ماذا قد يحدث لنووي كوريا الشمالية إذا كان الزعيم قد تُوفي فعلاً؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2020/04/26 الساعة 10:13 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/04/26 الساعة 10:15 بتوقيت غرينتش
زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون - رويترز

يكاد يكون من المستحيل أن يعرف العالم ماذا يدور داخل كوريا الشمالية؛ ومن ثم لا توجد وسيلة للتأكد من شائعات وفاة زعيمها كيم جونغ أون، فلماذا تُعتبر هذه أخبار مهمة للعالم؟ وماذا لو لم يحدث انتقال سلس للسلطة من بعد الزعيم المثير للجدل؟

مجلة تايم الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: "ماذا سيحدث في كوريا الشمالية بعد الشائعات التي طالت كيم جونغ أون؟"، تناول جوانب انتقال السلطة هناك، في حال كانت صحة كيم في خطر من الأساس.

في وقت سابق من الأسبوع الجاري، أورد أحد المواقع الإخبارية بكوريا الجنوبية خبراً، مفاده أن الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، قد خضع لجراحةٍ في القلب، ونقلت شبكة CNN الأمريكية ووكالة Reuters للأنباء تلك الرواية، مما أجج التكهّنات بهذا الشأن. وبينما يحوز فيروس كورونا المستجد انتباهنا بالكامل، ظل العالم يتساءل عن شيئين: ما حقيقة حالة كيم الصحّية؟ وإلى أيّ مدى توجد ثمة أهمية فعلية لهذا الشأن؟ 

لماذا يعدّ هذا الشأن مهماً؟ 

دعونا نبدأ بحقيقة أنه لا سبيل لمعرفة الوضع الراهن الحقيقي لصحة كيم؛ وخلال الأيام القليلة الماضية، نشرت كوريا الجنوبية تقارير تهوّن من شأن المسألة، وقالت إنها لم ترصد "تطوُّرات غير اعتيادية" في البلاد، ولكن من اللافت للنظر أن بيونغ يانغ، التي سرعان ما تُكذِّب التقارير الإخبارية التي تعارض سرديتها الرسمية أدنى مستويات المعارضة، ظلَّت صامتة.

في عالم ما قبل فيروس كورونا المستجد، كان كيم جونغ أون قائداً عالمياً ذا أهمية نسبية على الساحة، بمعنى أنه كان يسيطر على قوة نووية طاغية، حسناً، تقريباً طاغية؛ فبينما تودُّ كوريا الشمالية تقديم نفسها كقوّة مكتفية بذاتها للدرجة التي تؤهِّلها لمواجهة القوى الغربية رأساً برأس، فإن الحقيقة هي أن تلك المملكة المنغلقة على ذاتها تعتمد اعتماداً وثيقاً على الصين، ففي زمنٍ قريب، خلال العام 2017، كانت الصين مسؤولة عن 90% من تجارة كوريا الشمالية.

وتعكف الصين على ممارسة نوع من الرقابة على كوريا الشمالية منذ عقودٍ وحتى الوقت الراهن، بوازع التضامن السياسي والأيديولوجي، وخشية أن يتسبب انهيار النظام في تدفّق آلاف اللاجئين عبر الحدود الصينية، ومع وصول دونالد ترامب إلى الساحة السياسية، صار نفوذ الصين في كوريا الشمالية أداة إضافية بيد بكين تستخدمها في منافستها الآخذة في الاحتدام مع الولايات المتحدة، والنتيجة النهائية جسَّدتها المحادثات الأمريكية-الكورية الشمالية، تلك التي كانت ذات مظهرٍ براق وجوهرٍ خاوٍ، وقد ظلّوا عند تلك النقطة منذ ذلك الحين. 

كيم جونغ أون/رويترز

وعلى تلك الجبهة، يكون لعجز كيم أو حتى موته أثرٌ كبيرٌ، إذ سيفقد ترامب بغتةً شريكه الأساسي على طاولة المحادثات، ولكن كيم لم يكن جاداً قطّ بشأن نزع السلاح النووي، مثلما هو الحال تماماً على صعيد عدم جدّية إدارة ترامب في ضغطها لفرض تلك التدابير الشاملة، وكان ذلك كلّه قبل أن يعصف فيروس كورونا بالعالم، وتصير الانتخابات الرئاسية على قدمٍ وساق، تلك التي يتعيّن على ترامب الفوز فيها لكي تعود تلك المحادثات مجدداً.

ماذا سيحدث بعدئذٍ؟

إن السؤال الحقيقي هو: ما دلالة ما يعنيه مرض كيم جونغ لأهل كوريا الشمالية؟ فرغم كل شيء، لم يعش أغلب الكوريين الشماليين تحت حكمٍ غير حكم كيم، أو أبيه، أو جدّه، ولدى نظام كيم خياراتٌ مثل إعادة نشر لقطات قديمة لكيم أمام أعين الشعب الكوري الشمالي، وهو الأمر الذي يُكسب النظام وقتاً، ولكنّه أمر يخاطر في اعتقاد المراقبين الخارجيين بأن التغيير على قدمٍ وساق. ومع ذلك، من غير المرجّح أن تتسبب أخبار عِلّة كيم في تغيير سياسي ضخم بكوريا الشمالية. أتتساءل عن السبب؟ إنه مُنحنى (J).

