع المفرط بشكلٍ كبير من جانب السلطة الفلسطينية، مع استهداف قوات الأمن الصحفيين والمتظاهرين، واعتقالهم تعسُّفياً.
السلطة الفلسطينية آخذة في الاستبداد
كان مقتل بنات بمثابة صبٍّ للبنزين على نار الغضب واسع النطاق إزاء السلطة الفلسطينية وعباس، الذي يعتلي السلطة منذ 16 عاماً. وأفاد تقريرٌ نشرته صحيفة Washington Post الأمريكية: "تعكس الاحتجاجات، إلى جانب الدعوات المتنامية لإضرابٍ عام، الإحباط المتزايد من الفساد المستشري وانعدام الكفاءة لدى القيادة الفلسطينية". وأضاف التقرير: "يأتي ذلك بعد الإلغاء المفاجئ للانتخابات الفلسطينية -الأولى منذ 15 عاماً- التي كان من المُقرَّر عقدها في ربيع وصيف العام الجاري، في وقتٍ تُظهِر فيه استطلاعات الرأي أن عباس ومؤيِّديه يفقدون التأييد".
نشأت السلطة الفلسطينية ككيان في العام 1994، في أعقاب اتفاقية أوسلو. كان من المُقرَّر أن تكون هذه السلطة فقط جهازاً انتقالياً تكنوقراطياً من شأنه أن يمهِّد الطريق لدولةٍ فلسطينية مستقبلية مستقلة، لكن عملية السلام مع إسرائيل انهارت، وتزامَنَ اندثار حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 مع صعودٍ مُطرد لسياسات اليمين الإسرائيلي، حيث يرفض العديد من المُشرّعين الإسرائيليين المُنتَخَبين علانيةً أن تسمح إسرائيل حتى بـ"حلِّ الدولتين"، بل يدفعون من أجل المزيد من ضمِّ الأراضي الفلسطينية لإسرائيل.
والآن يواجه عباس عدم اكتراث إسرائيل بالمشروع الذي يحدِّد منصبه بالأساس، بينما يترأس سلطةً آخذة في الاستبداد، وقد أشعل قرار عباس بإلغاء الانتخابات، المؤجَّلة في الأصل، سخط نشطاءٍ مثل بنات، وأبرز فقدان الشرعية السياسية للحاكم الذي يستمر في منصبه منذ زمنٍ طويل، تلك الشرعية التي يقول عنها النقَّاد إنها تقوم بدور المتواطئ مع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
كتب نضال بيطار وحازم يونس في صحيفة Washington Post، أن السلطة الفلسطينية "تحوَّلَت إلى شركةٍ خاصة غارقة في الفساد المالي والإداري". وأضافا: "لقد تكيَّفَت مع الاحتلال، إذ تعمل مع السلطات الأمنية الإسرائيلية بصورةٍ وثيقة، وتلعب دوراً وظيفياً من أجلها".
السلطة الفلسطينية تتحصن بالتنسيق الأمني مع إسرائيل
أدان مسؤولو الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة مقتل بنات، وحثوا السلطة الفلسطينية على إجراء تحقيقٍ شفَّاف، لكن مُحلِّلين يشكون في أن الأطراف الدولية سوف تسعى إلى أيِّ تحوُّلٍ كبير في سياسات عباس، كتب عمر عبدالرحمن، من مركز الدوحة التابع لمعهد بروكينغز: "حتى مع انهيار اتفاقية أوسلو، وأنها لم تعد تخدم غرض تسهيل عقد اتفاقية سلام، فإن التنسيق الأمني للسلطة الفلسطينية مع الجيش الإسرائيلي يستمر كشرطٍ للدعم المتواصل المُوجَّه إلى الضفة الغربية". وأضاف: "خلق هذا نوعاً من الحصانة للسلطة الفلسطينية في التعامل مع مواطنيها".
جلبت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات مقارناتٍ مع الانتفاضات ضد الأنظمة العربية. قال جهاد حرب، المحلِّل السياسي في رام الله: "إن الظروف الاقتصادية السيئة، وتفشي البطالة، وغياب الأفق أمام الشباب، كلها مُكوِّناتٌ لانفجارٍ مُحتَمَل". وأضاف: "هذه اللحظة شبيهةٌ للغاية بنقطة الغليان التي انفجر عندها الربيع العربي في 2011".
هذه الظروف السياسية تتفاقم مع واقع الاحتلال الإسرائيلي، الذي يضع الفلسطينيين تحت نير قوات الأمن الإسرائيلية، بينما يحرمهم من الحقوق المدنية والسياسية نفسها التي يتمتَّع بها جيرانهم. في مناطق الضفة الغربية والقدس الشرقية، يجد النشطاء الفلسطينيون أنفسهم باستمرارٍ في مواجهة دولةٍ إسرائيلية وحركة استيطانٍ يهودية عازمةٍ على مصادرة أراضيهم ومنازلهم.
الفلسطينيون نفد صبرهم تجاه السلطة الهرمة
تقول الصحيفة الأمريكية إن المحتجين الفلسطينيين يواجهون ليس فقط معركتهم من أجل النجاة، بل يحملون معهم أيضاً نفاد صبرهم إزاء سلطةٍ هرِمة تزعم تمثيلها للقضية الفلسطينية. يبحث جيلٌ أصغر من الفلسطينيين عن إجاباتٍ جديدة، كان ضجرهم واضحاً في شهر مايو/أيار، حين انخرط الفلسطينيون في إضرابٍ عام نادراً ما يُنظَّم في كلٍّ من الأراضي المحتلة والمدن داخل حدود 1967.
قال سالم براهمة، وهو عضوٌ بجماعة "جيل التجديد الديمقراطي"، وهي جماعة شبابية نشطة: "كان الفلسطينيون، بالأخص الشباب منهم، يتوقون بالفعل إلى التمثيل والديمقراطية. نريد أن نبني نظاماً يكون فيه لكلِّ فلسطيني صوتٌ وقدرةٌ على تشكيل المستقبل".
رداً على الاحتجاجات، قد يحاول عباس وحلفاؤه إجراء بعض الإصلاحات السياسية العابرة، بما في ذلك تغيير وزاري وتعيين رئيس وزراء فلسطيني جديد، لكن مُحلِّلين يشيرون إلى الحاجة إلى انتخاباتٍ جديدة بعد فجوةٍ زمنية تتجاوز الخمسة عشر عاماً، من أجل تشكيل استيعابٍ سياسي فلسطيني جديد.
تقول مريم البرغوثي، الكاتبة والناشطة الفلسطينية في رام الله، لصحيفة Washington Post: "مثل إسرائيل، تخاف السلطة الفلسطينية من الوحدة. مثل إسرائيل، تخاف السلطة من حقيقة أن معظم الفلسطينيين الذين يحتجون في الشوارع ليسوا منضوين تحت لواء فصيلٍ سياسي".
وأضافت البرغوثي: "تدَّعي السلطة أن خوفها يكمن في "حماس"، مردِّدةً خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والخطاب الإسرائيلي الاستعماري. يبدو وكأن الفلسطينيين أصبحوا بيادق على لوحة شطرنج".