يبدو أن السعودي منفذ هجوم فلوريدا كان يعيش حياةً مُزدوجة عبر الشبكات الاجتماعية.. فكيف لم ينتبه أحد لإشارات الخطر؟

عربي بوست
  • ترجمة
تم النشر: 2019/12/12 الساعة 11:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/12/12 الساعة 11:15 بتوقيت غرينتش
الطيار السعودي محمد الشمراني الذي هاجم القاعدة العسكرية الأمريكية/مواقع التواصل

يكشف حساب تويتر يرجح أنه مملوك لمحمد الشمراني المنفذ المحتمل لهجوم فلوريدا عن الكثير من المفاجآت، ولكن المفاجأة الأكبر هي كيف لم تنتبه السلطات السعودية والأمريكية إلى إشارات الخطر التي يحويها هذا الحساب؟.

يمتلك محمد الشمراني أكثر من 2700 تغريدة مُسجّلة تحت اسمه. ورغم أن دوافع القاتل المزعوم لا تزال غامضة، لكنّ المعلومات التي اكتُشِفَت حديثاً حول وجوده على الشبكات الاجتماعية تُقدّم أدلةً حول عقليته، وذلك قبل إطلاقه النار المُميت الأسبوع الماضي داخل القاعدة البحرية في بينساكولا بولاية فلوريدا.

وقُتِلَ ضابط سلاح الجو السعودي بعد أن قتل ثلاثة بحارة أمريكيين، وجرح ثمانيةً آخرين في الخامس من ديسمبر/كانون الأول. 

وحتى ذلك الحين، كانت تغريداته الظاهرة التي يعود تاريخها إلى يوليو/تموز تُشير إلى رجلٍ مُشتّتٍ بين عالمين: التدريب مهنياً مع الأمريكيين، مع الانخراط بنفسه في بعض الآراء الراديكالية التي تُخاطر بتعريضه للسجن في بلاده.

ويعُجّ حساب تويتر الذي يحمل اسمه، @M7md_Shamrani، بالتغريدات التي تحمل المشاعر المناهضة لأمريكا والدينية بشكلٍ مُتزايد، حسبما ورد في تقرير لشبكة CNN الأمريكية.

ما موقفه من الأمير محمد بن سلمان؟

والفارق الأبرز بينه وبين السعوديين الآخرين في نفس عمره هو الغياب الواضح لمُحتوى الإعجاب بالملك السعودي وولي العهد، والاهتمام المتواصل بالجماعات والأفراد الذين تعتبرهم المملكة إرهابيين.

ونشر الحساب في آخر تغريداته كلمات مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ورجل الدين الأمريكي من أصل يمني أنور العولقي، قبل دقائق من إعلان السلطات وقوع هجوم. وأظهرت التغريدات السابقة دعماً لجماعة الإخوان المسلمين، وهم إسلاميون سياسيون لا يتبنّون العنف (ولكن المملكة اتخذت منهم موقفاً سلبياً بعد فوزهم بالانتخابات في العديد من الدول العربية).

وحصلت شبكة CNN الأمريكية على المعلومات من تسجيل شاشة مُدّته 28 دقيقة، نشره الناشط والمُدوّن السعودي المعروف باسم @ZHRANCO، الذي أظهر التغريدات على حساب @M7md_Shamrani طوال الأشهر الستة الماضية.

ورغم أن الشبكة الأمريكية فشلت في التحقّق من صحة الحساب، لكن أحد المصادر المُطلعة على القضية أخبر CNN أن السلطات عثرت على حسابٍ يحمل اسماً مُشابهاً لمُطلق النيران، وتعتقد أنّه مُرتبطٌ بالشمراني.

وتمكّنت الشبكة من مُطابقة التغريدات المأخوذة عن حساب @M7md_Shamrani مع التغريدات الظاهرة في تسجيل الشاشة، قبل تعليق الحساب.