قبل سنواتٍ، ألّفت كتاباً عن الطريقة التي يتعيّن على الدول الموازنة بها بين انفتاح المجتمع واستقرار النظام السياسي. 

البلدان المُمثَّلة على الجانب الأيسر أو الجزء الأقصر من هيئة الحرف (J)، تنعم باستقرار كبير، لأنها منغلقة على ذاتها بعيداً عن بقيّة العالم وتقمع شعبها، أمّا البلدان الواقعة على الجانب الأيمن من المنحنى تميل للاستقرار أكثر، لأن النظم المفتوحة فيها تتيح انتقالاً أسهل للسلطة من شخصٍ إلى الذي يليه دون تهديد النظام بأكمله.

حين ألَّفَت ذاك الكتاب، كانت كوريا الشمالية متمركزة بصرامة على الجانب الأيسر من الرسم البياني أعلاه، وقد ظلّت هناك. واليوم، يعتمد الاستقرار السياسي لكوريا الشمالية اعتماداً كبيراً على بقائها في معزل عن العالم، وإحكام السيطرة على سكّانها.

العزلة والقمع يجعلان الأمور أسهل بالنسبة للنخبة الحاكمة، تلك التي ربط كثير منه أفرادها مقاليد مصائرهم بالزعيم كيم، والنظام الذي أرساه، وحتى في غياب كيم، سيظلّ هذا النظام قائماً، لأن مَن في السلطة عازمون تمام العزم على الاحتفاظ بمواقعهم المتميّزة في النظام.

إذا عجز كيم عجزاً دائماً عن البقاء في موقعه، وهو أمر لا يزال مُبهماً للغاية، تكون أخته هي المرشّحة الأولى لتحلّ محلّه كرئيسة للبلاد، وذلك لأن أطفاله أصغر من تولّي مقاليد الحكم، والأخ الأكبر غير الشقيق (الذي حاول كيم قتله في ماليزيا) يبدو مهتمّاً بعزف الغيتار أكثر من إدارة نظام قاتل، وبقاء مقاليد السلطة في قبضة العائلة أمرٌ حاسم، وكذلك الأساطير السياسية تدور حول عائلة كيم بشكلٍ خاص، ومن الممكن أيضاً أن تظل الأخت في المنصب إلى أن يبلغ أحد أطفال كيم السن التي تؤهّله لتولّي قيادة البلاد.

كيم مع شقيقته/رويترز
كيم مع شقيقته/رويترز

ولكن كما علّمنا العالم مؤخّراً، ثمّة نفع كامن في توقّع ما لا يخطر على الأذهان، فماذا سيحدث إذا لم تُنقل السلطة بسلاسة إلى أخت كيم أو إلى عضوٍ آخر موثوق به من بين تلك العُصبة السريّة الحاكمة للبلاد؟ في هذه الحالة، يعني الاضطراب في كوريا الشمالية أن يتبنّى المجتمع الدولي ثلاث أولويات متفردة: أوّلها أن يتم تتبع أنشطة الأسلحة النووية غير المنضبطة وتحديد مواقعها وإيقاف عملها والاستيلاء عليها، بينما يتداعى النظام الكوري الشمالي؛ وثاني الأولويات تتمثل في إدارة موجات اللاجئين التي لا مناص من توافدها على كوريا الجنوبية والصين على حدٍّ سواء؛ أمّا الأولوية الثالثة، وهي في آخر القائمة، فتتمثل في بناء تصوّر تقوم عليه الدولة من جديد.

لقد شهد التعاون الدولي أيّاماً أفضل من تلك التي يعيشها حالياً، لذا فمن المتوقع أن تلعب الصين -بصفتها الدولة ذات الاستثمار الأكبر في كوريا الشمالية، فضلاً عن قربها الجغرافي- دوراً رائداً لا محالة.

ثمة سوء فهم كبير

وهو أن فيروس كورونا ليس إلا خبراً تعيساً بالنسبة لبلدٍ مسلوب الخِصب مثل كوريا الشمالية، وبلدٍ يقع على حدود الصين، وهذا يقول إن تلك المِحنَة قد تُعد مِنحة بالنسبة لقيادة بالبلاد، إذ تمدّهم تلك الأزمة بغطاء إضافي يتستّر على أي انتقال سياسي بعيداً عن محطّ أنظار العالم، في الوقت الذي تُركّز فيه الدول تعاملها مع جائحة كورونا على أراضيها.

لكن الشيء الوحيد الأسوأ من بقاء كيم بصحة جيدة على عرش كوريا الشمالية هو بقاء كيم الذي يعتريه المرض وجنون العظمة على عرش كوريا الشمالية.

تحميل المزيد