ويسعى حساب @ZHRANCO لتوثيق حالات "استخدام الدين بوصفه أداةً للمتاجرة"، بواسطة أولئك الذين يرغبون في "غسل عقول" العرب، بحسب موقعه الإلكتروني. وقال لشبكة CNN إنّه سجّل وحلّل الحساب الذي يعتقد أنه ينتمي إلى الشمراني بعد وقوع عملية إطلاق النار، وذلك لأنه توقّع أن يمسحه تويتر.

وأضاف: "أنا مُهتمٌّ بالواقعة طبعاً. لأنني مواطنٌ سعودي، لذا أُدرِك الآثار السلبية لهذه الوقائع على كل دينٍ ودولة".

وأكدت ألي بافيلا، المُتحدثة الرسمية باسم تويتر، لشبكة CNN أن الحساب جرى تعليقه: "هذا كل ما يُمكننا أن نُشاركه".

وبحسب تسجيل @ZHRANCO، فقد أعرب حساب @M7md_Shamrani عن تأييده لشخصياتٍ مُثيرةٍ للجدل لا تدعم العائلة الملكية السعودية، فضلاً عن احتجازها في السجن بسبب آرائها الدينية. 

وتشمل تلك الشخصيات حكيم المطيري، الباحث الديني والأمين العام لحزب الأمة السعودي الذي يضم إسلاميين ويرفض الملكية المطلقة ويطالب بالمصالحة السياسية.

موقفه من إيران

وأعاد حساب @M7md_Shamrani نشر التغريدة التالية التي كتبها المطيري، الذي يملك 1.1 مليون مُتابع على تويتر: "أيها الإيرانيون الأحرار: تغيير النظام الطائفي في طهران هو طوق النجاة لإنقاذ إيران وشعبها وشعوب المنطقة العربية التي شارك هذا النظام الإجرامي بالتحالف مع المحتل الأمريكي في العراق والروسي في سوريا للقضاء على ثوراتها وقتل الملايين وتهجيرهم لصالح الحملة الاستعمارية الغربية!".

وربما ليست هذه المشاعر غريبةً عن الشباب السعودي، ولكن صورةً أخرى تتجلّى حين نتفحّص مصدرها. 

ووفقاً لمؤسسة Carnegie Endowment for International Peace الفكرية، فإن أهداف حزب الأمة تتمثّل في "إقامة مجتمعٍ إسلامي، وإخراج الجنود الأجانب من منطقة الخليج، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ودعم التعدُّدية السياسية"، وهي آراءٌ تتوافق بعضها مع وجهات نظر القاعدة.

وقبل أسبوعٍ واحد من إطلاق النار، نشر الحساب أيضاً مقتطفات من تأليف الكاتب السعودي إبراهيم السكران، الذي احتُجِزَ عام 2016 بسبب تعليقاته المُناهضة للحكومة. 

وكان النص يُهاجم المؤسسات والدوافع الغربية

إذ يقول: "أما الوجه الثالث: فهو الوجه السياسي للحضارة الغربية، وهو الوجه الكالح بكل معنى الكلمة، فالمؤسسة السياسية الغربية مؤسسةٌ إمبريالية استعمارية تمتص ثروات الأمم الأخرى، وليس لديه أية حواجز أخلاقية أمام مصالحها، فهي ديمقراطية شفافة في السياسة الداخلية -غالباً- وديكتاتورية مُعتمة في السياسة الخارجية دائماً".

شخصية جديدة تظهر فجأة.. طيار منغمس في مهنته

ولكن في خضم سلسلة منشوراته الدينية، وقبل أسابيعٍ من إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول، بدأ الحساب فيما يمكن تسميته بتغير أو تبادل الشخصيات. 

إذ بدأت تتخلّل الحساب تغريداتٌ تكشف الأعمال البطولية لطيار مُقاتلة إف 15 سعودي سابق. وتأكّدت شبكة CNN من أنّ الشمراني كان يخضع لتدريبٍ إبان بداية ونهاية ذلك الشهر.

وأعاد الحساب أيضاً نشر تغريدةٍ من حلقة بودكاست سحاب عن مقاتلات إف-15، وتضمّنت الحلقة قصة ضابطٍ طيار سعودي سابق. وتتحدّث التغريدة المقصودة عن كيفية تطبيق مبدأ الطيران، الذي يُدعى "التقدير الاستدلالي"، على المواقف السياسية في العالم الحقيقي. 

ومرةً أخرى في أكتوبر/تشرين الأول، أعاد الحساب نشر تغريدات الطيار السابق نفسه، والذي أخبر شبكة CNN أنّه لم يعلم أنّ ذلك الحساب -الخاص بالشمراني على الأرجح- كان يُعيد نشر تغريداته. واختار الطيار عدم ذكر اسمه لأنّه لا يمتلك سلطة التحدّث إلى وسائل الإعلام، لكنّه قال إنه لم يكُن يعرف الشمراني.

وكان حامل الحساب ينشر تغريدات سعيدة وبسيطة باللغة الإنجليزية، مثل: "التحقُّق من سلامة العملية #كل20دقيقة :)". ووفقاً لإدارة الطيران الفيدرالية، فإنّ التحقّق من سلامة التشغيل "هو اختبارٌ "أثناء الحركة" أو "بالطاقة الكاملة" لتحديد ما إذا كانت إحدى المُعدات ستعمل في مستوى أداءٍ مُحدّد".

وتُعَدُّ تقلّبات الشخصية هذه دراماتيكية، إذ إنّ تلك التغريدات هي بعيدةٌ كل البعد عن التغريدات التي أعاد الحساب نشرها في أغسطس/آب، اقتباساً عن حسابٍ يحمل اسم رجل الدين الراحل الشيخ حمود الشعيبي: "فبدون الجهاد لا يستطيع المسلمون الدفاع عن بلادهم وحرماتهم". 

وكان الشيخ حمود الشعيبي، الذي تُوفّي عام 2001، الذي ينظر له كشيخ راديكالي من جانب المسؤولين السعوديين. 

وذكرت مؤسسة Carnegie أنّه كان "جزءاً من شبكةٍ أثّرت بشدة في تنظيم القاعدة داخل السعودية أوائل القرن الحادي والعشرين، علاوةً على حركة الجهاد العابرة للحدود".

وقال عم الشمراني، خلال حديثه إلى CNN يوم الجمعة السادس من ديسمبر/كانون الأول، إنّه "لم يلحظ شيئاً" في سلوك ابن أخيه يُشير إلى أنّه مُقبلٌ على ارتكاب هجوم. وأضاف عمه أنّ محمد "كان محبوباً ومُهذّباً مع أسرته والمجتمع".

كيف لم ينتبه أحد إلى ما يحويه هذا الحساب من تناقضات؟

وفي حال كان الحساب يخص الشمراني فعلياً؛ فمن المُذهل أنّه نجح في الاندماج على أرض الواقع، وانغمس بنفسه في حياته المهنية بوصفه طياراً مُحترفاً، مع الحفاظ على شخصيةٍ مُختلفةٍ بالكامل عبر الإنترنت -وهي شخصيةٌ بعيدةٌ كل البعد عن شخصية طيار القوّات الجوية المُتدرّب الذي يُؤيّد الحكومة عادةً.

وقال أحد مسؤولي إنفاذ القانون لشبكة CNN إنّ الشمراني جرى فحصه إبان دخوله الولايات المتحدة، وكان فحص خلفيته مرةً أخرى بعد الحادث "لا يُشير إلى أيّ دواعٍ للقلق".

في حين قال جون كيربي، مُحلّل CNN العسكري واللواء البحري السابق، إنّ الطلاب الأجانب يتعيّن عليهم الحصول على تصاريح عسكرية بعينها.

ومن هذا المنطلق، يبدو من اللافت للنظر أنّ أحداً لم يلحظ العديد من تغريداته الظاهرة، خاصةً من السلطات نفسها التي تُسارع الآن لاكتشاف كيفية حدوث ذلك.

وفي حين أعرب المسؤولون السعوديون عن تعازيهم وأكّدوا أنّ الشمراني لا يُمثّل المملكة العربية السعودية، ولكن يبدو أنّه أفلت من بين أيديهم بطريقةٍ ما. وحاولت CNN التواصل مع السلطات السعودية من أجل الحصول على تعليق، ولكن دون جدوى.

تحميل المزيد